بعدما عُلق الغزي طويلا على مقصلة مفهومي الهزيمة والانتصار، يعاد اليوم تعليقه على مقصلة جديدة: الإبادة الثقافية، الإبادة العمرانية، إبادة الذاكرة، وغيرها من المصطلحات التي تتكاثر في فضاء لغوي معلق. هكذا يزاح الجسد الغزي مرة أخرى، لا هذه المرة بالقصف وحده، بل بإغراقه في طبقات مفهومية تعيد تعريف معاناته من خارجه.
لا يعرف الغزي الإبادة الجسدية بوصفها مفهوما نظريا، بل يعيشها كواقع يومي مباشر: جسد يصاب، أطراف تقطع، عائلات تسحق، إنسانية تمحى. جثث مفقودة أو مجزأة أو عارية، في الثلاجات أو تحت الركام. هذه ليست استعارات، ولا توصيفات بلاغية، بل تفاصيل حياة وموت تختبر ساعة بساعة. في مقابل هذا الواقع المادي الفج، يتكاثر إنتاج مفاهيم تحاول الإحاطة بالإبادة من زوايا رمزية: ثقافية، عمرانية، معرفية، خطابية. قد تبدو هذه التوسعة ضرورية لفهم أوسع، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى بديل من المركز لا امتدادا له، حين يصبح النقاش حول توصيف الإبادة أهم من وقفها، وحين تتقدم اللغة على الدم.
النازح في خيمته أو تحت قصف متجدد، يجد نفسه محاصرا بخطاب أكاديمي مشبع بالبلاغة والاستعارات، بينما لغته الطارئة، لغة النجاة والبحث عن الماء والخبز، تتآكل أمامه. تقدم له مفاهيم جديدة بثقة باردة، في أطباق نخبوية، ويطلب منه أن يهضمها على معدة فارغة. لا يشعر بأن هذه المفاهيم خاطئة بالضرورة، ولا بأنه عاجز عن فهمها. لكنه يشعر أن تجربته يعاد صوغها أمامه، تجتزأ وتعقم، وتقدم أقل حدة وأقل فظاعة مما يعيشه، كأن الكارثة التي يختبرها يمكن تهذيبها لغويا أو احتواؤها ضمن إطار نظري أنيق.
ظهرت في بعض الأوراق البحثية تسميات من قبيل "الاقتدار باللملمة" (نادرة شلهوب كيفوركيان، تحدي الأشلاء والاقتدار باللم واللملمة، ورقة بحثية، مجلة الجنوب، المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية، خريف/ شتاء 2025)، وهو مصطلح يبدو منزوع الحساسية الإنسانية. فلا يمكن جمع الأشلاء أن يصور كاقتدار، ولا يمكن لفعل اضطراري قهري أن يتحول إلى أفق مفاهيمي للمقاومة. حتى لو حملت التسمية رغبة في إنصاف الفعل الأخلاقي، فإن تحويل الضرورة الكارثية إلى إطار نظري يحمل خطرا خفيا: نسيان أن أصل هذا "الاقتدار" ليس إرادة اختيارية، بل انكشاف كامل أمام عنف مطلق.





