السماء في مرمى النيران… حرب إيران تعصف بالطيران والمطارات

من الخليج إلى أوروبا وآسيا، إلغاء آلاف الرحلات وتعطيل للممرات الجوية وقفزة في التكاليف

ادوارد رامون
ادوارد رامون

السماء في مرمى النيران… حرب إيران تعصف بالطيران والمطارات

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حدثا عسكريا محدودا في جغرافيا النزاع، بل تحولت خلال أيام قليلة إلى صدمة عالمية تضرب أحد أكثر قطاعات الاقتصاد ترابطا وتعقيدا: الطيران المدني. في غضون ساعات من تصاعد العمليات العسكرية، أغلقت مجالات جوية، وتوقفت مطارات محورية في الخليج عن العمل، وتعطلت آلاف الرحلات، ووجد عشرات الآلاف من المسافرين أنفسهم عالقين في قارات مختلفة، فيما تراجعت أسهم شركات الطيران بقوة، وقفزت أسعار وقود الطائرات إلى مستويات مقلقة بعد ارتفاع أسعار النفط.

السماء التي كانت تختصر عبورا سلسا بين العواصم الخليجية والدولية، أصبحت فجأة ساحة مخاطرة جيوسياسية، فبات كل إعلان لإغلاق مجال جوي أو تعليق لرحلات يعني عمليا إعادة كتابة جداول تشغيل عالمية في دقائق. ذلك أن الطيران ليس صناعة محلية. إنه شبكة متشابكة تقوم على توازن دقيق بين الطائرات والطاقم والمطارات ومسارات العبور ومراكز المراقبة الجوية. وعندما تتعطل حلقة واحدة، تنتقل العدوى بسرعة إلى الشبكة بأكملها. ما يحدث اليوم في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط هو مثل صارخ على هذا الترابط.

الخليج في قلب العاصفة... وعدوى عالمية

خلال العقدين الماضيين من الزمن، رسخت مطارات الخليج، لا سيما في الرياض وجدة وأبو ظبي ودبي والدوحة، مكانتها كمراكز ربط عالمية بين آسيا وأوروبا وأميركا. واعتمدت شركات النقل الجوي في المنطقة على موقع جغرافي استراتيجي يسمح بتحويل رحلات بعيدة المدى إلى مسارات أكثر كفاءة عبر "محور" واحد أو محورين، مستفيدة من أساطيل حديثة وبنية تحتية متطورة. لكن هذا النموذج يفترض شيئا أساسيا: أن تكون السماء مفتوحة ومستقرة.

الأزمة لم تعد إقليمية، إنها موجة تعطيل للسفر والشحن الجوي عابرة للقارات، تؤثر في حركة الركاب والبضائع

مع تصاعد الحرب، أغلقت مجالات جوية في إيران والعراق وسوريا وقطر والبحرين والكويت، وفرضت قيود واسعة في السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل. هذا الانسداد لا يعني إغلاق مدرج أو اثنين، بل يعني تعطل ممرات عبور كاملة كانت تشكل شريان الربط بين الشرق والغرب، وعشرات الآلاف من الركاب العالقين في المنطقة، تسابق الحكومات الزمن لإعادتهم إلى أوطانهم.

وكذلك الأمر بالنسبة لتعليق معظم الرحلات التجارية التي فاق عددها حتى الآن 21 ألف رحلة في سبعة مطارات رئيسة، مما عطل فعليا شبكة ممرات جوية آمنة ومستقرة تسمح بجدولة آلاف الرحلات يوميا بثقة زمنية عالية.

