القصة الكاملة لاغتيال "المرشد" الإيراني... هرب من "فخ الأنفاق" فقُتل في "وضح النهار"

الاختراقات الإسرائيلية المتكررة لا تعود إلى ضربة استخبارية واحدة، بقدر ما تعكس ثمرة حملة اختراق مؤسسية تراكمت عبر عقود

أ.ف.ب- رويترز- أكسل رانجل غارسيا
أ.ف.ب- رويترز- أكسل رانجل غارسيا

القصة الكاملة لاغتيال "المرشد" الإيراني... هرب من "فخ الأنفاق" فقُتل في "وضح النهار"

في صباح 28 فبراير/شباط 2026، وبينما اجتمع مسؤولون إيرانيون كبار في لقاء أمني في قلب طهران، لم يخطر ببالهم أن صواريخ كانت قد شقت طريقها إليهم، وأن من كان يستطيع تحذيرهم لن يتمكن من الوصول إليهم. وخلال دقائق من الانفجارات الأولى، أصاب ثلاثون صاروخا مجمع شارع باستور التابع لـ"المرشد الأعلى" علي خامنئي.

وبحسب تفاصيل كشفتها صحيفة "فايننشيال تايمز" ومعلومات "المجلة"، تعطلت أبراج الهاتف الخلوي في الأحياء المحيطة على نحو انتقائي، ولم يعد بإمكان عناصر الأمن توجيه أي تحذير. وبثت معظم كاميرات المراقبة المرورية في طهران لقطات مشفرة إلى خوادم في تل أبيب. وفي مكان ما في واشنطن. كان دونالد ترمب على متن طائرة الرئاسة الأميركية، بعدما أصدر الأمر قبل عشر ساعات.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن الهجوم قتل، خلال خمس دقائق فقط بين الساعة 8:10 صباحا و8:15 صباحا، ما لا يقل عن 40 مسؤولا إيرانيا رفيع المستوى. واستهدف الجزء الرئيس من الهجوم مجمعا كبيرا يستخدمه "المرشد الأعلى" خامنئي في شارع باستور، وهي منطقة شديدة التحصين في طهران.

وفي ظل مفاوضات متجددة، استهل المسؤولون الإيرانيون أسبوعهم، الذي يبدأ يوم السبت في إيران، باجتماع صباحي في مقر إقامة "المرشد". وقبل الضربة بدقائق، أكدت إسرائيل والولايات المتحدة أن جميع الأهداف عالية القيمة كانت قد توجهت بالفعل إلى الاجتماع.

وبعد الضربة التي استهدفت تصفية القيادة، هاجمت الموجة الثانية من المقاتلات الدفاعات الجوية الإيرانية محلية الصنع من مسافات بعيدة، ففتحت ممرا للموجة الثالثة.

ونسقت الولايات المتحدة وإسرائيل توزيع المهام، فركزت إسرائيل على غرب إيران، بينما ركزت الولايات المتحدة على الشرق، بدعم من طائرات أميركية للتزويد بالوقود. واستهدفت الموجة الثالثة، التي ضمت 200 طائرة، مئات المواقع المخطط لها سلفا، وفي مقدمتها صوامع الصواريخ الباليستية ومنشآت الإنتاج ومنصات الإطلاق.

جاء قرار تنفيذ الهجوم صباحا كخطوة مدروسة. فقد نفذت جميع الضربات الإسرائيلية السابقة لإيران ليلا، بينما أفضى هجوم السبت إلى إرباك المنظومة الدفاعية لطهران وقلبها رأسا على عقب

وشكلت الضربة الإسرائيلية-الأميركية المشتركة على إيران- التي أطلقت عليها إسرائيل اسم عملية "زئير الأسد" وأطلقت عليها وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) اسم عملية "الغضب الملحمي"- أجرأ ضربة استهلالية في حروب القرن الحادي والعشرين. غير أن القضية لا تتعلق بالصواريخ ولا القاذفات، بل بما كشفته الضربة عن مدى عمق اختراق إسرائيل للنظام الإيراني، وما يكشفه ذلك الاختراق عن مستقبل حرب تقودها الاستخبارات.

