ماذا تنتظر أرمينيا وأذربيجان بعد حرب إيران؟

هواجس أمنية في باكو وحذر في يريفان... توازنات استقرار واقتصاد جنوب القوقاز على المحك

"المجلة"
"المجلة"

ماذا تنتظر أرمينيا وأذربيجان بعد حرب إيران؟

في وقت كان قادة سياسيون يشيدون ببزوغ فجر سلام محتمل بين أرمينيا وأذربيجان، اندلعت الحرب مجددا في الجوار مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران في 28 فبراير/شباط. وأفضى رد الجمهورية الإسلامية إلى توريط أكثر من اثنتي عشرة دولةفي الحرب، وإلى إثارة مخاوف جدية لدى جيرانها.

وقبل انقضاء أقل من أسبوع على اندلاع الصراع، تأثرت أذربيجان بصورة مباشرة. أما أرمينيا، فتدرك أن الآثار غير المباشرة لهذه الحرب بدأت تظهر بالفعل، وقد تصبح أكثر وضوحا في الأسابيع المقبلة. فكيف يتفاعل جيران إيران مع الوضع، وما التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تنتظرهم؟

هل تستعد أذربيجان للحرب؟

حافظت أذربيجان في الأيام الأولى للحرب على موقف محايد، وقدمت تعازيها الى الشعب الإيراني في وفاة مرشده الأعلى، لكنها لم تصل إلى حد إدانة الغارات الجوية. وفي 5 مارس/آذار، أفادت وسائل إعلام بدخول ما لا يقل عن ثلاث طائرات مسيرة إلى المجال الجوي الأذربيجاني فوق جيب ناخشيفان. وأسقطت إحداها، فيما أصابت أخرى مبنى صالة المطار، وانفجرت ثالثة قرب مدرسة، مما أدى إلى إصابة مدنيين. وصفت إيران الحادث بأنه عملية "مفبركة" خططت لها إسرائيل، بينما أثار رد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف دهشة بعض المحللين بسبب حدته، إذ أمر الجيش بالتحضير لشن هجمات انتقامية ضد إيران، واصفا ما قامت به طهران بـ"العمل الإرهابي والعدواني الذي لا مبرر له".

الرئيس الأذربيجاني  أمر بسحب موظفين من سفارة أذربيجان وقنصليتها في إيران، وحشد الجيش استعدادا لأي "عملية عسكرية" محتملة، ووصف القوات الإيرانية بأنها "قبيحة وجبانة ومقززة"

ومع أن غضبه بدا مفهوما إزاء ما حدث، أعلن علييف لاحقا سحب موظفين ديبلوماسيين من سفارة أذربيجان وقنصليتها في إيران، وحشد الجيش استعدادا لأي "عملية عسكرية" محتملة. واللافت أنه وصف القوات الإيرانية بأنها "قبيحة وجبانة ومقززة"، وألمح إلى أن "أذربيجان المستقلة مكان أمل للأذربيجانيين الذين يعيشون في إيران". وتعد هذه مسألة شديدة الحساسية، إذ يقدّر أن نحو 20 مليون شخص من أصول أذرية يعيشون في إيران، مع وجود قيود معينة على الحقوق الثقافية، مثل غياب خيارات التعليم بلغتهم الأم. إيران، في الواقع، دولة متعددة الأعراق، وتتحسب لتهديدات انفصالية محتملة على أسس عرقية.

وكانت العلاقات السياسية قد تدهورت بين البلدين تدريجيا في الآونة الأخيرة، على الرغم من وجود تشابهات ثقافية بين إيران وأذربيجان. ففي عامي 2020 و2023، استخدمت أذربيجان طائرات مسيرة وتقنيات إسرائيلية لإلحاق الهزيمة بجنود أرمن واستعادة أجزاء من إقليم ناغورنو كاراباخ، مما زاد الشكوك في إيران بأن جارتها الشمالية قد تشكل قاعدة للتجسس أو لشن هجمات لحساب حكومة تل أبيب. وتعد أذربيجان حليفا وثيقا لتركيا، الخصم الجيوسياسي الإقليمي الأبرز لإيران.

