كيف تنعكس "حرب إيران" على تطبيق المرحلة الثانية من "اتفاق غزة"؟

ازدادت صعوبة الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى التسوية الدائمة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
شاب يسير بين أنقاض مبنى مدمر في حي الزهراء، جنوب غرب النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير 2026

كيف تنعكس "حرب إيران" على تطبيق المرحلة الثانية من "اتفاق غزة"؟

لم تكن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد محطة إجرائية ضمن مسار تفاوضي، بل كانت تمثل نقطة انتقال مفصلية بين منطق الحرب ومنطق التسوية. لكنّ التحولات والتغيرات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها الحرب والقصف المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة وإيران من جهة أخرى، أعادت وضع هذا الاتفاق في سياق مختلف، وجعلت تنفيذ بنوده جزءا من معادلة جيوسياسية أوسع تتجاوز حدود القطاع الجغرافية.

لا تتحرك الأزمات في الشرق الأوسط بالعموم، بمعزل عن بعضها البعض، وما يجري في المسار العسكري مع إيران ينعكس سريعا على الملفات الإقليمية وفي مقدمتها غزة، والتي كانت ولا زالت ساحة خصبة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.

وحينما تم التواصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين حركة "حماس" وإسرائيل، في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وبدأ تنفيذه الفعلي، كان الهدف المُعلن تثبيت التهدئة تمهيدا للانتقال إلى ترتيبات أكثر استدامة على المستوى الأمني والمدني والإنساني. وقد صيغت المرحلة الثانية من الاتفاق لتشكل الإطار التنفيذي لهذه التحولات، عبر حزمة من الإجراءات المتشابكة التي يفترض أن تنقل القطاع من حالة الحرب إلى إدارة انتقالية أكثر استقرارا، وذلك من خلال سلسلة من الخطوات المتشابكة.

وتضمنت هذه المرحلة توسيع نطاق فتح المعابر بما يسمح بزيادة تدفق المساعدات الإنسانية والسلع التجارية إلى داخل القطاع، إلى جانب التفاهم على إعادة تشغيل معبر رفح البري أمام حركة المسافرين في الاتجاهين، باعتباره المنفذ البري الوحيد للقطاع، وذلك بعد إغلاق دام لأكثر من عام ونصف العام نتيجة سيطرة الجيش الإسرائيلي على المعبر وتدمير مرافقه. كما جرى الاتفاق والإعلان عن تشكيل لجنة وطنية فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع واستلام الحكم بديلا عن حكومة الأمر الواقع التابعة لـ"حماس" منذ عام 2007، على أن تعمل اللجنة ضمن إطار دولي أوسع تقوده مبادرة سياسية يُشرف عليها "مجلس السلام" الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع تصور بأن تتسلم هذه الإدارة مهام الحكم تدريجيا من حكومة الأمر الواقع.

مع تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران وبدء الحرب، أعادت إسرائيل ترتيب أولوياتها الاستراتيجية

وبالتوازي مع ذلك، طُرحت مجموعة من الترتيبات الأمنية الحساسة، والتي كان يجري النقاش حولها لتطبيقها على أرض الواقع، من بينها مناقشة مستقبل السلاح في القطاع، والتحضير لاستقبال قوات دولية متعددة الجنسيات للإشراف على ترتيبات الأمن ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، بالتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من غزة، قد يكون ضمن جدول زمني لم يتم الإعلان عن تفاصيله، وبالرغم من أن تلك الترتيبات، بدأ العمل على تطبيق جزء منها بشكل فعلي، كخطوات للانطلاق نحو تنفيذ الخطوة بشكل كامل وصولا إلى رفع الأنقاض وإعادة إعمار القطاع، اصطدمت الأمور بواقع إقليمي انعكس بشكل سلبي على الخطوات الأولية خلال تنفيذها، ورفعت إسرائيل مصالحها الأمنية على المصالح الفلسطينية.

