القضية الفلسطينية في "كماشة" الإقليم

بين صواريخ طهران وأطماع تل أبيب

أ.ف.ب
أ.ف.ب
تظاهرة لفلسطينيين وخلفهم جندي اسرائيلي احتجاجا على استخدام المستوطنين الإسرائيليين طريقا بالقرب من قرية بيت عور الفوقا الفلسطينية، غرب رام الله في الضفة الغربية المحتلة، في 29 سبتمبر 2025

القضية الفلسطينية في "كماشة" الإقليم

رام الله– يخشى الفلسطينيون أن يؤدي استمرار المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران إلى إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، وأن ارتدادات هذه الحرب لن تقتصر على حدود الجغرافيا التي تتبادل فوقها الصواريخ والطائرات المُسيّرة العابرة للحدود، بل ستمتد شظاياها إلى عمق الواقع الفلسطيني المعقد. حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية الكبرى مع واقع سياسي وأمني هش في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبينما ينشغل العالم بمتابعة تطورات المواجهة وتداعياتها على النظام الإقليمي، يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى في قلب عاصفة استراتيجية هي الأكثر خطورة على قضيتهم منذ عقود، وقد تعيد رسم موقعهم في خريطة الصراعات في الشرق الأوسط. فبالنسبة للفلسطينيين الذين يتابعون هذا التصعيد العسكري بقلق وترقب، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بعيدة بين قوتين إقليميتين هما إسرائيل وإيران، بل حدث قد يعيد تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك فيها السلطة الفلسطينية والفصائل المسلحة على حد سواء. ومع اتساع نطاق المواجهة وما يرافقها من حديث متزايد عن إضعاف إيران وتراجع نفوذها الإقليمي، تتصاعد داخل الأوساط الفلسطينية مخاوف من مرحلة جديدة قد تزداد فيها الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، في مقابل تساؤلات حول مستقبل ما يُعرف بـ"محور المقاومة" وتأثير أي تحول في موازين القوى الإقليمية على القضية الفلسطينية ومسارها السياسي في السنوات المقبلة.

فقد أدت الحرب الإسرائيلية ضد إيران في أسبوعها الأول إلى تشديد غير مسبوق في الإجراءات العسكرية في الضفة الغربية، حيث أعاد الجيش الإسرائيلي نصب وتفعيل الحواجز العسكرية، وأغلق البوابات الحديدية التي تفصل المدن الفلسطينية عن القرى والبلدات المجاورة، فيما مُنع السكان من التنقل بين مدن الضفة الغربية التي أُغلقت معابرها بالكامل مع إسرائيل. كما شملت الإجراءات إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه لأداء الصلوات اليومية وصلاة التراويح وصلاة الجمعة في شهر رمضان المبارك، بالإضافة إلى ارتفاع حاد في هجمات المستوطنين العنيفة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. وفي الأيام الأولى للحرب، تهافت الفلسطينيون في الضفة الغربية على محطات الوقود ومراكز توزيع غاز الطهي، ومحلات السوبر ماركت، خشية حدوث نقص في الإمدادات الأساسية، في وقت تعطلت فيه الدراسة في المدارس والجامعات بفعل القيود الأمنية والتوترات الميدانية، كما تعطل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة.

تجنبت السلطة الفلسطينية وقيادة حركة "فتح" اتخاذ مواقف علنية داعمة لإيران، كما لم يصدر عنها أي بيان رسمي يتضمن تعزية بمقتل شخصيات قيادية إيرانية

ويرى غسان الخطيب، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، في حديثه لـ"المجلة" أن للحرب الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران تأثيرين محتملين على الفلسطينيين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي؛ فهناك احتمال كبير أن تنتهي هذه الحرب بزيادة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، مما يؤدي إلى ترجيح رؤيتها ومصالحها وسياساتها، وهو ما قد يلحق ضررا بالحقوق الفلسطينية. أما الجانب الإيجابي المحتمل، فيتمثل في أن تراجع قدرات إيران وتأثيرها الخارجي قد يحد من تدخلها في الشؤون الداخلية الفلسطينية؛ إذ رعت وغذت طوال سنوات عدة الانقسام الداخلي بين حركتي "حماس" و"فتح".