كيف نفذت الضربة الصباحية؟

جاء قرار تنفيذ الهجوم صباحا كخطوة مدروسة. فقد نفذت جميع الضربات الإسرائيلية السابقة لإيران ليلا، بينما أفضى هجوم السبت- الذي وقع في وقت كان فيه كبار المسؤولين داخل مكاتبهم لا في مساكن آمنة متفرقة- إلى إرباك المنظومة الدفاعية لطهران وقلبها رأسا على عقب.

أ.ف.ب
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو يلقي كلمة أمام الشعب في طهران، إيران في 17 يناير 2026

أطلق سلاح الجو الإسرائيلي نحو 200 طائرة مقاتلة في عملية حملت الاسم الرمزي "سفر التكوين" في أكبر طلعة جوية قتالية في تاريخ إسرائيل. وحشد سلاح الجو تقريبا كامل أسطوله من المقاتلات المتقدمة، مستندا إلى ما لا يقل عن تسع طائرات أميركية للتزويد بالوقود، ما مكنه من مواصلة العمليات ضد إيران لفترات ممتدة.

وخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، ألقت القوات أكثر من 1200 قنبلة على 500 هدف في غرب إيران ووسطها، شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومراكز قيادة. وأصابت الضربات منصات وقواعد كانت مهيأة لرد انتقامي، بما في ذلك موقع رئيس في مدينة تبريز غرب إيران. وأسهمت الولايات المتحدة بقاذفات الشبح "بي-2" التي ضربت مواقع صواريخ باليستية محصنة، وبصواريخ كروز "توماهوك" أطلقتها سفن حربية، وبمنصات الإطلاق البرية "هيمارس" وبطائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه منخفضة الكلفة تابعة لقوة المهام المستحدثة "سكوربيون سترايك"، والتي تستخدم للمرة الأولى في القتال.

كما أدخلت إسرائيل صاروخ "بلاك سبارو" الباليستي، الذي يطلق من الجو، إلى الخدمة العملياتية، فأطلقته من مقاتلات "إف-15"، ولاحقا عثر في غرب العراق على حطام يتسق مع محركات معززة من سلسلة "سبارو" على امتداد مسار الطيران المرجح للصاروخ، ما عزز ما اشتبه به محللو الدفاع منذ زمن، وهو أن إسرائيل حولت بهدوء منصات اختبار منظومات الدفاع الصاروخي إلى أسلحة ضرب عملياتية. وكانت إسرائيل قد استخدمت النسخ السابقة من الصاروخ، ولا سيما "بلو سبارو" على نطاق واسع خلال جولات القتال السابقة مع إيران في عامي 2024 و2025. وتمنح هذه الأسلحة ميزة مسافة الأمان، إذ تصيب الأهداف من دون دخول المجال الجوي الإيراني، وتتيح توجيه الضربة الأولى من مدى أبعد قبل الاقتراب.

وفرت الوحدة "الوحدة 8200" لإسرائيل خريطة "تنبؤية" تساعد على التقاط نوافذ الفرص وتحديدها بدقة، وهي النوافذ التي انفتحت يوم السبت

لكن القوة النارية الحركية لم تكن سوى الوجه الظاهر. إذ أسهم في نجاح إسرائيل عامل حاسم تمثل في تصورات إيران المسبقة، ولا سيما اعتقادها أن أي ضربة كبرى ستقع ليلا. وكان ذلك التوقع منطقيا، ذلك أن الجيوش المتقدمة تميل إلى التفوق في العمليات الليلية، إذ توظف المستشعرات وأنظمة التوجيه الدقيقة لخوض القتال في الظلام بكفاءة عالية، في حين يفقد الطرف المدافع الأقل تطورا قدرته على الإحاطة بالمشهد الميداني. كما تقلل العمليات الليلية حركة المدنيين، وتجعل الأصول العسكرية المتحركة أسهل في التتبع، وغالبا ما تحصر كبار الشخصيات في مواقع يمكن توقعها.

