بيسوا و"الوحدة المضيئة" في التصوف

العزلة المختارة باب يفتح ويغلق كي يعلمنا دخول العالم بوعي أكبر

Patricia de Melo Moreira / AFP
Patricia de Melo Moreira / AFP
نادل يمر قرب تمثال الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا أمام مقهى A Brasileira الشهير في لشبونة، 14 يوليو 2021

بيسوا و"الوحدة المضيئة" في التصوف

هناك لحظة صغيرة يعرفها من يختار العزلة بإرادته، لحظة خلالها تنطفئ الشاشة ويخف صوت المدينة، فيظهر الصمت مساحة جديدة داخل الغرفة كأن الجدران اتسعت فجأة. تتباطأ الأنفاس، يهدأ الإيقاع، تبرز أصوات بسيطة: ساعة، خطوة بعيدة، حفيف ستارة. يبقى المشهد الخارجي على حاله، غير أن الإحساس يتبدل في الداخل: تتحرك طبقة عميقة من الوعي، تستقبل هذه الفسحة برحابة ووضوح، تخرج من زحام الأفكار وتسمح للتعب المتراكم بأن يقال أخيرا، ثم يعود القلب إلى مكانه.

في هذه اللحظة بالذات، يطل الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا رفيقا غير متوقع. حضوره مفهوم، لأنه كتب الوحدة من الداخل: عاشها غرفة يومية، ثم جعلها عدسة ينظر بها إلى النفس والعالم فيلتقط أدق اهتزازات الشعور قبل تبددها. يقدم بيسوا العزلة بوصفها "مساحة" للذات، فيها يتشظى الصوت، يتكاثر ويكتب الكاتب كأن داخله أكثر من شخص، لكل واحد نبرة ومزاج، كأن الصفحة طاولة حوار تتجاور فيها الرؤى وتختلف. على الضفة الأخرى يقدم التصوف معنى قريبا من الحس العام، نسميه "الوحدة المضيئة": خلوة تهدئ الداخل، تنقيه وترتب الأصوات، فتمنح الإنسان خفة وصدقا وقدرة أوسع على الرجوع إلى الناس بذهن صاف، بقلب حاضر وثقة أهدأ.

وحدة تكثر المعنى وتربكه

تبدو العزلة في تجربة بيسوا امتلاء يفيض حتى في الصمت، أي أن الوحدة عنده تفتح الباب على أكثر من صوت وأكثر من احتمال، فتجعل الداخل واسعا بما يكفي ليتسع للتناقض والدهشة معا. على الجهة الأخرى تقترح الوحدة المضيئة في التصوف شكلا آخر من الانفراد: خفة تولد من تهذيب الضجيج الداخلي ومن ترتيب الحركة في القلب، حتى يصير الصمت طاقة واضحة لا فراغا مبهما. بين هذين الميلين تظهر العزلة أحيانا عادة صغيرة داخل اليوم: لحظة استرجاع للانتباه، ومهارة تحفظ الوعي من التبدد وتعيد الإنسان إلى نفسه بصفاء عملي، مع بقاء صلته بالعالم حية ومرنة.

تفلت عزلة بيسوا من الإمساك بها من طرف واحد، وكلما اقتربت من المعنى بدا هذا كأنه يفتح بابا إضافيا، فتتحول الوحدة عنده إلى غرفة تتبدل هندستها من الداخل، تتسع ثم تضيق ثم تتسع وفق نبض الفكرة. هكذا تصير العزلة في عالمه امتلاء متخفيا في هيئة صمت، صمت يعمل مثل سطح ساكن يخفي تحته حركة دائمة، وحياة داخلية لا تتوقف، ورغبة في إعادة تسمية الأشياء كل مرة.

يتحول التفصيل اليومي إلى مادة لتأمل طويل وتصبح اللحظة الصامتة رحما لصوت جديد

في «كتاب اللاطمأنينة» (Livro do Desassossego)، تكفي برناردو سواريس تفاصيل يوم عادي كي يشعر بثقل الحياة أو بخفتها: مكتب، شارع، وغرفة... ثم يبدأ الداخل في التمدد كأنه يلتقط الهواء أخيرا. يكتب سواريس بروح من يراقب نفسه من مسافة قصيرة لأن الذات عنده سريعة التحول، قليلة الإقامة على شكل واحد. تتخذ اللاطمأنينة هيئة "سكن" دائم بوصفها طريقة نظر تعيد ترتيب الأشياء. ويتحول التفصيل اليومي إلى مادة لتأمل طويل، وتصبح اللحظة الصامتة رحما لصوت جديد. عندئذ تعمل الوحدة مثل آلة تكبير دقيقة: تترك الواقع على حاله تقريبا، ثم ترفع أثره في الداخل حتى يصير الداخل المسرح الأصدق، الأكثر امتلاء والأشد حضورا.