رويترز
انفجار طائرة مسيّرة في مطار ناخشيفان في أذربيجان، في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي نُشر في 5 مارس 2026

لكن إيران وأذربيجان واصلتا العمل معا على الصعيد الاقتصادي. فقبل أربعة أيام فقط من بدء الغارات الجوية، وقّعت الدولتان وثيقة تحدد مبادرات مشتركة في 10 قطاعات، مثل النقل والطاقة والكهرباء والمياه. وشملت الخطط ربط شبكات الكهرباء بين البلدين وتصدير الكهرباء من أذربيجان إلى إيران.

اقتصاد يتقدم رغم التوترات السياسية

ويربط بين البلدين أيضا مشروع اقتصادي كبير هو الممر الدولي للنقل شمال-جنوب، الذي يصل موانئ الهند بروسيا، وربما ببقية أوروبا. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، اتفقت إيران وأذربيجان على زيادة حركة الشاحنات اليومية عند معبر أستارا الحدودي إلى ما بين 350 و400 شاحنة، بهدف تخفيف الازدحام وتسهيل تدفقات الصادرات وعمليات العبور، بحسب مسؤولين إيرانيين. 

وأوضح جواد هدايتي، المدير العام للعبور والنقل الدولي في منظمة صيانة الطرق والنقل البري الإيرانية، أن بيانات المنظمة تشير إلى ارتفاع حركة العبور السنوية عبر محطة أستارا بنحو 20 إلى 25 في المئة خلال السنوات الأخيرة. وقد استخدمت العام الماضي، نحو 120 ألف شاحنة إيرانية هذا المسار عبر أذربيجان، كما دخلت إلى إيران أكثر من 50 ألف شاحنة أذربيجانية. وتهدف الخطط المرتبطة بالممر الدولي للنقل شمال–جنوب إلى رفع حجم البضائع المنقولة عبره إلى نحو 15 مليون طن سنويا في حلول عام 2030. 

وظل حجم التبادل التجاري بين إيران وأذربيجان مستقرا نسبيا خلال العامين الماضيين، عند نحو 647 مليون دولار في 2024، و644 مليون دولار في 2025، وشكلت الواردات من إيران أكثر من 95 في المئة من هذا الرقم.

وقد تنخفض في ضوء الوضع الراهن، صادرات إيران إلى أذربيجان من السلع الصناعية مثل النيتروجين والأرجون وحبيبات الحجر والإسمنت، ومن السلع الغذائية مثل البرتقال والبطاطا والفلفل والجبن وغيرها. وكتب فوغار بيراموف، عضو البرلمان الأذربيجاني، في مقال حديث: "من أجل منع ارتفاع أسعار السلع المستوردة من إيران، ولا سيما الغذاء، تبرز حاجة إلى استبدال هذه المنتجات من أسواق بديلة عبر استيرادها بوتيرة أسرع". غير أن إيران تشكل أقل من 3 في المئة من واردات أذربيجان، مما يشير إلى أن الأثر الطويل الأمد للصراع قد لا يكون كبيرا على هذا الصعيد.

لتفادي ارتفاع أسعار السلع المستوردة من إيران، ولا سيما المواد الغذائية، تبرز الحاجة إلى تعويض هذه المنتجات عبر الاستيراد من أسواق بديلة بوتيرة أسرع

فوغار بيراموف، عضو البرلمان الأذربيجاني

وبالنسبة إلى باكو، يظل الوضع متوترا على المستويين السياسي والأمني، مع احتمال تعرضها لضغوط للتحرك من إسرائيل وتركيا إذا بدأت إيران تُظهر علامات ضعف. ويبرز أيضا إمكان تدفق لاجئين من الأذريين في إيران بحثا عن ملاذ آمن في بلد يتحدث لغتهم.

حذر في أرمينيا

ظلت أرمينيا تتحسب لاحتمال أن تقدم أذربيجان على عمل عسكري للاستيلاء على ما يسمى "ممر زنغزور" في جنوبها، منذ نهاية حرب كاراباخ الثانية في عام 2020، وهو ما من شأنه أن يربط جيب ناخشيفان ببقية أراضي أذربيجان. وكانت إيران لاعبا إقليميا تحدث بقوة ضد أي خطط من هذا النوع من جانب باكو، قائلة إنها "ستتجاوز خطا أحمر" إذا تغيرت الحدود في المنطقة.

