مجد رمضان تقيم "محكمتها" في زمن الرسم

في قلب السياسة وبعيدا عنها

من أعمال مجد رمضان

مجد رمضان تقيم "محكمتها" في زمن الرسم

للرسامة اللبنانية مجد رمضان زمنها الخاص، هو زمن رسومها، أسلوبا وموضوعات. وما أن نعلم أنها ترسم جداريات للكنائس حتى نكون على بينة من الأسلوب الذي تعالج من خلاله موضوعات يجب أن تكون دينية. في ذلك الأمر الكثير من الغرابة الاستفهامية إذا ما عرفنا أن رمضان ليست مسيحية.

أين يكمن السر إذن؟ تفرّغ من ذلك النوع، لا بد أن يشير إلى شغف الرسامة الروحي بالرسوم الكنسية. تلك فكرة يتطلب تنفيذها استغراقا استثنائيا في أمرين صعبين هما أولا الثقة بالمرويات الدينية المسيحية، وثانيا الإطلاع على إنجازات رسامي ذلك النوع الكبار التي أهلتهم لكي يحتلوا مكانة مميزة في تاريخ الرسم.

ولكن ما الذي ينفع في قطيعة رسامة عن زمنها لتكون ابنة لزمن لم تعشه؟ بعد سنوات ستجيب مجد بنفسها عن ذلك السؤال الذي لم تكن تعبأ به من قبل. وقبل أن نتعرف الى طبيعة ذلك الجواب يجب أن نقرّ بأن الرسامة لم تسع إلى اقتفاء أثر رسامي عصر النهضة في حرفتهم الكلاسيكية المتقنة بل رسمت بطريقة معاصرة.

وفي ذلك ما منح خيالها حرية اقتفاء أثر الحكاية الدينية بطريقة شخصية. وإذا ما كانت قيمة الرسام لا تنحصر في موضوعاته بل في معالجاته، فإن مجد رمضان كانت في كل ما أنجزته حاضرة باعتبارها رسامة معاصرة.

ما انتهى إليه البلد الذي كان يلقب بسويسرا الشرق من خراب وانهيار وجودي يتطلب إجراء محاكمات ليست تقليدية، بما فيها المحاكمات الفنية

 من الطبيعي أن يلاحقها سوء الفهم. فغرامها بالرسم الديني استغرق زمنا طويلا. ليس بالضرورة أن يستجيب الرسام لدعوات تبعده عن فكرته. لم تعترض مجد على ما يفكر فيه الآخرون فيما كانت ترسم خرائطها، التي قادتها إلى أن تكون شاهدة عصرها من خلال محاولتها الفنية الجديدة "المحكمة". محكمة لمن ولماذا وبأي أدوات؟ ذلك سؤال، جوابه جاهز في لبنان. ما انتهى إليه البلد الذي كان يلقب بسويسرا الشرق من خراب وانهيار وجودي، يتطلب إجراء محاكمات ليست تقليدية، يساهم فيها المجتمع بكل فعالياته بما فيها فعاليته الفنية.

عمل لمجد رمضان

واقع تعينه الحكاية على البقاء

في "المحكمة" تظهر الرسامة بشكل قوي رغبتها في أن تكون أخرى. الأخرى التي لم تتخل تماما عن عالمها، وهنا أقصد النظام الداخلي للوحة بما فيه أسلوب المعالجة والبناء الإنشائي، وهو ما صار جزءا من شخصيتها. ذلك ما كان له تأثير على طريقتها في خلق مشهدية مسرحية غير مستهلكة من جهة كونها لا تعيد صوغ الواقع بأدواته البصرية المباشرة. يبدو كل شيء مستعارا من حكاية لا تفارق خيالها. وهذا وحده في إمكانه أن يشكل عنصر إزاحة تتماهى الوقائع من خلاله مع طابعها الرمزي، فلا تتوقف عند حدود الظاهرة المباشرة بل تتخطاها إلى تجليات بعدها التاريخي، وهو البعد الذي يكسبها الكثير من القسوة والألم ويعمق ما تنطوي عليه من خسائر وفقدان. 

 

الفنانة مجد رمضان

لكن المسألة تظل أوسع من ذلك حين يزج بالوقائع اليومية في مناخات أسطورية. تلك هي المساحة الخاصة التي ابتكرتها الرسامة لكي تقيم فيها محاكماتها. ولأن ذلك النوع من الرسوم هو شهادة لا تقيد الرسامة بدور الشاهدة، فإن المسافة الإيحائية تقوم على أساس الاسترسال في البحث عن دوافع الجريمة وعدم الاكتفاء بتوجيه التهم إلى الجناة. صحيح أن الاعترافات هي الأساس وهي اعترافات صامتة مسرحها بلد بأكمله، لكن هناك لغة بصرية هي ما تحيطه الرسامة باهتمامها، وهي اللغة التي يجب علينا أن نسعى إلى الإنصات إليها جيدا ومراقبة ذبذباتها.

من أعمال مجد رمضان

في حالة من ذلك النوع هل ينزلق الرسم إلى ما هو موضوعي ليفارق ذاتيته؟ ما بين الشيء وفكرته، تخلق الرسامة عالما يضج بالمعاني التي هي أشبه بمرثيات للحاضر. وهنا بالضبط يحضر الزمن بخفة. جرأة استثنائية تنطوي عليها تلك المواجهة التي يشكل الزمن طرفها الثاني. ما جرؤت الرسامة على القيام به، مستلهمة خبرتها في رسم الصور الدينية، يكمن في أنها أحالت كل شيء إلى بعده الأسطوري في محاولة منها لفتح الحدود بين ما هو يومي وما هو مطلق. الحدث وفكرته.