رد فعل السلطة الفلسطينية

منذ اندلاع المواجهة العسكرية الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران، سارعت القيادة الفلسطينية في رام الله، ممثلة بالرئيس محمود عباس ونائبه حسين الشيخ، إلى إجراء اتصالات بقيادات دول الخليج- المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، الكويت، البحرين، قطر، والإمارات- لتأكيد رفضها القاطع، وشجبها، وإدانتها لقيام إيران باستهداف هذه الدول، ومؤكدة وقوف القيادة الفلسطينية إلى جانبها في حماية أمنها والدفاع عن سيادتها.

وقد تجنبت السلطة الفلسطينية وقيادة حركة "فتح" اتخاذ مواقف علنية داعمة لإيران، كما لم يصدر عنها أي بيان رسمي يتضمن تعزية بمقتل شخصيات قيادية إيرانية. ويعكس هذا الموقف حرص القيادة الفلسطينية على الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية والخليجية والغربية، وتجنب الانخراط في الاصطفافات الإقليمية الحادة.

"المجلة"
الفريق جبريل الرجوب امين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" والزميل محمد نجيب

وقال أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" الفريق جبريل الرجوب في مقابلة خاصة بـ"المجلة" إن الحرب التي تقودها حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو تشكل، في جوهرها، محاولة للهروب إلى الأمام عبر فتح جبهة إقليمية واسعة لصرف الأنظار عن تداعيات الحرب في الأراضي الفلسطينية. وقال الرجوب لـ"المجلة" إن هذه الحرب "غير المبررة" تهدف عمليا إلى تصفية القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل أولويات المنطقة، في وقت خلّفت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية أكثر من ربع مليون فلسطيني بين شهيد، وجريح، ومفقود، وأسير.

واعتبر الرجوب أن إعلان نتنياهو خوض ما يسميه "حربا وجودية" يعكس رفضا إسرائيليا لدفع ثمن إنهاء الصراع، والمتمثل في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. وبحسب تقديره، فإن توسيع نطاق المواجهة إقليميا يخدم أيضا مشروع اليمين الإسرائيلي الرامي إلى تكريس واقع جيوسياسي جديد في المنطقة يكرّس تفوق إسرائيل ويعيد تشكيل موازين القوى بما ينسجم مع رؤية "إسرائيل الكبرى".

ويرى الرجوب أن الأهداف غير المعلنة لهذه الحرب تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتشمل محاولة تصفية القضية الفلسطينية وتطويع الإقليم بحيث تصبح إسرائيل جزءا مهيمنا في ترتيباته السياسية والأمنية. لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن هذه الاستراتيجية، حتى لو حققت مكاسب عسكرية، لن توفر شعورا دائما بالأمن للمجتمع الإسرائيلي، إذ إن استمرار الاحتلال لشعب آخر سيبقي إسرائيل في حالة صراع دائم ويعمق عزلتها الدولية.

وفي هذا السياق، تساءل الرجوب: "ماذا سيجني المواطن الإسرائيلي من هذه الحرب؟"، مشيرا إلى أن الأمن الحقيقي لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تسوية سياسية عادلة تنهي الاحتلال.

