أميركا وإسرائيل وإيران... حرب المخاوف لا الاستراتيجيات

ثلاثة وجوه متناقضة

جاستن تاليس/أ.ف.ب
جاستن تاليس/أ.ف.ب
قاذفة B1 تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة سلاح الجو الملكي في فيرفورد بجنوب غرب إنجلترا في 7 مارس 2026

أميركا وإسرائيل وإيران... حرب المخاوف لا الاستراتيجيات

يكشف النهج الأميركي في الحرب على إيران عن إدارة تتحدث بأصوات متعددة، كثيرا ما تتناقض فيما بينها بعد أكثر من أسبوع من بدء الضربات الجوية.

ظاهريا، يبدو الموقف العسكري ساحقا لا لبس فيه، نحو ثلاث حاملات طائرات، واثنتين وأربعين سفينة حربية إيرانية يقول الرئيس دونالد ترمب إنها أُغرقت، فضلا عن تدمير سلاح الطيران الإيراني، أيضا وفقا لترمب. بيد أن ترمب نفسه تأرجح في خطابه بين التهديد بتدمير إيران متوعدا النظام بـ"الدمار الشامل والموت المحقق" إذا لم يُعلن استسلاما غير مشروط، بينما في تصريحات صحافية أخرى، وفي الوقت ذاته، يقول إن إيران ليست ملزمة بتبني الديمقراطية، بل إنه لا يمانع أن يكون رئيس إيران الجديد من المؤسسة الدينية الحاكمة.

هذا ليس غموضا استراتيجيا لإبقاء إيران كخصم في حالة عدم يقين عن طريق رسائل مبهمة، بل إنه تخبط واضح يؤكده تقرير "واشنطن بوست" عن الاستخبارات الأميركية بأن الحرب الأميركية-الإسرائيلية لن تحقق هدفها المتمثل في إسقاط النظام، بينما تتحدث تقارير أخرى عن مطالبة ديمقراطية في الكونغرس بفتح تحقيق في البنتاغون بعد أن أفادت تقاير صحافية بأن قرار الحرب ديني وليس سياسيا، نظرا لتلقين الجيش أيديولوجيا دينية تربط بين الحرب ونبوءة لنهاية العالم. ولتعقيد المشهد أكثر، تأتي شبكة "إن بي سي" هي الأخرى بتقرير مفاده أن ترمب يفكر مليا في غزو بري أميركي لإيران. هذه ليست أوركسترا تعزف بتناغم مقصود، إنها أصوات متنافرة.

ناثان هاورد/رويترز
أفراد من الجيش الأميركي خلال مراسم نقل لجثامين ستة من جنود الجيش، الذين قُتلوا في الحرب

ترمب نفسه تأرجح في خطابه بين التهديد بتدمير إيران متوعدا النظام بـ"الدمار الشامل والموت المحقق" إذا لم يُعلن استسلاما غير مشروط، بينما في تصريحات صحافية أخرى، وفي الوقت ذاته، يقول إن إيران ليست ملزمة بتبني الديمقراطية

قد تكون إسرائيل أكثر وضوحا في الحرب بتحديد هدف تلو الآخر، وعلى رأس تلك الأهداف اغتيال علي خامنئي مع أفراد من عائلته وكبار المسؤولين، مستهدفة "رأس" النظام مباشرة. قد تكون لحظة تاريخية لتل أبيب، لكنها قطعا لا تعني بالضرورة نهاية للنظام. وتخوض إسرائيل حربا على جبهات متعددة، عشرات من طائراتها الحربية تستهدف طهران ليل نهار، وتدك مراكز القيادة الإيرانية، بينما تقصف أجزاء أخرى غرب البلاد دعما للميليشيات الكردية-الإيرانية في استراتيجية تهدف لإعادة رسم مناطق النفوذ وربما لتقسيم إيران.

لكن صورة إسرائيل في تلك الحرب تتعقد عندما نراها في سياقها الكامل، إذ استمرت إيران رغم الضربات الموجعة في إطلاق صواريخها والدرونز على تل أبيب والقدس، لنعرف النذر اليسير من آثار الدمار بسبب الرقابة العسكرية الإسرائيلية الصارمة، ونقرأ أخبارا نادرة كإجلاء أكثر من ألفي مواطن من منازل "تضررت" منذ بداية الحرب.

وفي لبنان، تواصل إسرائيل توجيه أوامر إخلاء متتالية لسكان الضاحية الجنوبية ببيروت، قبل أن تُسوي أحياء بالأرض، مستندة إلى رواية مفادها أن "حزب الله" انخرط في المواجهة الإقليمية دعما لطهران، وأن عملياتها لا تعدو كونها ملاحقة لقياداته العسكرية. غير أن الحجم المتصاعد للدمار الذي يطال البنية السكنية والمدنية يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه العمليات تستهدف بنية عسكرية محددة، أم إنها تؤدي فعليا إلى محو حضاري منهجي لمناطق بأكملها تحت غطاء المبررات الأمنية.

وفي دلالة لافتة على حجم التحول في الموقف الإيراني، كشف تقرير لـ"رويترز" عن مغادرة أكثر من مئة وخمسين إيرانيا، بينهم دبلوماسيون وذووهم، الأراضي اللبنانية على متن طائرة روسية متجهة إلى موسكو، وهو ما يعكس إدراكا إيرانيا بأن الوجود الدبلوماسي في بيروت لم يعد محميا في ظل الاستهداف الإسرائيلي المتصاعد.

