إيران... مجتبى ومستقبل "الجمهورية الإسلامية"

ما بات واضحا بالفعل أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة انتقالية لا تشبه أي مرحلة عاشتها منذ الثورة

إدواردو رامون
إدواردو رامون

إيران... مجتبى ومستقبل "الجمهورية الإسلامية"

يمثل تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا لإيران أحد أبرز التحولات السياسية في الجمهورية الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وللمرة الأولى منذ ثورة 1979، انتقلت السلطة العليا مباشرة من الأب إلى الابن. وصادق "مجلس خبراء القيادة" على مجتبى بعد نحو أسبوع من مقتل والده، علي خامنئي، في ضربة أميركية-إسرائيلية أطاحت بجزء كبير من القيادة الإيرانية العليا. وأنهى هذا القرار أياما من التكهنات بشأن فراغ السلطة في لحظة كانت إيران قد دخلت فيها حربا كبرى.

بدلا من ذلك، تحرك النظام بسرعة لاستعادة الاستمرارية. وتولى مجلس قيادة مؤقت السلطة لفترة وجيزة، كما ينص الدستور، وخلال أيام التفّت المؤسسة الدينية والنخبة الأمنية حول مجتبى بوصفه "المرشد الأعلى" الثالث للجمهورية الإسلامية. وكان المقصود من سرعة الانتقال أن توجه رسالة واضحة مفادها أن الآلة المؤسسية للنظام ظلت متماسكة رغم خسارة زعيمه الذي حكم زمنا طويلا. وفي أخطر لحظة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لم تكن الغريزة الأولى للدولة هي التجريب، بل التماسك.

كانت تلك الاستجابة كاشفة. فعلى مدى سنوات، دارت نقاشات التوريث في إيران حول تنافس الأجنحة الدينية، ومساومات النخبة، وإمكان أن يتبلور نظام ما بعد خامنئي عبر مسار أطول وأكثر تنازعا. لكن الحرب غيّرت ذلك؛ فقد كثّفت الوقت وضيّقت الخيارات. ففي زمن السلم، كان صعود مجتبى خامنئي سيواجه على الأرجح مقاومة أشد. فاحتمال توريث السلطة في نظام تأسس على إسقاط الملكية كان سيثير اعتراضات أيديولوجية أشد حدة. وكانت الأسئلة المرتبطة برتبته الدينية، ومحدودية حضوره العام، وافتقاره إلى خبرة تنفيذية، ستكون أصعب تجاهلا. وكان لمنافسين آخرين مجال أوسع لتنظيم الدعم، لكن تحت وطأة هجوم خارجي وقلق داخلي، صارت الاستمرارية أهم من الإجراء، وصارت وحدة القيادة أهم من التشاور، وصار الثبات الرمزي أهم من الاتساق الأيديولوجي.

يبرز إرثان على وجه الخصوص في تشكيل ملامح حكم مجتبى في بداياته: القوة المؤسسية "للحرس الثوري الإسلامي"، ورؤية راسخة للعالم تصور صراع إيران مع الغرب على أنه صراع وجودي

ولهذا يحمل تعيين مجتبى دلالة تتجاوز مسألة التوريث المباشرة. فهو يكشف أن الجمهورية الإسلامية، تحت ضغط شديد، اختارت البقاء لا الاتساق العقائدي. لقد قبل نظام وُلد من تمرد على الحكم السلالي انتقالَ السلطة العليا من الأب إلى الابن. وعلى مدى عقود، عرّفت الجمهورية الإسلامية نفسها جزئيا عبر رفضها المبدأ الوراثي الذي قامت عليه ملكية آل بهلوي. لكن في بوتقة الحرب تراجع هذا المحظور. ولم يتحول النظام إلى ملكية بأي معنى رسمي، لكنه تجاوز خطاً كانت أجيال سابقة من نخب الثورة تعده من المحظورات السياسية. والنتيجة مفارقة أعمق، وهي أن دولة ثورية تحافظ على نفسها عبر شكل من الاستمرارية السلالية في حين ترفض الاعتراف بهذا التناقض.

ومع ذلك، لا يرث مجتبى خامنئي نظاما مستقرا تضمنه الاستمرارية، بل دولة تواجه أخطر تلاقٍ للأزمات في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انخرطت إيران الآن في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما قوتان نوويتان تتفوق قدراتهما العسكرية المشتركة على القوات التقليدية الإيرانية بفارق كبير. وأضعفت الحرب بالفعل عناصر رئيسة من بنية إيران الصاروخية ودفاعاتها الجوية وقدراتها البحرية. وفي الوقت نفسه، يظل الاقتصاد الإيراني هشا بعد سنوات من العقوبات والتضخم واضطراب العملة والبطالة الهيكلية. وفاقمت الضغوط البيئية، من شح المياه إلى هبوط الأرض، الشعور العام بالإرهاق الوطني. وتحت سطح الوحدة في زمن الحرب يقبع مجتمع قلق عانى في السنوات الأخيرة دورات متكررة من الاحتجاج والقمع.

رويترز
ايرانيون يرفعون لافتات تحمل صورة المرشد الجديد مجتبى خامنئي مع المرشد الراحل علي خامنئي، خلال تجمع لدعم مجتبى خامنئي، في طهران، إيران، 9 مارس 2026

لذلك، فإن السؤال الذي يواجه الزعيم الجديد لإيران أكبر من مسألة التوريث. إذ يتعين على مجتبى خامنئي أن يقرر ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستواصل المسار الاستراتيجي الذي رسمه والده، أم إن الضغوط التي تطبق على النظام ستفرض إعادة نظر أكثر جذرية في توجه إيران السياسي وسياستها الخارجية. ويحسم تعيينه، على الأقل في الوقت الراهن، مسألة من يجلس في قمة الدولة. لكنه لا يحسم السؤال الأعمق، وهو أي نوع من الدولة يقود الآن، وما الموارد التي لا تزال متاحة لها، وأي افتراضات من حقبة خامنئي لا تزال قابلة للاستدامة بعد صدمة الحرب.