يتوقع مراقبون أن تحاول إسرائيل استثمار زخم عملياتها العسكرية والاستخبارية عبر ملاحقة قيادات بارزة في حركة "حماس" خارج الأراضي الفلسطينية، ولا سيما أولئك الذين يقيمون في قطر أو تركيا

واعتبر الرجوب أن استهداف دول الخليج من قبل إيران شكّل "خطأ استراتيجيا"، خصوصا أن الدول العربية أعلنت بوضوح رفضها للحرب على إيران ودعت إلى تجنب التصعيد. وأضاف أن الموقف العربي الموحد منذ بداية الأزمة شدد على ضرورة تجنيب المنطقة مواجهة واسعة، رغم ما وصفه بعدم احترام طهران في مراحل سابقة لمبدأ حسن الجوار، مؤكدا أن الأولوية يجب أن تكون لاحتواء الحرب من خلال إرادة دولية قادرة على كبح سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف، ووقف أعماله العدائية في الإقليم، بما يشمل إنهاء الاحتلال وفتح مسار سياسي يفضي إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

من جهته، قال ناصر القدوة وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق لـ"المجلة" إن الموقف الرسمي والفصائلي والشعبي الفلسطيني كان يجب أن يكون واضحا وصريحا.. "نحن لسنا مع العدوان الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران، ولكننا ضد العدوان الإيراني على الدول العربية". 

أ.ف.ب
عناصر من قوات الاحتلال الإسرائيلية خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب قرب رام الله، في الضفة الغربية المحتلة،في 26 يناير 2026

وفيما أجمعت القيادة الفلسطينية والشارع الفلسطيني على معارضة استهداف إيران للدول العربية، فقد انقسم الرأي الفلسطيني بين متعاطف مع إيران ورافض لاستهداف إسرائيل والولايات المتحدة لها، وغير مبالٍ باستهدافها، حيث تجلى ذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي أكثر منه على الأرض.

أما بخصوص تعاطف قسم من الفلسطينيين مع إيران، فيرى الخطيب أن ذلك يعود أولا إلى شعور بالامتنان لدعمها للمقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، وثانيا لأن إسرائيل تمثل العدو الأول للفلسطينيين. ويقول الخطيب لـ"المجلة" إن "الفلسطينيين يتعاطفون عادة مع أي دولة تتعرض لاستهداف من قبل إسرائيل". لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الغالبية من الفلسطينيين المؤيدين لحركة "فتح" وللسلطة الفلسطينية يبدون عتبا على إيران بسبب تدخلاتها في الشأن الفلسطيني الداخلي، مما جعل مستوى التعاطف معها يتراجع في هذه المرحلة.

لقد أدى نجاح إسرائيل في توجيه ضربات قاسية لإيران واغتيال عدد من قيادات الصف الأول إلى إثارة تساؤلات متزايدة لدى بعض الفلسطينيين المؤيدين لطهران حول قدرة إيران على حماية حلفائها الإقليميين. فبالنسبة لهؤلاء، فإن اختراق المنظومة الأمنية الإيرانية على هذا النحو يطرح سؤالا جوهريا: إذا كانت إيران مخترقة أمنيا من قبل الموساد الإسرائيلي، وعاجزة عن حماية كبار قادتها، فكيف يمكنها أن توفر مظلة دعم فعالة لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين؟ وفي هذا السياق، يتوقع مراقبون أن تحاول إسرائيل استثمار زخم عملياتها العسكرية والاستخبارية عبر ملاحقة قيادات بارزة في حركة "حماس" خارج الأراضي الفلسطينية، ولا سيما أولئك الذين يقيمون في قطر أو لجأوا إلى تركيا خلال الأسبوع الأول من الحرب، في خطوة قد تسعى من خلالها حكومة بنيامين نتنياهو إلى تحقيق مكاسب إضافية في إطار المواجهة الجارية.

ردود فعل "حماس" و"الجهاد الإسلامي"

اتسم موقف حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" منذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بالتقارب الواضح، إذ سارعت الحركتان إلى إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران وإعلان التضامن السياسي معها. فقد اعتبرت "حماس" الهجوم استهدافا مباشرا لأمن المنطقة واستقرارها، قبل أن تصدر في الأول من مارس/آذار بيانا نعت فيه "المرشد" الإيراني علي خامنئي وعددا من كبار القادة الإيرانيين الذين قُتلوا في الضربات، واصفة العملية بأنها اعتداء صريح على سيادة دولة مستقلة وانتهاك للقوانين والأعراف الدولية.