غلاف "كتاب اللاطمأنينة"

ثم تأتي قصيدة "دكان التبغ" (Tabacaria) لألفارو دي كامبوس مثل صفعة ناعمة، إذ تبدو القصيدة بسيطة في مشهدها: نافذة، شارع، دكان تبغ، رجل يتطلع، غير أن ما يجري خلف هذا الإطار يتحول إلى انفجار صامت لأن العزلة هنا تصير حسا مباشرا بهشاشة الشعور وبفائض الوعي. كامبوس حاضر في العالم حضورا كاملا، ومع ذلك تتسع المسافة بينه وبين الأشياء، فتبدو الوحدة انفصالا داخليا لا ابتعادا جسديا: رؤية حادة بوضوح مزعج، وقفة أمام الحياة كأنها تمر على بعد خطوة ثم تفلت. هذه عزلة تكثر صاحبها: تتوالد الأفكار، تتزاحم الاحتمالات، تتعدد طرق قراءة اللحظة الواحدة إلى أن تغدو اللحظة أوسع من طاقة الاحتمال وأكثر ثقلا من أن تحمل بسهولة.

AFP

وجوه تمشي على الورق

يكتب بيسوا الوحدة ثم يمنحها وجوها تمشي على الورق، كأن صوتا واحدا يضيق على عبء الحياة. تظهر الأسماء المتعددة بوصفها طريقة عيش أدبية: شخص يكتب ببرودة شبه طبيعية، وآخر بعصب مشتعل، وثالث ببساطة تشبه الصحو، لكل واحد زاوية نظر وإيقاع شعور. تمنح هذه التعددية العزلة ملمسها الحقيقي، عزلة كائن يتكاثر كي يحتمل نفسه، ثم يعثر في التكاثر على شكل من الصدق. عند هذه النقطة يبرز مفهوم ميخائيل باختين عن "تعدد الأصوات" بوصفه فكرة شديدة الوضوح: النص ساحة تتجاور فيها أصوات متعددة، تحتفظ بفرادتها وتدفع المعنى إلى الحركة بدل الثبات. مع بيسوا تتسع الساحة لتغادر حدود الرواية، وتستقر داخل الكاتب نفسه حيث يتوزع المعنى بين طبقات من النظر والإحساس، وتتشابك الرؤى بلا حاجة إلى صوت حاكم واحد.

مع هذا التوزيع تتراجع سلطة المؤلف الواحد تلقائيا، فيبدو بيسوا كأنه يحقق بحدسه ما أشار إليه رولان بارت في فكرة "موت المؤلف": المعنى ينمو خارج وصاية قصد واحد، يتحرر من رهنه لشخص يشرح ويقرر وحده. ينجز بيسوا ذلك بالفعل لا بالتنظير، يبتعد خطوة لتتقدم الأصوات، ويخفف مركز الذات حتى تغدو الكتابة مجالا تتعدد فيه الجهات، ويتحول النص إلى تجربة مفتوحة على قراءات شتى، بدل أن يبقى تقريرا واحدا عن العالم.

كثرة الأصوات تمنح ثراء واضحا، ثم تفتح باب الإرهاق حين تتحول المدينة الداخلية إلى ازدحام لا يهدأ. عند هذا الحد تلمع الوحدة المضيئة بوصفها معنى آخر للعزلة، معنى يضع التكثر في موضعه من دون تمجيد أو إدانة، ثم يقترح اتجاها مغايرا: تخف حدة الأصوات، ينتظم إيقاعها، وترتب الغرفة من الداخل بدل أن تتسع بلا نهاية. في اللغة الصوفية المبسطة تصبح الخلوة تدريبا على خفة الداخل، وعلى تحرير النفس من اندفاعاتها، وعلى تهذيب العادات التي تربكها وتستنزفها. بروح عملية يقدم الغزالي هذه الفكرة على هيئة تربية للانتباه: انقطاع محسوب عن المشتتات لاستعادة البوصلة، وترميم الصلة بالمعنى، ثم عودة أكثر صفاء واتزانا إلى الناس والحياة.

