لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حدثا عسكريا محدودا في جغرافيا النزاع، بل تحولت خلال أيام قليلة إلى صدمة عالمية تضرب أحد أكثر قطاعات الاقتصاد ترابطا وتعقيدا: الطيران المدني. في غضون ساعات من تصاعد العمليات العسكرية، أغلقت مجالات جوية، وتوقفت مطارات محورية في الخليج عن العمل، وتعطلت آلاف الرحلات، ووجد عشرات الآلاف من المسافرين أنفسهم عالقين في قارات مختلفة، فيما تراجعت أسهم شركات الطيران بقوة، وقفزت أسعار وقود الطائرات إلى مستويات مقلقة بعد ارتفاع أسعار النفط.
السماء التي كانت تختصر عبورا سلسا بين العواصم الخليجية والدولية، أصبحت فجأة ساحة مخاطرة جيوسياسية، فبات كل إعلان لإغلاق مجال جوي أو تعليق لرحلات يعني عمليا إعادة كتابة جداول تشغيل عالمية في دقائق. ذلك أن الطيران ليس صناعة محلية. إنه شبكة متشابكة تقوم على توازن دقيق بين الطائرات والطاقم والمطارات ومسارات العبور ومراكز المراقبة الجوية. وعندما تتعطل حلقة واحدة، تنتقل العدوى بسرعة إلى الشبكة بأكملها. ما يحدث اليوم في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط هو مثل صارخ على هذا الترابط.
الخليج في قلب العاصفة... وعدوى عالمية
خلال العقدين الماضيين من الزمن، رسخت مطارات الخليج، لا سيما في الرياض وجدة وأبو ظبي ودبي والدوحة، مكانتها كمراكز ربط عالمية بين آسيا وأوروبا وأميركا. واعتمدت شركات النقل الجوي في المنطقة على موقع جغرافي استراتيجي يسمح بتحويل رحلات بعيدة المدى إلى مسارات أكثر كفاءة عبر "محور" واحد أو محورين، مستفيدة من أساطيل حديثة وبنية تحتية متطورة. لكن هذا النموذج يفترض شيئا أساسيا: أن تكون السماء مفتوحة ومستقرة.