غير أن إسرائيل والولايات المتحدة قلبتا تلك المعادلة، فجاءت الضربة في وضح النهار أشد إرباكا لأنها خالفت افتراضات إيران بشأن التوقيت ورفعت احتمالات المفاجأة. ومنح الحجم الهائل للقوى المتاحة- أي القوة الجوية الإسرائيلية إلى جانب "أرمادا" ترمب- الحلفاء مرونة عملياتية أكبر، ما مكنهم من المناورة على نحو هجومي وتقبل مخاطر كانوا سيتجنبونها في ظروف أخرى.

الاستخبارات وراء القتل ودور "الوحدة 8200"

جاء اغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي حصيلة عمل امتد لسنوات. ووفقا لتحقيق أجرته صحيفة "فايننشيال تايمز"، اخترقت الاستخبارات الإسرائيلية معظم كاميرات المراقبة المرورية في طهران قبل الضربة بسنوات. وكانت هذه الكاميرات قد نشرت في الأصل ضمن منظومة المراقبة الإيرانية لتعقب المعارضين، ثم ارتد استخدامها على النظام. وتمتلك طهران شبكة كثيفة من الكاميرات تتدفق بياناتها مباشرة إلى مقر إقليمي رئيس يدمج تدفقات مختلفة من المعلومات لتعقب الأفراد، من النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب إلى المحتجين.

وخلال السنوات الأخيرة، عززت "الجمهورية الإسلامية" هذا الاستثمار، واتجهت إلى الصين لتوسيعه، بما في ذلك عبر برنامج طموح لـ"المدينة الذكية" يهدف إلى نشر 15 ألف كاميرا تعمل بالذكاء الاصطناعي. ومن دون أن يدرك النظام، أدى ذلك إلى توسيع الصورة الاستخبارية لدى إسرائيل، حتى عندما انقطع الإنترنت.

رويترز
عُرضت صواريخ إيرانية في متحف القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإسلامي في طهران، إيران، في 12 نوفمبر 2025

التقطت كاميرا واحدة، موضوعة بزاوية مثالية، المكان الذي اعتاد أفراد طاقم حماية خامنئي إيقاف سياراتهم فيه. ومن هذه اللقطات بنى "الموساد" ملفات مفصلة لكل حارس شخصي، شملت عناوين المنازل وجداول العمل ومهام الحماية، واستعان بالذكاء الاصطناعي لتحليل كم هائل من البيانات المتصلة بروتين "المرشد الأعلى" اليومي. وفي البداية، اعتمدت إسرائيل على تعقب هواتف الحراس المحمولة لتحديد مواقع الشخصيات المهمة، لكن هذه الطريقة انكشفت بعد حرب يونيو/حزيران العام الماضي، فاضطرت الاستخبارات الإسرائيلية إلى ابتكار أدواتها من جديد. وركزت إسرائيل على نمط بسيط، هو أن بعض الحراس يرافقون عادة شخصيات بعينها، فتحولت هذه العادة، التي يفترض أن تعزز الحماية، إلى ثغرة استخدمت فعلا ضد "الجمهورية الإسلامية".

تولت "الوحدة 8200" الجانب الأكبر من هذا المسعى. وتحظى هذه الوحدة بهالة واسعة داخل إسرائيل، وتعد النظير الأقرب لوكالة الأمن القومي الأميركية. وتصدرت الوحدة حرب الاستخبارات الواسعة التي تخوضها إسرائيل ضد إيران، وتكفلت بالمحافظة على صورة "حية" للأهداف الرئيسة التي يمكن استهدافها، أو سبق تصنيفها كأهداف للتصفية.

وكانت "الوحدة 8200" أيضا من أوائل الجهات التي تبنت الذكاء الاصطناعي، حتى قبل أن يجعل "تشات جي بي تي" هذه التقنية ذائعة الصيت، إذ استخدمت التعلم الآلي لفرز ما يمكن الوصول إليه من بيانات عبر الكاميرات والهواتف المحمولة. وبذلك وفرت الوحدة لإسرائيل خريطة "تنبؤية" تساعد على التقاط نوافذ الفرص وتحديدها بدقة، وهي النوافذ التي انفتحت يوم السبت.