تلمع الوحدة المضيئة بوصفها معنى آخر للعزلة، معنى يضع التكثر في موضعه من دون تمجيد أو إدانة، ثم يقترح اتجاها مغايرا

من داخل تجربته المتعددة يمنحنا بيسوا نفسه خيطا يقارب هذا المعنى. يظهر ألبرتو كايرو بصوت يميل إلى تهدئة التفسير فيختار رؤية الأشياء كما هي، ويخفف الحمولة الذهنية عن العالم، كأن النظر يكفي حين يستقيم. يحمل هذا الموقف ملامح ضوء يولد حين تقل الزيادة: حضور أبسط، وعي أقل إفراطا، ولحظة صفاء تتسع لها العين والقلب. هكذا يبدو بيسوا وهو يفتح الباب على كثرة لا تنتهي، كمن يضع في البيت نفسه ركنا للسكينة، زاوية تطلب ترتيب الداخل، وتسمح للمعنى بأن يلمع بلا ضجيج.

بذلك تتجاور صورتان للعزلة في مساحة واحدة: عزلة تنتج مدينة داخلية تسعف الإبداع ثم تستنزف الطمأنينة حين يشتد ازدحامها، وعزلة تصفي الداخل فتخفف عن الوعي ثقل الحمل اليومي. تغري الأولى بالكثرة لأنها تفتح أبواب المعنى، وتغري الثانية بالخفة لأنها ترتب المعنى وتجعله قابلا للعيش. بين هذين الإغراءين تتجلى العزلة بوصفها أثرا يقاس بما تتركه: وعي أوسع، رفق أكبر، قدرة أقوى على الإقامة في الحياة بسلام، أو ازدحام داخلي يرهق صاحبه ويضيق عليه مسالك العيش.

Jose Manuel Ribeiro / REUTERS
تمثال الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا في ساحة بوسط مدينة لشبونة، البرتغال، 23 نوفمبر 2003

بعد هذا التقلب بين كثرة تغري وتتعب وصفاء يلمع حين يخف الحمل، يبرز وجه آخر للعزلة يحتاج إلى إيقاع مناسب أكثر مما يحتاج إلى مسافات بعيدة. يظهر هذا الوجه في قلب النهار العادي: طريق إلى العمل، زاوية مقهى، دقيقة صمت قبل الكلام، لحظة تراجع صغيرة تمنح الذهن فرصة التقاط نفسه. عندئذ تهبط العزلة من مقام الفكرة الكبرى إلى مستوى العادة، فتغدو طريقة لإدارة الانتباه، وصناعة مسافة داخلية تحفظ الوعي من الاستنزاف. يمنحنا بيسوا مدخلا طبيعيا إلى هذا التحول: عاش وحدته داخل المدينة غالبا، داخل حياة متواضعة في شكلها، كثيفة في باطنها، فصارت العزلة عنده أقرب إلى إيقاع يومي منه إلى طقس بعيد.

الصمت يمشي بين الناس

تأتي العزلة أحيانا على هيئة غرفة مغلقة، على هيئة مسافة داخلية تسبق رد الفعل، أو هدنة قصيرة من الاستجابة التلقائية لكل شيء. يلاحظ قارئ "كتاب اللاطمأنينة" أن برناردو سواريس يعيش داخل يوم عادي: مكتب، أوراق، شارع، عودة إلى غرفة، ثم يبدأ الانتباه عمله كآلة دقيقة تلتقط التفاصيل قبل تبددها. تصبح العزلة هنا نظاما داخليا يحفظ الحس من التشتت ويعيد ترتيب الإيقاع من الداخل. يكتب سواريس كأنه يمسك نفسه في اللحظة الأخيرة من الانجراف، فيحافظ على مسافة صحية من تيار اليوم، ويظل قريبا من الناس من غير ذوبان كامل في الخارج.

تتضح الفكرة أكثر حين نتذكر أن بيسوا كتب كثيرا وهو جالس في مقاهي لشبونة، في مكان يقدم نفسه نقيضا للعزلة. يحضر الضجيج حوله، تتحرك الأكواب وتتبدل الوجوه، ومع ذلك يصنع جزيرة داخلية لا يراها أحد. تصبح هذه الجزيرة مساحة ضد التشتت، مساحة تحفظ الانتباه وتمنحه شكلا ثابتا وسط الحركة. عندئذ تتحول العزلة إلى مهارة عملية: حضور بين الناس مع اقتصاد في الاستنزاف، وركن من الصمت يحتفظ به الإنسان لنفسه، صمت هادئ يعمل في الداخل من غير إعلان أو استعراض.