وسعت "حماس" في خطابها السياسي إلى ربط المواجهة الإقليمية بالجبهة الفلسطينية، معتبرة أن استهداف إيران يأتي في سياق ضرب القوى الداعمة للمقاومة الفلسطينية. ويهدف هذا الخطاب، وفق تقديرات مراقبين، إلى الحفاظ على الدعم الإيراني للحركة، وفي الوقت نفسه دفع إسرائيل إلى تخفيف الضغط العسكري على قطاع غزة عبر انشغالها بالمواجهة الإقليمية الأوسع.

في حال هُزمت إيران، من المؤكد أن تدفع "حماس" ثمنا باهظا، ولن يكون لها سند داعم بعد إيران، وقد تتخلى طهران عن دعمها كشرط إسرائيلي-أميركي للتوصل إلى تسوية

من جهتها، وصفت حركة "الجهاد الإسلامي" الحرب بأنها "تصعيد خطير يهدد المنطقة وشعوبها"، وقدمت التعازي إلى القيادة والشعب الإيرانيين، معتبرة مقتل خامنئي "استشهادا" في استهداف أميركي–إسرائيلي. ويعكس هذا الموقف اصطفافا سياسيا واضحا للحركتين إلى جانب طهران في إطار ما تسميانه "وحدة ساحات محور المقاومة".

وبدا خطاب حركة "الجهاد الإسلامي" أكثر حدة واتساقا مع الرواية الإيرانية بحكم العلاقة الوثيقة التي تربطها بطهران. فقد أعلنت "سرايا القدس"، الجناح العسكري للحركة، حالة استنفار كامل لقواتها، محذرة من أن استهداف إيران، التي تصفها الحركة بأنها "قلب محور المقاومة"، قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

أ.ف.ب
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

وفي المجمل، شددت الحركتان على رفض الفصل بين ساحات الصراع، معتبرتين أن ما يجري في غزة وإيران وإسرائيل جزء من مواجهة واحدة متعددة الجبهات. ويعكس هذا الخطاب قلقا متزايدا داخل الحركتين من احتمال تراجع الدور الإيراني في الإقليم، الأمر الذي قد يضعف شبكة الدعم العسكري والمالي والسياسي الإيراني التي تستند إليها الحركتان الفلسطينيتان، أو يفرض في نهاية المطاف تسوية أوسع تعالج ملف غزة ضمن سياق إقليمي أشمل.

وعلى خلاف المواجهة العسكرية السابقة بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، بدا أن قادة حركة "حماس" هذه المرة أكثر شعورا بالخطر المباشر الذي يتهددهم في الدوحة، بعدما شهدوا نجاح إسرائيل في اغتيال "المرشد الأعلى" الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والاستخباريين في طهران، حيث أعاد هذا التطور إلى أذهانهم حادثة اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في طهران في يوليو/تموز 2024، حيث تدرك الدوائر الأمنية للحركة، ولا سيما جهاز استخباراتها وأمنها الخارجي العامل في الدوحة وإسطنبول، أن عمليات الاغتيال الإسرائيلية تقوم عادة على ركائز أساسية: توافر المعلومة الاستخبارية الدقيقة في التوقيت المناسب، وصدور القرار السياسي بالتنفيذ. ومع إدراكهم بأن هذه المعادلة قد تنطبق عليهم في أي لحظة، بادر بعض قادة الحركة إلى الاختفاء عن الأنظار، فيما غادر آخرون الدوحة إلى إسطنبول، بحسب معلومات مؤكدة حصلت عليها "المجلة" ولم يتم تأكيدها من قبل "حماس".

لكن، وبالرغم من الخسائر الإيرانية الجسيمة، يعتقد بعض قادة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" أن إسرائيل، التي فشلت خلال أكثر من عشرين شهرا من محاربتها في قطاع غزة في إخضاع وهزيمة الحركة، من المستحيل أن تنجح في إلحاق هزيمة ساحقة بإيران ذات المساحة الجغرافية الشاسعة والإمكانيات العسكرية الهائلة.