رويترز
مركبات عسكرية إسرائيلية تجوب مناطق الدمار في غزة، كما تُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة في جنوب إسرائيل، 21 يناير2026

ومع تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران وبدء الحرب في نهاية فبراير/شباط الماضي، أعادت إسرائيل ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. فبدلا من التركيز على جبهة واحدة، أصبحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع اتساع الحرب والضربات العسكرية المتبادلة مع أكثر من جبهة، مثل إيران ولبنان، وتخوفها من جهات أخرى قد تدخل المواجهة المفتوحة. وفي هذا السياق، أصبحت إسرائيل أكثر حذرا في التعامل مع استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق غزة، خصوصا ما يتعلق بالانسحاب العسكري من القطاع.

بالإضافة إلى التحكم في الأعداد ذكر بعض العائدين من الخارج إلى غزة، شهادات عن تعرضهم للاعتقال والضرب والتهديد والسب بأقذر الشتائم لترهيبهم وحثهم على عدم العودة

وتجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى اتخاذ خطوات لعرقلة استمرار العمل على تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق غزة، خاصة في ظل استمرار الحرب وتوسعها على عدّة جبهات، بل والعمل على التراجع عن الخطوات التي يُنظر إليها على أنها تسهيلات إنسانية فيما الأهم بالنسبة لإسرائيل هو الملف الأمني وكيف ستُفهم كل خطوة قد تتخذها في الوقت الحالي. وتعتقد المؤسسة العسكرية وحتى السياسية الإسرائيلية، أن استمرار العمل بشكل متقدم في الاتفاق والتخفيف من الوجود العسكري في غزة في لحظة إقليمية مضطربة قد يُنظر إليه داخل إسرائيل باعتباره مخاطرة أمنية، في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى الحفاظ على هامش مناورة عسكري إقليمي أوسع.

كذلك، يواجه القادة العسكريون الإسرائيليون معضلة استراتيجية واضحة، فالإبقاء على قوات الجيش داخل القطاع يفرض استنزافا عسكريا وسياسيا مستمرا، بينما قد يؤدي الانسحاب السريع إلى فراغ أمني يسمح بإعادة تشكيل القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية وهو ما لا تقبل به إسرائيل التي تحاول أن تروج لغزة كنموذج لما قد تفعله في الجنوب اللبناني من إنهاء قدرات "حزب الله" هناك وعلى رأسها قدرات "حزب الله" اللبناني.

أ.ف.ب
دخول شاحنات المساعدات الإنسانية من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة في 4 فبراير 2026

قبل شهر من شرارة الحرب الإيرانية الثانية في نهاية فبراير/شباط الماضي، كان الجيش الإسرائيلي قد وافق على فتح إنساني لمعبر رفح البري ومرور العالقين من المرضى والمرافقين بالاتجاهين، بعد مماطلات استمرت لأشهر تبعتها ضغوطات أميركية مصرية على القيادة السياسية الإسرائيلية. فُتح المعبر وفق آلية العمل للعام 2005 وتحت مراقبة قوات أوروبية، لكنه لم يعمل وفق ما هو مفترض، حيث لم يسمح الجيش بمغادرة أو وصول أكثر من 50 مسافرا بشكل يومي من المرضى والمرافقين.

بالإضافة إلى التحكم في الأعداد ذكر بعض العائدين من الخارج إلى غزة، شهادات عن تعرضهم للاعتقال والضرب والتهديد والسب بأقذر الشتائم لترهيبهم وحثهم على عدم العودة، حتى الإعلان عن إغلاق كافة المعابر من بينها معبر رفح بذريعة الحرب والظروف الأمنية غير الآمنة، وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بلغ عدد المسافرين والعائدين خلال فترة فتح المعبر الشهر الماضي وحتى إغلاقه، أقل من 1500 فلسطيني جميعهم من المرضى والمرافقين، أي لدواعٍ إنسانية استثنائية. ومع أن الجيش عاد بعد قرار الإغلاق بيومين وفتح المعابر التجارية لمرور الشاحنات التي تحمل بضائع ومساعدات بشكل تدريجي، فلم يتطرق لذكر أي معلومة عن المعبر البري الذي كان أحد أبرز القرارات الإيجابية للفلسطينيين في غزة بداية تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار.