هكذا تتحول العزلة إلى مهارة عملية: حضور بين الناس مع اقتصاد في الاستنزاف، وركن من الصمت يحتفظ به الإنسان لنفسه

هنا يقترب كلام جورج سيمل عن المدينة الحديثة من التجربة حتى حين يقال بأبسط لغة. رأى سيمل أن كثرة المنبهات في حياة المدن تدفع الإنسان إلى بناء حاجز نفسي يقيه ثقل السرعة والضجيج ويحفظ له قدرته على الاحتمال. في قراءة بيسوا يظهر هذا الحاجز بوصفه فنا للمسافة: مسافة تسمح للوعي بالملاحظة بدل الابتلاع، وبالتريث بدل الاستثارة، وبإنقاذ المعنى من التحول إلى ردود أفعال سريعة فتستعيد الحياة شيئا من عمقها داخل اليوم المزدحم.

مع مرور الزمن تغدو هذه المسافة علامة نضج، علامة قدرة على إدارة الذات في الزحام. تحدث عالم النفس دونالد وينيكوت عن "القدرة على أن يكون الإنسان وحده" بوصفها صحة داخلية، لأن الجلوس مع النفس يفتح باب الاتزان ويمنح المرء أمانه من الداخل. يقدم بيسوا هذه القدرة بأشد صورها حساسية: الجلوس مع الذات يحمل لاطمأنينة صريحة في بعض الأحيان، غير أنه يهب شيئا ثمينا، وضوحا في سماع النفس، تمييزا أدق بين الشعور الحقيقي وبين ما يلتقطه الإنسان بالعدوى من ضجيج عام، ثم قدرة على العودة إلى اليوم من غير تشويش دائم.

ولأن الحياة اليومية قاسية الإيقاع، تنجح الفكرة حين تظهر في الواقع، وهنا يساعدنا بيسوا عبر مشهد بسيط كاشف في "دكان التبغ": نافذة تطل على شارع، دكان تبغ في الأسفل، ورجل يرى العالم من خلف زجاج نافذة. هذه النافذة تتحول إلى أداة عزلة، أداة تمنح الوعي مسافة عن التورط الفوري وتفتح لحظة يراقب فيها الإنسان حياته بدل أن تنقله الحركة كما تنقل الأشياء. في هذا المشهد تصبح العزلة تعليقا قصيرا للإيقاع كي تظهر التفاصيل، ثم يلمع معها معنى لا يطفو في الركض ولا يتسع له الزمن المتسارع.

غلاف "دكان التبغ"

قد تبدو هذه العزلة اليومية قريبة من الوحدة المضيئة التي نلمحها هنا لأنها تدريب عملي على تخفيف الضجيج الداخلي وسط مكان يستمر فيه الضجيج الخارجي بلا انقطاع. يقدم التصوف حين يقرأ ببساطة معنى الخلوة بوصفها تربية للداخل: إعادة ترتيب الإيقاع، تهدئة اندفاع النفس، تعلم امتلاك لحظة قبل أن يمتلكها الانفعال. عند هذا الحد يصير الضوء أثرا محسوسا، يولد في دقيقة صمت صادقة ترد القلب إلى موضعه، وتمنح العقل وضوحا عمليا، وتترك في السلوك رفقا يستمر بعد انتهاء اللحظة.

بداخل بيسوا ما يساند هذا المعنى مع بقاء القراءة في أعماله، إذ يظهر صوت ألبرتو كايرو ببساطة حادة في التعامل مع العالم كأنه يضع قاعدة واحدة واضحة: الأشياء ترى كما هي وتلتقط في حضورها، فتخف عنها حمولة التوتر والتفسير الزائد. تمنح هذه البساطة عمق بيسوا منفذا للهواء وتجعله قابلا للتنفس بدل التراكم. يبدو المشروع الذي يصنع مدينة داخلية كأنه يعود أحيانا ليبحث عن مخرج من ازدحامه، فيعثر على ذلك في لحظات قصيرة: انتباه صاف، تخفف من الإفراط في الشرح، رضا عملي بأن الحاضر حين يرى جيدا يهب ما يكفي ويعيد الى المعنى حدوده المضيئة.

ممارسات الحياة اليومية

لهذا تبدو فكرة ميشال دي سيرتو عن "ممارسات الحياة اليومية" ملائمة هنا، فهو يرى أن الإنسان داخل الأنظمة الكبيرة التي تضغطه يبتكر تكتيكات صغيرة تحفظ له نصيبا من الحرية وتمنحه قدرة على التصرف داخل اليوم بدل الانسياق له. وعند ترجمة الفكرة إلى حياة العزلة تتضح الصورة: يكفي خلق نقاط صغيرة من الصمت داخل اليوم، ووضع مسافة عن الاستنزاف وتعلم إيقاف السيل للحظة كي يستعيد الوعي توازنه. هكذا يظهر بيسوا، بحياته المكتبية وكتابته المتسربة إلى دفاتر ومقاه وشوارع، كأنه يدرب نفسه على هذه التكتيكات يوميا إلى أن صارت العزلة عادة تعمل بسلاسة وتنتج أثرها بهدوء.