وفي حال هُزمت إيران في هذه المعركة، فمن المؤكد أن تدفع "حماس" ثمنا باهظا، ولن يكون لها سند داعم بعد إيران، وقد تتخلى طهران عن دعمها للحركة كشرط إسرائيلي-أميركي ضمن تنازلات دبلوماسية للتوصل إلى تسوية بين إسرائيل وإيران بوساطة دولية، حيث ستفضل طهران التخلي عن "حماس" على التخلي عن برنامجها النووي أو صواريخها الباليستية "في حال انتهت هذه المواجهة العسكرية بنتيجة غير مواتية لإيران، فإن ذلك قد ينعكس على وضع حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، الحليفتين لطهران في الساحة الفلسطينية، حسب ما قال الخطيب لـ"المجلة".

الدعم الإيراني الذي شكّل لسنوات أحد أعمدة تمويل وتسليح حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" مرشح للتراجع، إن لم يتوقف بالكامل. كما أن قدرة طهران على التدخل في الشأن الفلسطيني ستتقلص بصورة ملموسة

وتختلف انعكاسات وتداعيات المواجهة العسكرية الحالية بين إسرائيل وإيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 وما تزال مستمرة، عن حرب يونيو/حزيران 2025، التي استمرت اثني عشر يوما، خصوصا من منظور تأثيرها على الفلسطينيين وقضيتهم. فحرب الأيام الاثني عشر عام 2025 بقيت في نظر كثير من الفلسطينيين مواجهة محدودة نسبيا بين قوتين إقليميتين، جرت في إطار تبادل ضربات محسوبة لم تغير بصورة جوهرية ميزان القوى في المنطقة، ولم تنعكس بشكل مباشر على الواقع الفلسطيني سوى بزيادة التوتر الأمني المؤقت في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما المواجهة الحالية، فُتُقرأ في الأوساط الفلسطينية باعتبارها صراعا قد يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية التي لطالما أثرت في موقع القضية الفلسطينية. فإضعاف إيران أو تراجع نفوذها الإقليمي قد ينعكس على وضع الفصائل الفلسطينية المرتبطة بها، مثل حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، في حين يخشى كثير من الفلسطينيين أن يؤدي خروج إسرائيل من هذه الحرب بموقع أقوى إلى تشدد أكبر في سياساتها تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة. وبين هذين الاحتمالين، يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى في موقف المتأثر بصراعات إقليمية كبرى، يراقبون بقلق كيف يمكن لنتائج هذه المواجهة أن تعيد رسم البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك فيها قضيتهم في السنوات المقبلة.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون أمام تجمع لمسلمين فلسطينيين عند حاجز قلنديا في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، في 20 فبراير 2026، حيث يحاول الفلسطينيون دخول القدس في طريقهم إلى المسجد الأقصى لأداء أول صلاة جمعة من شهر رمضان المبارك

وسواء انتهت هذه الحرب بإسقاط النظام الإيراني، كما تطمح كل من واشنطن وتل أبيب، أو بإضعافه بشكل كبير- وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في ظل المعطيات الحالية- فإن انعكاساتها على الساحة الفلسطينية تبدو شبه حتمية؛ فالدعم الإيراني الذي شكّل لسنوات أحد أعمدة تمويل وتسليح حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" مرشح للتراجع، إن لم يتوقف بالكامل. كما أن قدرة طهران على التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي ستتقلص بصورة ملموسة، ويُرجّح أن يُنظر إلى هذا التحول في دوائر القيادة الفلسطينية في رام الله باعتباره تطورا إيجابيا يعيد قدرا من التوازن إلى النظام السياسي الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية "لن تكون على جدول أعمال إيران بعد هذه الحرب، ودعمها للفصائل المسلحة سيتوقف كليا"، يقول الناشط السياسي المقدسي سامر السنجلاوي لـ "المجلة".

font change

مقالات ذات صلة