حين يسقط النظام الإيراني... الشرق الأوسط في مفترق طرق

هاوية استراتيجية بالغة الخطورة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
إيراني يحمل صورة المرشد الأعلى علي خامنئي بعد مقتله، أثناء توافد حشود المعزين إلى ساحة بطهران في 1 مارس 2026

حين يسقط النظام الإيراني... الشرق الأوسط في مفترق طرق

لقد رأيت على مدى سنوات طويلة أن الجمهورية الإسلامية تمضي بخطى ثابتة نحو نقطة انهيار استراتيجي. وقد حلّت تلك اللحظة الآن، ولكن على نحو مغاير لكل ما توقعه كثيرون في المنطقة.

تمثل الضربات الأميركية والإسرائيلية المنسقة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية، التي بلغت ذروتها باغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي، أخطر تصعيد يشهده الشرق الأوسط منذ عقود. غير أن هذه الضربات لا تنذر باحتمال انهيار النظام الإيراني فحسب، بل تفتح الباب أمام فصل إقليمي أشد خطورة.

رزحت إيران تحت وطأة ضغوط هائلة. فقد استنزفت العقوبات اقتصادها، وأضعفت العمليات الإسرائيلية المتواصلة شبكتها الإقليمية من الوكلاء، كما قوضت الاضطرابات الداخلية، ولا سيما بين الشباب والنساء، صورة الاستقرار التي حرص النظام على ترسيخها.

واليوم تواجه طهران، المعزولة استراتيجيا والمثقلة اقتصاديا، ضغوطا داخلية غير مسبوقة منذ عام 1979.

غير أن الضعف الاستراتيجي لا يفضي تلقائيا إلى تحول سياسي، بل يدفع البلاد نحو احتدام التنافس على السلطة، ويفتح ثغرات تتسلل منها أطراف داخلية وقوى خارجية على حد سواء.

أدركت إسرائيل هذا الضعف مبكرا. وعلى مدى العقد الماضي شنت حملة واسعة من العمليات السرية والعلنية داخل إيران، تمثلت في هجمات إلكترونية، وتخريب منشآت نووية، واغتيالات استهدفت علماء ومسؤولين أمنيين، وتغلغل عميق في صفوف الحرس الثوري الإسلامي. سعت كل عملية إلى إضعاف قدرات إيران، لكنها هدفت أيضا إلى تضييق هامش المناورة أمام واشنطن.

كان الهدف واضحا، وهو إقناع الولايات المتحدة بأن الدبلوماسية بلغت طريقا مسدودا، وأن الوقت يوشك أن ينفد، وأن اللجوء إلى الخيار العسكري ليس مبررا فحسب، بل حتمي ولا مفر منه.

لم يكن ما خططت له إسرائيل ونفذته تلاعبا بالمعنى التآمري، بل صياغة استراتيجية متكاملة. فقد تكاملت الإحاطات الاستخباراتية مع الرسائل السياسية والدبلوماسية العامة لرسم صورة إيران باعتبارها تهديدا وجوديا مباشرا يقتضي تحركا حاسما. وتحول النقاش في واشنطن تدريجيا من سؤال هل ينبغي توجيه ضربة إلى سؤال متى وكيف توجه.

إن الضعف الاستراتيجي لا يفضي تلقائيا إلى تحول سياسي، بل يدفع البلاد نحو احتدام التنافس على السلطة، ويفتح ثغرات تتسلل منها أطراف داخلية وقوى خارجية على حد سواء

عندما قصفت قاذفات "B-2" الأميركية مواقع فوردو ونطنز وأصفهان في يونيو/حزيران 2025 بالقنابل الثقيلة، بدا أن المنطقة بلغت نقطة اللاعودة. ورغم أن الهجمات دمرت جزءا كبيرا من البنية التحتية النووية الإيرانية، فإنها لم تسقط النظام. بل مهدت لمزيد من التصعيد، تصعيد أبدت إسرائيل استعدادها للمضي فيه.

قُدم اغتيال خامنئي على أنه إزاحة لمهندس زعزعة الاستقرار الإقليمي. بالنسبة إلى إسرائيل، مثلت العملية تتويجا لهدف طويل الأمد يتمثل في ضرب المركز الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية. أما الولايات المتحدة فقد صورتها خطوة ضرورية لمنع مزيد من التصعيد وحماية قواتها. لكن المنطقة بأسرها اندفعت نحو هاوية استراتيجية بالغة الخطورة.

رويترز
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، ونائب رئيس مجلس الخبراء علي رضا أعرافي، في اجتماع مجلس القيادة الانتقالية، في 1 مارس 2026

ردت إيران بضربات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت مسارح متعددة، فأصابت قواعد أميركية في الأردن والعراق والخليج، كما طالت منشآت عسكرية إسرائيلية. وأغلقت أجواء الخليج أكثر من مرة، وشهدت أسواق الطاقة تقلبات حادة، وارتفعت أقساط التأمين على الشحن عبر مضيق هرمز ارتفاعا كبيرا.

تجد دول الخليج نفسها اليوم في مرمى مواجهة لم تبدأها ولم ترغب فيها. فقد انهار التوازن الدقيق الذي سعت إلى ترسيخه، والقائم على الجمع بين شراكات أمنية وثيقة مع واشنطن وإعادة فتح قنوات تواصل حذرة مع طهران.

الخطر الذي يخيّم على المنطقة لا يتمثل في حرب تقليدية بين إيران وإسرائيل، بل في صراع إقليمي طويل الأمد تُدار فصوله عبر الصواريخ والهجمات الإلكترونية والتصعيد بالوكالة، صراع يجر لبنان والعراق وسوريا واليمن إلى أتون مواجهاته، ويهدد الشرايين الاقتصادية الحيوية لدول الخليج.