فاضل عيتاني/أ.ف.ب
علم لـ "حزب الله" مُثبّتا على شرفة مبنى متضرر في قصف إسرائيلي بالبقاع

 

بمعزل عن مسار الحرب على إيران وما قد ينتج عنه من تسويات، تبعث إسرائيل برسالة استراتيجية واضحة، وهي أن حربها على "حزب الله" تسير وفق أجندتها الخاصة وجدولها الزمني المستقل

وبمعزل عن مسار الحرب على إيران وما قد ينتج عنه من تسويات، تبعث إسرائيل برسالة استراتيجية واضحة، وهي أن حربها على "حزب الله" تسير وفق أجندتها الخاصة وجدولها الزمني المستقل، ولن تتوقف تلقائيا تبعا لأي وقف لإطلاق النار في طهران أو انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران. وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تجد بيروت نفسها مرة أخرى في قلب حرب لم تخترها.

وعلى وقع الضربات الأميركية-الإسرائيلية المتواصلة، لم يجد النظام الإيراني بعد سبعة أيام من المواجهة سوى اللجوء إلى خطابه التعبوي المعتاد، إذ أطل مسؤول رفيع في "الحرس الثوري" ليؤكد أمام وسائل الإعلام الرسمية أن الظروف الراهنة تُتيح "فرصة لمحو إسرائيل". والمفارقة أن هذا التصريح صدر عن نظام فقد "مرشده الأعلى"، وتفككت شبكة ميليشياته الإقليمية، وتآكلت قدراته العسكرية تحت وطأة الضربات المتتالية.

لا يمكن قراءة هذا الخطاب بمعزل عن سياقه الداخلي، فهو موجه في جوهره إلى الجمهور الإيراني من المؤيدين، قبل أن يكون رسالة للخارج، ويعكس حاجة مؤسسة تحتضر إلى استعادة شيء من هيبتها أمام قاعدتها الشعبية، أكثر مما يعبر عن قدرة فعلية أو استراتيجية حقيقية. وحين يصبح الخطاب العنتري هو السلاح الأخير المتاح، فذلك وحده يقول الكثير عن حجم ما آل إليه النظام.

ماجد اسغاريبور/وكالة غرب آسيا للأنباء/رويترز

 

حوّلت طهران عجزها عن الرد المباشر إلى ضربات عشوائية استهدفت دولا لم تُعلن عليها حربا ولم تُشعل معها عداوة

وفي مشهد يكشف عن نظام يترنح تحت وطأة الضربات ويبحث بيأس عن أي منفذ لاستعادة توازنه المفقود، حولت طهران عجزها عن الرد المباشر إلى ضربات عشوائية استهدفت دولا لم تُعلن عليها حربا ولم تُشعل معها عداوة.

تصدّت الدفاعات الجوية السعودية والإماراتية والقطرية لتلك الضربات البائسة. استهداف حقول النفط والفنادق والسفن التجارية ليس استراتيجية دولة تمتلك زمام المبادرة، إنه تخبط دولة فقدت البوصلة، وباتت تضرب في أي اتجاه لا لأنها تستطيع أن تُحقق هدفا، بل لأنها لم تعد تحتمل أن تبدو عاجزة أمام الجميع.

دوليا، اختارت بريطانيا منذ اللحظة الأولى موقفا واضحا وهو عدم المشاركة في بداية حرب لم تُستشر فيها أصلا، وبعد أن رفضت السماح لواشنطن باستخدام قاعدتها الجوية  في دييغو غارسيا بقلب المحيط الهندي، ووجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في موقف لا يمكن فهمه دون قراءة السياسة الداخلية، إذ طالب "حزب المحافظين" المعارض بالحفاظ على العلاقة الخاصة مع واشنطن والرئيس ترمب بدعم الحرب، فيما طالب "حزب الخضر" الناهض بقوة بوقف الدعم البريطاني للحرب ولإسرائيل كليا، ليجد ستارمر نفسه محاصرا من يمينه بتهمة التردد، ومن يساره بتهمة التواطؤ إذا شارك في الحرب بفعالية.

والأثقل من ذلك كله هو شبح حرب العراق، وما تلاها من كارثة إنسانية وسياسية وأمنية بكل المقاييس، أدت إلى حرب طائفية خلفت مئات الآلاف من القتلى، ودولة مفككة، وفراغا أفرز تنظيم "داعش" لاحقا.

نحن أمام حرب لأطراف تتصرف وفق ما تخشى، لا وفق ما تخطط. أميركا، لا تبدو أنها تمتلك رؤية واضحة مطلقا لإيران ما بعد النظام إذا سقط، بينما تخشى إسرائيل سيناريو وجوديا لكنها ليست لديها هي الأخرى استراتيجية اليوم التالي، هي تعرف ما تدمره، لكنها لا تملك خارطة طريق لما يمكن أن تبنيه في إيران، ومن قبلها غزة. أما إيران، فهي مدفوعة دفعا بمنطق البقاء وعدم الاستسلام.

font change

مقالات ذات صلة