العزلة التي تصلح صاحبها تعيده ألين وأوضح وأقل اندفاعا، والعزلة التي تربك صاحبها تعيده أكثر انغلاقا وأشد توترا

تتحول العزلة إلى وحدة مضيئة حين تستعمل بوعي واضح، وذلك لأن المسافة الداخلية تحمل وجهين: وجه يقي من التشتت، ووجه يتخذ هيئة قناع أنيق للهروب من مواجهة ما يستحق المواجهة. كما تظهر العزلة أحيانا في صورة صفاء ثم تنقلب في العمق إلى برودة أو انسحاب حين تفقد صلتها بالحياة. عندئذ يبرز معيار بسيط من دون صوغ فج: العزلة التي تصلح صاحبها تعيده ألين وأوضح وأقل اندفاعا، والعزلة التي تربك صاحبها تعيده أكثر انغلاقا وأشد توترا.

نستخلص من ذلك أن العزلة اليومية تمثل دفاعا عن الانتباه وصونا للحضور وسط العيش مع الناس. تصير طريقة لحفظ القلب من الاستهلاك، وصون الوقت من التبعثر وحراسة الذات من التحول إلى شاشة مفتوحة لكل شيء. ومع بيسوا يتضح أن هذا الحفظ ينهض على عادة صغيرة: مسافة داخلية تحمي المعنى، وتمنح الوعي فرصة ترتيب نفسه. ثم يعود الإنسان إلى العالم أخف، أقل انكسارا تحت ضجيجه، أكثر قدرة على الإصغاء وأقرب إلى سلام عملي يثبت في تفاصيل اليوم.

اختبار العزلة في الأثر

تظهر العزلة في النهاية أثرا خفيفا يظل فينا بعد العودة إلى الحركة أكثر مما تظهر مكانا نذهب إليه أو موقفا نعلنه، وتشبه رائحة تبقى على الملابس بعد الخروج من بيت قديم، لا تلتقطها العيون ويلتقطها صاحبها فورا لأنها تسكن ذاكرته وحسه. عندئذ تتراجع أهمية الشكل الخارجي: غرفة صامتة، مقهى مزدحم، وطريق طويل. تتقدم أهمية الأثر من خلال تغير في طريقة النظر ورهافة في الإصغاء، حضور أوضح في الخطوة التالية وقدرة أعلى على السير بأقل تشتت، وبانتباه يلم شتات الداخل بدل بعثرته.

يقدم بيسوا مفارقة جميلة حين يمنحنا صورة للوحدة تقاوم الاستقرار بدل جواب نهائي. تبدو العزلة عنده مرآة متحركة تكشف كثرة وجوهنا ثم تشعرنا بثقل هذه الكثرة نفسها، فتدفعنا إلى لمس طريق أهدأ نحو الداخل. وعند الموضع الذي يلمع فيه معنى الوحدة المضيئة يصير الضوء تجربة ملموسة: يهدأ الضجيج قليلا، تتسع المسافة بين الإحساس ورد الفعل، يعود الإنسان إلى الآخرين بقلب أنقى ويد أخف، فيقل حمل الخصومة ويخف أثرها القديم في النبرة والنظر.

في المسافة بين هذين الخروجين، تنكشف قيمة العزلة في أثرها الصغير: تبدل في نبرة الصوت، ليونة في شكل النظرة، حياة أوضح في القلب وهو يعبر هذا الصخب

ربما لهذا تبدو العزلة المختارة أشبه بباب يفتح ويغلق كي يعلمنا دخول العالم بوعي أكبر. من خرج من وحدته أكثر خفة خرج مرتبا من الداخل، مستعيدا توازنه وقادرا على حمل يومه بيد ثابتة. ومن خرج منها أشد انغلاقا خرج مثقلا بضجيج جديد، لأن الداخل بدل صخب الخارج بصخب آخر.

في المسافة بين هذين الخروجين، تنكشف قيمة العزلة في أثرها الصغير: تبدل في نبرة الصوت، ليونة في شكل النظرة، حياة أوضح في القلب وهو يعبر هذا الصخب، وقدرة على البقاء حاضرا من غير تفتت.

font change

مقالات ذات صلة