كما اخترقت "الوحدة 8200" شبكات الهاتف المحمول في طهران. ففي صباح الضربة، عبثت بالخدمة الخلوية في شارع باستور على نحو انتقائي، فلم تنقطع الهواتف، لكنها كانت ترد بإشارة الانشغال عند الاتصال، ما حال دون وصول أي تحذير إلى فريق خامنئي بأن الصواريخ في طريقها إليهم. واخترقت "الوحدة 8200" أكثر من 12 هوائيا خلويا، ما منح إسرائيل سيطرة مؤقتة على الاتصالات.

يكشف هذا الهجوم عجزا إيرانيا مستمرا عن حماية الأهداف عالية القيمة. فقد زعمت تقارير مبكرة أن علي خامنئي لم يكن في مجمع القيادة، قبل أن تشير تأكيدات لاحقة إلى العكس

ومن خلال جمع البيانات بصورة متواصلة، تمكنت الوحدة أيضا من التقاط أنماط قد تشير إلى وقوع أحداث بعينها، مثل اجتماع رفيع المستوى تسبقه سلسلة اتصالات بين مسؤولين محددين، ما أتاح رسم خريطة لشبكة العلاقات بين عقد مختلفة وكيف تتفاعل يوميا. وتخدم هذه الخريطة غرضا محتملا آخر يتمثل في تعقب الاستجابة الإيرانية لمثل هذا الحدث الكبير وتعطيلها، بغية مراقبة أهداف لاحقة، وإشاعة الذعر والارتباك، وكبح قدرة الجمهورية الإسلامية على الرد، سواء ضد إسرائيل أو عبر تعزيز حماية كبار شخصياتها.

ولاحقا استغلت الولايات المتحدة الصورة الاستخبارية التي وفرتها سنوات من الاختراق الإسرائيلي لإطلاق هجماتها السيبرانية الخاصة، في مسعى إلى تضخيم الأثر الأولي للهجوم على سلسلة القيادة في إيران.

أضافت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عنصر الحسم الأخير. فقد أكد مصدر استخبارات بشرية أن علي خامنئي سيكون في المجمع ذلك الصباح، وحدد أسماء من سينضمون إليه. وحين التقطت المجسات الإسرائيلية إشارات تؤكد أن الاجتماع يمضي وفق الخطة، نفذت الضربة. كما منحت مشاركة الوكالة الهجوم مسارا ثانيا مستقلا للتحقق، فخفضت احتمالات خطأ كارثي وسهلت اتخاذ قرار المضي في تصعيد لا رجعة فيه.

أ.ف.ب
يقود سائقو السيارات سياراتهم على طول طريق سريع بينما تتصاعد أعمدة الدخان عقب غارة جوية على طهران في 5 مارس 2026

لكن محاولات الاغتيال لا تنجح كلها، كما اكتشفت إسرائيل في الدوحة العام الماضي. وكان من الممكن أن يدفع بدء الحرب بضربة فاشلة "الجمهورية الإسلامية" إلى التماسك والاندفاع. وتقتضي العقيدة الإسرائيلية أن يؤكد ما لا يقل عن ضابطين استخباريين منفصلين، من مجالين مختلفين لجمع المعلومات، موقع الشخص قبل أن تغدو الضربة خيارا مطروحا. وتحتاج العمليات العابرة للحدود إلى مستوى إضافي من التأكيد، وهو ما وفره مصدر "وكالة الاستخبارات المركزية" في الوقت المناسب.

أصاب ثلاثون صاروخا المجمع، وعثر على جثمان خامنئي تحت الأنقاض. وقتل في الموجة الافتتاحية أيضا وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وقائد "الحرس الثوري" محمد باكبور، ورئيس هيئة الأركان عبد الرحيم موسوي، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني. وإلى جانب مجمع خامنئي، يبدو أن إسرائيل شنت هجمات أوسع استهدفت فيها مجتبى نجل خامنئي، وكذلك الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وبذلك، يرجح أن إسرائيل والولايات المتحدة سعتا إلى تصفية خلفاء محتملين، إذ تتوقع بعض المصادر الآن أن يخلف مجتبى والده، كما استهدفتا إبعاد شخصيات من خارج الدائرة قد تسهم في إعادة تنظيم النظام على نحو أكثر تعقيدا وأقل وضوحا.