رويترز
طائرة تابعة لطيران الإمارات متوقفة في مطار إنتشون الدولي بعد إلغاء رحلتها، في انتظار جلاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كوريا الجنوبية، 5 مارس 2026

يتضح الحجم الحقيقي للصدمة من موجة الإلغاءات العالمية التي وثقتها تقارير إخبارية. إذ سارعت شركات طيران كبرى في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا، في مقدمها "لوفتهانزا" و"الخطوط الجوية البريطانية" ومجموعة "إير فرانس – كاي إل إم" و"إير كندا" و"دلتا" و"كاثاي باسيفيك" و"الخطوط الجوية اليابانية" و"سنغافورة إيرلاينز" و"إير إنديا" و"إنديغو" و"الخطوط الجوية التركية"، إلى تعليق أو تعديل عملياتها في الشرق الأوسط، مما يعكس اتساع نطاق القلق. هذه القائمة، التي تضم أكثر من 20 شركة دولية، تكشف أن الأزمة لم تعد إقليمية. إنها موجة تعطيل عابرة للقارات، تؤثر في حركة الركاب والبضائع على حد سواء.

الأسواق ترتجف... والوقود في قلب المعادلة

وكانت الأسواق المالية سريعة في التقاط الرسالة. أسهم شركات الطيران والسفر تراجعت بقوة، مع خسائر تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في القيمة السوقية خلال أيام قليلة. أسهم شركات أوروبية وآسيوية سجلت انخفاضات حادة في التداولات المبكرة، في إشارة إلى قلق المستثمرين من طول أمد الأزمة. لكن العامل الأكثر حساسية كان النفط. قفز خام برنت بنحو ثمانية في المئة ليقترب من 84 دولارا للبرميل، مما يعني ارتفاعا مباشرا في تكلفة وقود الطائرات، وهو أكبر بند في ميزانيات التشغيل.

في حرب الخليج الأولى عام 1991، ارتفعت أسعار النفط وأغلقت مجالات جوية واسعة، لكن التعافي كان تدريجيا بعد استقرار الأوضاع

حتى الشركات التي تعتمد استراتيجيات تحوط جزئي، لا تستطيع عزل نفسها بالكامل عن قفزات مفاجئة بهذا الحجم. وإذا استمرت الأسعار مرتفعة، فقد يتحول عام 2026 إلى عام ضغط مالي ممتد، لا مجرد صدمة قصيرة في الفصل الأول. ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود يعني إما تآكل الهوامش، أو رفع أسعار التذاكر أو كليهما، في وقت لم يستعد فيه القطاع كامل عافيته بعد من آثار جائحة "كوفيد-19".

الشحن الجوي المنسي

الشحن الجوي هو الضحية الأقل ظهورا في العناوين الإخبارية، لكنه من أكثر القطاعات الفرعية تضررا. يعني انخفاض عدد الرحلات انخفاض السعة المتاحة لنقل البضائع. في قطاع يعتمد على السرعة والدقة – من الأدوية إلى أشباه الموصلات – يمكن أي تعطيل أن يتحول إلى خسائر مضاعفة. وأشارت تقارير قطاعية إلى تراكم شحنات في مطارات المنطقة واضطرار شركات إلى إعادة توجيه البضائع عبر مسارات أطول وأكثر تكلفة. ومع ارتفاع أسعار الوقود، تزداد كذلك تكلفة الشحن البديل. وما يبدو كأزمة طيران قد يتحول سريعا إلى ضغط على سلاسل الإمداد كافة وأسعار السلع.

رويترز
شاشة تعرض الرحلات الملغاة في اتجاه دول الخليج، في مطار نيودلهي 3 مارس 2026

كذلك في أوقات النزاعات، يعاد تسعير الأخطار بسرعة. وثائق "أخطار الحرب" الخاصة بالطيران قد تشهد ارتفاعا في أقساط التأمين أو إعادة تقييم للتغطية. بعض وثائق السفر يستثني أصلا خسائر النزاعات المسلحة، مما يعني أن جزءا كبيرا من خسائر الإلغاء قد لا يكون قابلا للاسترداد. هذا الجانب، غير المرئي نسبيا، قد يكون الأكثر تأثيرا إذا طال أمد الأزمة. فارتفاع أقساط التأمين ينعكس مباشرة على تكلفة التشغيل، فيما تتحمل الشركات جزءا من خسائر التعطل التشغيلي بنفسها.