ليس على البعد الإنساني وحده ألقت الحرب الإيرانية بظلالها على غزة، وذلك لأنّ إحدى أكثر القضايا حساسية ضمن المرحلة الثانية من الاتفاق تتعلق بمستقبل الإدارة السياسية للقطاع. وكانت فكرة إنشاء لجنة وطنية تكنوقراطية لإدارة غزة (من المفترض أن تبدأ مباشرة مهامها على الأرض خلال الفترة الحالية) قد جاءت في سياق محاولة دولية للفصل بين الإدارة المدنية والبنية العسكرية للفصائل الفلسطينية.

لم تعد غزة مجرد ملف إنساني أو أمني محلي، بل تُعامل كجزء من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها حسابات الردع والنفوذ

أما الهدف المعلن من هذه الصيغة فهو تهيئة بيئة سياسية تسمح بإطلاق عملية إعادة الإعمار وإعادة دمج غزة تدريجيا في النظام السياسي الفلسطيني الأوسع بعد تعرضها للانفصال منذ 19 عاما نتيجة الانقسام الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية و"حماس". وتمهيدا لإعادة الإعمار وتطبيق الخطط على الأرض، كانت قد تصدرت خطط إعادة الإعمار مناقشات مؤتمر دافوس 2026، حيث كشف جاريد كوشنر عن "مجلس السلام" المدعوم أميركيا لإعادة بناء القطاع خلال عامين إلى ثلاثة، إذا ما تحقق شرط نزع أو تسليم سلاح غزة، وتضمنت الرؤية مشاريع واسعة النطاق للبنية التحتية والموانئ والمطارات، مع تعهدات بتحويل غزة لمنطقة استثمارية بفرص عمل كاملة، لكن كل ذلك توقف ربما بشكل مؤقت فقط حتى توقف الحرب على إيران والعودة لاستكمال الخطوات.

وفي ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، أصبحت بنود اتفاق وقف النار في غزة أكثر تعقيدا في عملية تطبيقها، خاصة وأنّ اللجنة الوطنية مرتبطة بالموافقات والقرارات والتوجيهات الأميركية، والأهم أنّ اللجنة بكافة أعضائها لا زالت تمارس عملها من الخارج حيث وجودها في مصر وعدم قدومها لمباشرة مهام أعضائها على الأرض لإحداث تغييرات إيجابية في حياة الفلسطينيين بغزة.

على ما يبدو، أنّ الولايات المتحدة الأميركية منشغلة في الوقت الحالي في حربها على إيران ولم تعد تتحدث عن نزع السلاح أو التحضير لوصول القوات الدولية متعددة الجنسيات التي كان من المفترض أن تصل غزة خلال أسابيع قادمة بحسب توقعات سابقة، كان سيتبعها تراجع الجيش الإسرائيلي تدريجيا وفتح أوسع للمعابر مع تسليم اللجنة الوطنية لمهامها بإزالة الركام والبدء في مراحل إعادة ما دمرته الحرب، وهو ما يعني أن المرحلة الثانية من الاتفاق دخلت في حالة موت سريري نتيجة اتساع المواجهة الإقليمية وميل القيادة الإسرائيلية إلى تأجيل القرارات الكبرى المرتبطة بغزة إلى حين اتضاح صورة المشهد الاستراتيجي في المنطقة.

لم تعد غزة مجرد ملف إنساني أو أمني محلي، بل تُعامل كجزء من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها حسابات الردع والنفوذ، وكلما اتسعت دائرة الصراع في الشرق الأوسط، ازدادت صعوبة الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى التسوية المستدامة، فيما لا يزال الفلسطينيون في حالة انتظار الانفراجة السياسية التي ستحدد ملامح الإقليم، فإما أن يتم إنعاش المرحلة الثانية قريبا أو يتم وأدها وبقاء الوضع الأمني والسياسي والإنساني على حاله وفق التحكم الإسرائيلي، أو انفجار غير محسوب يعيد غزة إلى نقطة الصفر.

font change

مقالات ذات صلة