ما تكشفه العملية

يكشف هذا الهجوم، قبل أي شيء، عجزا إيرانيا مستمرا عن حماية الأهداف عالية القيمة. فقد زعمت تقارير مبكرة أن علي خامنئي لم يكن في مجمع القيادة، قبل أن تشير تأكيدات لاحقة إلى العكس، أي إنه كان في أكثر موقع يمكن توقع وجوده فيه.

وحاولت وسائل إعلام إيرانية وأصوات موالية للنظام تحويل هذا الانكشاف إلى مكسب دعائي. فصورت هدوء خامنئي في العلن، وعدم اكتراثه الظاهر باتخاذ احتياطات إضافية، دليلا على أنه لا يضع بقاءه الشخصي في المقام الأول. ومفاد الرسالة أن "الجمهورية الإسلامية" صلبة وقادرة على الصمود حتى لو مات خامنئي. وفي ذلك قدر من الحقيقة، إذ لن يكون موته، حتى لو جاء لأسباب طبيعية، صدمة كاملة في ضوء سنه ومشكلاته الصحية المتكررة، وقد ناقش النظام مسألة الخلافة لسنوات في داخله. غير أن ذلك لا يعني أن الصراعات الداخلية حسمت، ولا أن خامنئي كان ببساطة "ينتظر الموت".

النجاحات الإسرائيلية المتكررة لا تعود إلى ضربة استخبارية واحدة، بقدر ما تعكس ثمرة حملة اختراق مؤسسية تراكمت عبر عقود

على الصعيد التكتيكي، يبرز تساؤل بديهي: لماذا لم يكن خامنئي في أحد المخابئ التي يقال إنه صار يمضي فيها فترات أطول؟ غير أن آخر ضربة إسرائيلية كبرى استهدفت القيادة، وهي الضربة الافتتاحية لحرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، استهدفت مخبأ أيضا. وكذلك فإن الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله اغتيل في مخبئه في بيروت. وربما بدا أن العيش في المخابئ ثم الموت فيها أشبه بفخ لا يوفر حماية حقيقية، فاختار خامنئي المجازفة بالبقاء فوق الأرض.

كما تبرز معضلة أخرى ترتبط بإصرار طهران على عقد الاجتماعات حضوريا. ويبدو هذا الخيار مفهوما إلى حد ما، لأن اختراق إسرائيل لاتصالات إيران، واتصالات "محور المقاومة" على نطاق أوسع، جعل التنسيق عن بُعد هشا وسهل الاختراق. وقد دفع ذلك القادة إلى تفضيل التواصل المباشر، حتى حين يضاعف هذا الخيار احتمال تعرضهم لمخاطر شخصية.

لم تتأخر إيران في الرد الفوري. فقد أتاحت مسارات قيادة احتياطية إطلاق صواريخ بسرعة عقب الضربة، لكن هذا النجاح اقتصر على سرعة الرد. إذ أخفقت مرارا محاولات إطلاق رشقات كبيرة ومتزامنة (30-50 صاروخا)، بعدما تضرر عدد كبير من منصات الإطلاق بفعل مسيّرات إسرائيلية من طراز "هنتر" كانت تنشط فوق الأراضي الإيرانية.

وفي أعقاب الضربة الأولى التي استهدفت القيادات، استمرت لساعات عمليات مطاردة الصواريخ الباليستية، وهو ما ساعد عليه جزئيا تموضع طائرات التزويد بالوقود على مسافة قريبة تكفي لإدامة العمليات الجوية.

أما الخلاصة الأوسع، فهي أن النجاحات الإسرائيلية المتكررة لا تعود إلى ضربة استخبارية واحدة، بقدر ما تعكس ثمرة حملة اختراق مؤسسية تراكمت عبر عقود. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، نظرت إسرائيل إلى "الجمهورية الإسلامية" باعتبارها تحديها الاستراتيجي الأبرز، وبنت استثماراتها على هذا الأساس.

ومن منظور أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تبدو هذه الحرب حصيلة إعداد طويل النفس، شمل تجنيدا صبورا، ورصدا منهجيا، ورسم خرائط، وبناء قدرات عملياتية صممت لتهيئة فرصة ضربة حاسمة تستهدف الركيزة الأساسية للقوة الإقليمية الإيرانية.

font change