السياسة في مواجهة القيم الإنسانية

تقول مجد رمضان في دردشة مع "المجلة": "تكمن أهمية هذه المجموعة في عمق فكرتها وشمولها الإنساني. فيها تتجسد المحكمة فضاء رمزيا يحاكم الإنسان وأفكاره وتناقضاته الداخلية، حيث تتحول اللوحات إلى مسرح بصري تطرح فيه المفاهيم أسئلتها بدلا من أن تقدم إجابات جاهزة".

في إمكان الرسم أن يعيد تأثيث الواقع بمعادلات تقع في صلب الحقيقة من غير أن يخون خياله

عميقة الرسامة في توضيح أسلوبها في تحويل الشيء إلى فكرة، وهذا ما نجده مجسدا في رسومها حيث تتحول الأفعال إلى قيم بصرية تنطوي على قوة الخيال الذي يكسب الحدث الواقعي طابعا غرائبيا بامتدادات سوريالية، بالإضافة إلى أنها لا تتوقف عن الكشف عن حفرياتها في تاريخ مضن من الوقائع المتكررة. عملت مجد رمضان على أن لا تكون رسامة واقعية. كل تراثها الفني يقوم على ما تنطوي عليه الحكايات الدينية من مفارقات تثق بما لا يرى من الحدث. ذلك ما ينأى بالسياسة بعيدا عن ترجمتها المباشرة.

من لوحات مجد رمضان

ولهذا يمكن القول إن رسوم مجد رمضان ليست سياسية. ذلك هو الجوهر الذي سعت الرسامة الوصول إليه ونجحت في مسعاها حين انفتحت بالحاضر على ماضيه وأعادت اليومي إلى سيرته الحكائية. ذلك ما كان يحدث دائما. كان على البشرية دائما أن تحاكم أخطاءها. وهي إذ تفعل ذلك الآن من خلال الرسم، فلأنها لا تملك أداة أخرى. فهي تستعين بالأسطورة لكي تحاكم الواقع ومن خلالها وقف الحاضر في مواجهة الحقيقة.

الحقيقة في عالم زائف

وضعت مجد رمضان في واحدة من لوحاتها، "العدالة في قفص". ما معنى ذلك؟ في كل لوحة من لوحاتها يجد المتلقي نفسه في مواجهة سؤال من هذا النوع. وهو سؤال وجودي، مصيري وضروري، غير أنه يغمط الرسم حقه. صحيح أن رمضان من خلال محكمتها تجيب عن سؤال أكبر وأشمل، هو ما الذي يفعله الرسام في الأوقات العصيبة للدفاع عن القيم الإنسانية، غير أن الصحيح أيضا أنها التقطت من خلال تنقيبها في الحكايات الروحية الميسرة، فكرة تقول إن في إمكان الرسم أن يعيد تأثيث الواقع بمعادلات تقع في صلب الحقيقة من غير أن يخون خياله.

من أعمال مجد رمضان

أنجزت الفنانة 24 لوحة حتى الآن في مشروعها الذي قد يرى النور في مارس/ آذار المقبل في عرض تخطط له أن يكون استثنائيا. فالرسامة التي اعتادت أن تعرض لوحاتها خارج القاعات الفنية المحصنة بذائقة جمهورها النخبوي، تحلم في أن يرى أعمالها جمهور أكثر تنوعا على مستوى الذائقة الجمالية وأشد اختلافا على مستوى التفكير في الفن باعتباره نوعا من الهداية وليس مجرد سلعة. وهو ما يعني أن شيئا من القداسة لا يزال عالقا في علاقة الرسامة بأعمالها. وهو ما تكشف عنه طريقتها الأيقونية في إنشاء لوحاتها، وهي الطريقة التي تهبنا معادلات، مصدرها حقيقة ثابتة هي العدالة.

لوحة لمجد رمضان

تواجه مجد رمضان زمنها بالحقيقة التي تدينه. لديها زمنها السخي الذي لا يبخل بحكمته المترفة. ففي الوقت الذي تحاكم فيه عالما ينهار أمامها بسبب تخليه عن قيمه الأخلاقية والإنسانية، تتمسك بقيم الرسم التي ترى أن التخلي عنها قاد إلى الفوضى التي فتحت الباب أمام نوع تصويري رث من التعبير عن المشاعر.

تفكر مجد رمضان في مهمة الرسام وهو يسعى إلى قول الحقيقة في الأزمنة الصعبة

بالنسبة إلى هذه الرسامة لا تزال الصورة هي الأصل. الصورة هي إرثها الذي عملت على تطويره وإعادة تأثيثه بما يلائم عصرها. ذلك ما أنقذها من التفكير في السياسة. فهي كما تقول ليست رسامة سياسية. صحيح أن رسومها تدين الفساد والفاسدين، غير أن ذلك لا يحدث انسجاما في سياق أجندة عقائدية. تفكر مجد رمضان في مهمة الرسام وهو يسعى إلى قول الحقيقة في الأزمنة الصعبة.

font change

مقالات ذات صلة