لقد رأيت على مدى سنوات طويلة أن الجمهورية الإسلامية تمضي بخطى ثابتة نحو نقطة انهيار استراتيجي. وقد حلّت تلك اللحظة الآن، ولكن على نحو مغاير لكل ما توقعه كثيرون في المنطقة.
تمثل الضربات الأميركية والإسرائيلية المنسقة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية، التي بلغت ذروتها باغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي، أخطر تصعيد يشهده الشرق الأوسط منذ عقود. غير أن هذه الضربات لا تنذر باحتمال انهيار النظام الإيراني فحسب، بل تفتح الباب أمام فصل إقليمي أشد خطورة.
رزحت إيران تحت وطأة ضغوط هائلة. فقد استنزفت العقوبات اقتصادها، وأضعفت العمليات الإسرائيلية المتواصلة شبكتها الإقليمية من الوكلاء، كما قوضت الاضطرابات الداخلية، ولا سيما بين الشباب والنساء، صورة الاستقرار التي حرص النظام على ترسيخها.
واليوم تواجه طهران، المعزولة استراتيجيا والمثقلة اقتصاديا، ضغوطا داخلية غير مسبوقة منذ عام 1979.
غير أن الضعف الاستراتيجي لا يفضي تلقائيا إلى تحول سياسي، بل يدفع البلاد نحو احتدام التنافس على السلطة، ويفتح ثغرات تتسلل منها أطراف داخلية وقوى خارجية على حد سواء.
أدركت إسرائيل هذا الضعف مبكرا. وعلى مدى العقد الماضي شنت حملة واسعة من العمليات السرية والعلنية داخل إيران، تمثلت في هجمات إلكترونية، وتخريب منشآت نووية، واغتيالات استهدفت علماء ومسؤولين أمنيين، وتغلغل عميق في صفوف الحرس الثوري الإسلامي. سعت كل عملية إلى إضعاف قدرات إيران، لكنها هدفت أيضا إلى تضييق هامش المناورة أمام واشنطن.
كان الهدف واضحا، وهو إقناع الولايات المتحدة بأن الدبلوماسية بلغت طريقا مسدودا، وأن الوقت يوشك أن ينفد، وأن اللجوء إلى الخيار العسكري ليس مبررا فحسب، بل حتمي ولا مفر منه.
لم يكن ما خططت له إسرائيل ونفذته تلاعبا بالمعنى التآمري، بل صياغة استراتيجية متكاملة. فقد تكاملت الإحاطات الاستخباراتية مع الرسائل السياسية والدبلوماسية العامة لرسم صورة إيران باعتبارها تهديدا وجوديا مباشرا يقتضي تحركا حاسما. وتحول النقاش في واشنطن تدريجيا من سؤال هل ينبغي توجيه ضربة إلى سؤال متى وكيف توجه.