دروس التاريخ في إعادة رسم الممرات

اعتاد الطيران المدني الصدمات، لكن لكل أزمة طابعها الخاص. وفي حرب الخليج الأولى عام 1991، ارتفعت أسعار النفط وأغلقت مجالات جوية واسعة، لكن التعافي كان تدريجيا بعد استقرار الأوضاع. كانت الأزمة في جوهرها أزمة طاقة وجغرافيا إقليمية. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أغلقت الأجواء الأميركية بالكامل لأيام. كانت صدمة أمنية غير مسبوقة، أدت إلى إفلاس شركات وإعادة هيكلة عميقة في القطاع. لكن الجغرافيا الجوية لم تتغير جذريا، الذي تغير هو مستوى الأمن والتفتيش وإدارة الأخطار.

الحرب لم تضرب مدرجا واحدا أو شركة بعينها، لقد ضربت فكرة أن السماء فضاء محايد يمكن الاعتماد عليه

أما حرب أوكرانيا عام 2022 فحملت بعدا مختلفا: إغلاق دائم تقريبا لمجال جوي واسع فوق روسيا وأوكرانيا، مما أجبر شركات أوروبية على الالتفاف لمسارات أطول إلى آسيا، وزادت تكاليفها مقارنة ببعض الشركات الآسيوية. كانت تلك سابقة واضحة على أن الجغرافيا السياسية يمكن أن تعيد تشكيل التنافسية بين الشركات.

تجمع الأزمة الحالية عناصر من هذه التجارب الثلاث: ازدياد أسعار النفط، وصدمة أمنية، واحتمال إعادة رسم الممرات الجوية.

سيناريوهات ما بعد الأزمة

السيناريو الأول هو صدمة قصيرة وتعاف تدريجي للقطاع. فإذا أعيد فتح المجالات الجوية خلال أيام قليلة وعادت أسعار النفط إلى الاستقرار، قد يمتص القطاع الصدمة كما فعل سابقا. وستبقى الخسائر من ضمن إطار محدود زمنيا، مع تعويض تدريجي خلال موسم الصيف. والسيناريو الثاني هو اضطراب متوسط الأجل. قد يؤدي استمرار القيود أسبوعين إلى أربعة أسابيع إلى إعادة رسم مؤقتة لمسارات الطيران، وارتفاع في أسعار التذاكر، وضغط على الطلب السياحي في الخليج وشرق المتوسط، وزيادة في أقساط التأمين.

أ.ف.ب.

أما السيناريو الثالث، وهو الأبعد مدى، فيتمثل في إعادة هيكلة جيوسياسية لمسارات الطيران. قد يقل الاعتماد على محور واحد في الخليج، وتعزز أدوار مطارات بديلة في جنوب أوروبا أو شمال أفريقيا، وتسرع الاستثمارات في أساطيل أطول مدى قادرة على تفادي مناطق النزاع. كذلك قد يعاد النظر في استراتيجيات التحوط للوقود والتأمين. هذا السيناريو لا يعني تراجع دور الخليج، لكنه يعني أن المستثمرين قد يطلبون علاوة أخطار جيوسياسية دائمة عند تقييم شركات المنطقة.

في النهاية، الحرب لم تضرب مدرجا واحدا أو شركة بعينها. لقد ضربت فكرة أن السماء فضاء محايد يمكن الاعتماد عليه. وإذا كانت العولمة قامت على انسياب السلع ورؤوس الأموال والأشخاص، فإن الطيران هو رمزها الأوضح. اليوم، يبدو هذا الرمز أكثر هشاشة مما كنا نعتقد. والسؤال لم يعد كم رحلة ألغيت، بل هل نحن أمام أزمة عابرة، أم بداية مرحلة تصبح فيها الأخطار الجيوسياسية جزءا دائما من حسابات قطاع الطيران؟ الإجابة ستتضح مع انقشاع دخان المعارك. لكن المؤكد أن السماء، هذه المرة، لم تعد بعيدة عن التوترات السياسية.

font change

مقالات ذات صلة