وبدا أن هذه الأخطار تراجعت أخيرا في أغسطس/آب 2025، عندما وقع رئيس وزراء أرمينيا والرئيس الأذربيجاني اتفاقا في البيت الأبيض في حضور ترمب. وفي الأشهر التي تلت ذلك، بدأت أذربيجان تسمح بعبور بضائع روسية عبر أراضيها، وصدرت كميات رمزية من النفط والديزل إلى أرمينيا، على الرغم من أن الحدود ظلت مغلقة لأكثر من ثلاثين عاما.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (وسط) يصافح الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف (يسار) ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بعد توقيع اتفاق في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 8 أغسطس 2025

وكان من شأن اندلاع الصراع الحالي في إيران أن يطلق مخاوف أمنية واسعة في أرمينيا، لولا "مسار ترمب للسلام والازدهار الدولي" وتحسن العلاقات مع أذربيجان منذ ذلك الحين. وكانت وكالة الإعلام الروسية ووكالة "إنترفاكس" نقلتا عن رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان قوله في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، إن أرمينيا وأذربيجان تخططان لدمج منظومتي الطاقة لديهما. وأضاف أن ربط الشبكتين سيتم في إطار مشروع "مسار ترمب للسلام والازدهار الدولي". وخلال الأسبوع الماضي كان وزيرا خارجية أرمينيا وأذربيجان على اتصال مباشر، كما عبرت أذربيجان عن امتنانها لعدد من الدول على دعمها، بينها أرمينيا. 

وفي السياق الراهن، يظل نهج أرمينيا تجاه الوضع في إيران غير واضح. فمن جهة، لا يزال حدان من حدود أرمينيا الأربعة مغلقين، على الرغم من تنامي الحوار مع تركيا وأذربيجان. وبذلك تشكل إيران مسارا حيويا لأرمينيا، إذ يمر عبرها ما يصل إلى 25 في المئة من تجارة أرمينيا الخارجية، ويجري ذلك في الغالب عبر ميناء بندر عباس. وفي يوليو/تموز 2024، صرّح السفير الإيراني لدى أرمينيا، مهدي سبحاني، بأن حجم التبادل التجاري بين أرمينيا وإيران بلغ نحو مليار دولار أميركي.

التجارة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي

ودخلت اتفاقية التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي تعد أرمينيا عضوا فيه، حيز التنفيذ في مايو/أيار 2025، مما زاد حركة عبور البضائع عبر أرمينيا. وفي السنوات الأخيرة، نفذت أرمينيا مشاريع إنشاء واسعة في جنوب البلاد لتحسين الطريق السريع الذي يربط الدولتين، بهدف تقليص المسافة بين الحدود الإيرانية في الجنوب والحدود الجورجية في الشمال بنحو 100 كيلومتر، وخفض زمن العبور بأكثر من ساعتين. وتشمل هذه الأعمال أيضا شركات هندسية إيرانية.

ونشطت التجارة بين البلدين في السنوات الأخيرة، إذ بلغ حجم التبادل 737 مليون دولار في 2024، و768 مليون دولار في 2025. وتشكل الواردات من إيران نحو 85 في المئة من هذا الإجمالي، وتشمل الغاز الطبيعي والمنتجات النفطية ومواد البناء والمنتجات الزراعية. وعلى صعيد الطاقة، تحصل أرمينيا على نحو 450 مليون متر مكعب من الغاز من إيران، وهو ما يغطي قرابة 15 في المئة من احتياجات البلاد. غير أن إيران، بالمقارنة، ليست مصدرا رئيسا لواردات أرمينيا ولا وجهة كبيرة لصادراتها، إذ تقل حصتها عن  5 في المئة في الحالة الأولى ولا تتجاوز نحو 1.1 في المئة في الحالة الثانية.

نشطت التجارة بين أرمينيا وإيران في السنوات الأخيرة، وبلغ حجم التبادل 737 مليون دولار في 2024 ونحو 768 مليون دولار في 2025

ومن الناحية السياسية، قد تحمل أرمينيا تصورات متباينة إزاء الوضع الراهن في إيران. فقد ظلت العلاقات السياسية مع إيران قوية دائما، وزار وزير الدفاع الأرميني طهران قبل أيام قليلة فقط من بدء الضربات في 28 فبراير/شباط. وفي الوقت نفسه، دأبت الحكومة الحالية بقيادة رئيس الوزراء باشينيان على تأكيد مستقبل أوروبي لأرمينيا مرارا، ودفع البلاد إلى الاقتراب أكثر من الولايات المتحدة.