تجد دول الخليج نفسها اليوم في مرمى مواجهة لم تبدأها ولم ترغب فيها

يحمل مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ولا يميز العمل في هذا الممر الحيوي بين ضربة خُطط لها في تل أبيب وأخرى أُعلن عنها في واشنطن. وإذا قررت إيران تعطيل الملاحة البحرية، ولو مؤقتا، فإن التداعيات الاقتصادية ستمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة، غير أن الصدمة الأولى ستقع في الشرق الأوسط.

أما في الداخل الإيراني فتبدو الصورة أكثر تعقيدا. ففي حين احتفلت فئات من الشعب بوفاة الزعيم الذي حملته مسؤولية القمع والمعاناة الاقتصادية، التف آخرون حول علم البلاد.

ولا ريب في أن النزعة القومية قوة جبارة، ولا سيما حين يشعل هجوم أجنبي فتيلها. كما لا يزال "الحرس الثوري الإسلامي" متماسكا وقويا، ومتغلغلا بعمق في البنية السياسية والاقتصادية لإيران.

لا تفضي إزاحة "المرشد الأعلى" إلى تفكيك النظام، بل قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة فتعمل على توطيده.

رويترز
الدخان بتصاعد من مقر المرشد الايراني علي خامنئي بعد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، في 28 فبراير

ولا يرجح أن يسفر فراغ القيادة في طهران عن بروز إصلاحيين معتدلين يتطلعون إلى انفراج إقليمي. والأقرب إلى المنطق أن يعزز هذا الفراغ موقع المتشددين الأمنيين الذين تتشكل رؤيتهم للعالم عبر عدسة المواجهة. وقد تثبت إيران التي يحكمها "الحرس الثوري" بصورة مباشرة، حتى في غياب السلطة الرمزية لـ"المرشد الأعلى"، أنها أقل قابلية للتنبؤ وأكثر ميلا إلى الرد غير المتكافئ.

يضع هذا الاحتمال الدول العربية أمام معضلة استراتيجية حقيقية. فقد بدا في وقت سابق أن ضعف إيران يبشر بانكفاء تدخلها في الشؤون العربية. غير أن إيران غير المستقرة، سواء تفككت أم ازدادت تطرفا، قد تصدر الفوضى وعدم الاستقرار إلى أنحاء المنطقة كافة.

تحمل تجارب العراق وسوريا وليبيا دروسا بليغة لمن أراد الاعتبار. فلا يولد انهيار الدولة نظاما جديدا، بل يخلق فراغا. ونادرا ما يحقق تدخل خارجي يفتقر إلى خريطة طريق سياسية استقرارا مستداما.

ولا تحتمل المنطقة ساحة جديدة من التشرذم المفتوح إلى أجل غير مسمى.

لا ريب في أن النزعة القومية قوة جبارة، ولا سيما حين يشعل هجوم أجنبي فتيلها. كما لا يزال "الحرس الثوري الإسلامي" متماسكا وقويا، ومتغلغلا بعمق في البنية السياسية والاقتصادية لإيران

يثير المشهد قلقا أعمق يتعلق بتآكل الفاعلية الإقليمية. إذ يلوح خطر أن يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى مسرح لمنافسات استراتيجية تصوغها الحسابات الخارجية في المقام الأول. غذت العقيدة الأمنية الإسرائيلية والديناميكيات السياسية الأميركية هذه المواجهة، لكن كلفتها ستثقل كاهل المجتمعات العربية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

لم يعد السؤال الحاسم ما إذا كانت إيران قد بلغت مرحلة الانهيار الاستراتيجي، إذ بات واضحا أنها بلغت تلك المرحلة، بل ما إذا كان تفكيك دولة من دون إطار محدد لما سيأتي بعد ذلك يعزز الأمن الإقليمي أم يزيده هشاشة.

يتعين على العواصم العربية أن تتحرك سريعا للحيلولة دون تصاعد التوتر وخروجه عن السيطرة. ويقتضي ذلك تنسيقا دبلوماسيا عاجلا، ليس مع واشنطن فحسب، بل بين الفاعلين الإقليميين أنفسهم.

ينبغي إبقاء قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة مهما بلغت حدة التوتر. كما ينبغي تعزيز آليات خفض التصعيد، وحماية الأمن البحري عبر ترتيبات جماعية لا عبر مواقف أحادية.

الأهم أن تقاوم المنطقة الوهم القائل إن تصفية القيادات عسكريا تعادل حلا استراتيجيا. فلا يفرض الاستقرار الدائم بالقوة الجوية وحدها، بل يتطلب مشاركة سياسية، وانتعاشا اقتصاديا، وأطرا أمنية إقليمية تعالج جذور التوتر بدلا من الاكتفاء بكبح مظاهره.

بلغت إيران نقطة الانهيار. غير أن انهيارها قد يكسر أيضا التوازن الهش الذي سعى الشرق الأوسط إلى استعادته في الأعوام الأخيرة.

تقف المنطقة اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تنزلق إلى دوامة من التصعيد الانتقامي والمواجهات بالوكالة والاضطرابات الاقتصادية، وإما أن تستثمر هذه اللحظة الخطيرة لترسيخ استراتيجية إقليمية أكثر استقلالا وتنسيقا، تعطي الأولوية لخفض التصعيد والاستقرار لا للغطرسة واستعراض الانتصار.

لن يحكم التاريخ على هذه اللحظة استنادا إلى من بدأ الهجوم أو من امتلك القوة الأكبر، بل إلى ما إذا كانت المنطقة قد انساقت إلى صراع مفتوح جديد، أم تحلت بالحكمة وتراجعت عن حافة الهاوية.

font change

مقالات ذات صلة