بناء على ذلك، قد تستفيد التوجهات السياسية الحالية لأرمينيا إذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في إقامة نظام جديد في إيران يتمتع بعلاقات جيدة مع الغرب. وقد يعني رفع العقوبات عن طهران، في سيناريو ما بعد الحرب، فرصا اقتصادية جديدة تساعد باشينيان في تنويع خيارات بلاده، وهو يسعى إلى تقليص اعتماد أرمينيا على روسيا. لكن على الحكومة الأرمينية أن تواصل تحسين العلاقات مع أذربيجان وتركيا، حتى لا تتحول المخاوف الأمنية على هاتين الجبهتين إلى واقع.

أ.ف.ب.
لاجئون إيرانيون يحملون أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 5 مارس 2026

وعلى المدى الأقصر، سيخوض باشينيان انتخابات عامة في يونيو/حزيران، وقد لا يحقق فيها غالبية واضحة على الرغم من أنه الأوفر حظا. وقد يستفيد حزبه إذا استمر الغموض المحيط بإيران، لأنه دعا علنا إلى السلام مع الجيران، بينما تتبنى أحزاب المعارضة موقفا أقرب إلى روسيا، وهو ما قد يرجح استمرار التوترات في المنطقة.

توجد أيضا أخطار سياسية على أرمينيا إذا انزلقت إيران إلى الفوضى. تقدّر الحكومة الأرمينية أن عدد الأرمن في إيران يبلغ نحو 60 ألفا إلى 80 ألفا، اتخذوا ذلك البلد موطنا لهم منذ قرون. وخلال العقد الماضي، شهدت أرمينيا تدفقات من لاجئين أرمن من سوريا ولبنان على خلفية النزاعات والأزمات في هذين البلدين، وكذلك من ناغورنو كاراباخ بعدما شنت أذربيجان هجمات جديدة على الإقليم في سبتمبر/أيلول 2023. كما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 إلى انتقال عشرات الآلاف إلى أرمينيا من هذين البلدين. 

وقد تشكل موجة لجوء جديدة من إيران، سواء جاءت من أرمن إيران بأعداد أقل أو من إيرانيين من أعراق مختلفة بمئات الآلاف، ضغطا كبيرا على الإسكان والخدمات الاجتماعية في هذا البلد الصغير. إضافة إلى ذلك، إذا حملت فصائل عرقية السلاح وتسببت في فوضى داخل إيران، فقد تتحول الجارة الجنوبية إلى بؤرة لتدريب إرهابيين إسلاميين ومرتزقة، بما قد يخلق مشكلات جديدة للمسيحيين في أرمينيا.

ممر جوي جديد يتشكل

على المدى القريب جدا، ترى أرمينيا وأذربيجان بعض الفوائد في الوضع الراهن. فإغلاق المجال الجوي الإيراني وهجمات الطائرات المسيرة على دول الخليج، قد يدفعان شركات طيران تجارية كثيرة إلى اختيار التحليق عبر ممر جوي ضيق للغاية فوق أذربيجان وأرمينيا، مما يجلب إيرادات جديدة لهذين البلدين.

أ.ف.ب.

علاوة على ذلك، يتوقع أن يعزز هذا الصراع مزيدا من التطورات حول "مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين"، الذي اكتسب دفعة إضافية مع زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لهذين البلدين. وكان من المتوقع أن يبدأ تشغيل هذا المسار في حلول عام 2030، لكنه قد يصبح بالغ الأهمية إذا تعثرت حركة العبور عبر إيران. وقد تتسارع وتيرته بالنظر إلى مصالح الصين ودول آسيا الوسطى وأوروبا أيضا.

وتستمر التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية للحرب في إيران في التشكل لحظة بلحظة، بينما تقرر أرمينيا وأذربيجان خطواتهما التالية. وقد تصبح المنطقة والعالم بأسره مختلفين تماما خلال أسابيع.

font change

مقالات ذات صلة