لفهم الخيارات التي يواجهها مجتبى، ينبغي أولا فحص ما ورثه. فقد أعادت قرابة أربعة عقود قضاها علي خامنئي مرشدا أعلى تشكيل البنية السياسية للجمهورية الإسلامية. ويبرز إرثان على وجه الخصوص في تشكيل ملامح حكم مجتبى في بداياته: القوة المؤسسية "للحرس الثوري الإسلامي"، ورؤية راسخة للعالم تصور صراع إيران مع الغرب على أنه صراع وجودي.

سيعتمد مجتبى على "الحرس الثوري" لترسيخ سلطته، في حين يتوقع "الحرس" منه أن يصون البنية الأمنية التي أسهم في بنائها

وعلى امتداد 36 عاما من ولايته، أشرف علي خامنئي على تحول "الحرس الثوري" إلى أقوى مؤسسة في إيران. فقد أُنشئ "الحرس" بعد الثورة بوصفه ثقلا أيديولوجياً موازياً للجيش النظامي، لكنه تطور تدريجيا إلى قوة أمنية وسياسية واقتصادية مترامية تعمل كدولة داخل الدولة. ويهيمن قادته على التخطيط الاستراتيجي، وتتغلغل شبكاته الاستخباراتية في معظم القطاعات الكبرى في المجتمع، وتسيطر تكتلاته الاقتصادية على أجزاء واسعة من الاقتصاد. وفي زمن الحرب، يتعاظم دور "الحرس" أكثر. إذ يشرف على برنامج إيران الصاروخي، وعلى شبكات الوكلاء الإقليميين، وعلى جهاز الأمن الداخلي الذي يقوم عليه استقرار النظام. ولا توجد مؤسسة أخرى أقدر منه على تشكيل مسار الحرب وشروط التوريث السياسية في آن واحد.

وبالنسبة إلى مجتبى خامنئي، يشكل "الحرس الثوري" في الوقت نفسه أهم مصدر دعم له والمؤسسة التي سترسم حدود سلطته. فعلى خلاف والده الذي بنى نفوذه على مدى عقود بصفته رجل دين ثوريا وشخصية سياسية، أمضى مجتبى معظم مسيرته خلف الكواليس داخل مكتب "المرشد الأعلى". وهو ليس سياسيا ذا قاعدة جماهيرية، ولم يسع إلى بناء حضور عام واسع. لا يعرفه كثير من الإيرانيين إلا شائعة تتداول، أو شبحا في أروقة الحكم، أو فاعلا يدير الأمور من وراء الستار، أكثر مما يعرفونه زعيما وطنيا ظاهرا. وهذه الضبابية ذات معنى. فقد اختار النظام شخصية تستند سلطتها، قبل كل شيء، إلى تجذرها في القلب الأمني للنظام، لا خليفة كاريزميا أو مجربا في ساحات السياسة العلنية. ووصفه محللون منذ زمن طويل بأنه وسيط رئيس بين القيادة و"الحرس الثوري"، ويعتقد كثيرون أن علاقاته الوثيقة بكبار قادة "الحرس" كانت حاسمة في تثبيت خلافته. ومن المرجح أن تحدد هذه العلاقة ميزان القوى في طهران في بدايات العهد الجديد. إذ سيعتمد مجتبى على "الحرس الثوري" لترسيخ سلطته، في حين يتوقع "الحرس" منه أن يصون البنية الأمنية التي أسهم في بنائها.

وقد يتحول ذلك إلى مصدر قوة وضعف في آن واحد. فزعيم متجذر في أكثر مؤسسات النظام قدرة على الإكراه يستطيع أن يتحرك بسرعة في الأزمات، وأن يطمئن المتشددين إلى أن الاستمرارية ستبقى قائمة. لكن زعيما يتركز رأسماله السياسي داخل المؤسسة الأمنية قد يواجه صعوبة أكبر في توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، وإصلاح شرعيته، وفتح المجال أمام مراجعة استراتيجية. ويدخل مجتبى منصبه تجسيدا للاستمرارية، لكنه لا يدخل بالضرورة بوصفه فاعلا قادرا على الإفلات من البنى نفسها التي رفعته إلى القمة.

أما الإرث الثاني الذي يتلقاه مجتبى عن والده فهو أيديولوجي أكثر منه مؤسسيا. فقد أمضى علي خامنئي معظم سنوات حكمه في ترسيخ رؤية للعالم تقوم على انعدام ثقة عميق بنوايا الغرب. ووفق تفسيره، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يخوضون حملة طويلة الأمد لإضعاف الجمهورية الإسلامية ثم تفكيكها في نهاية المطاف. ولم يطبع هذا الاعتقاد سياسة إيران الخارجية وحدها، بل طبع أيضا مقاربتها للسياسة الداخلية. حذر خامنئي مرارا من أن القوى الغربية ستحاول هندسة "ثورة ملونة" داخل إيران عبر استغلال المظالم الاقتصادية والاضطراب الاجتماعي والانقسامات بين النخب لإشعال تغيير النظام.

ومع مرور الوقت، تصلبت هذه السردية حتى غدت عقيدة مركزية داخل المؤسسة الأمنية للجمهورية الإسلامية. ومن منظور القيادة، نادرا ما رأت السلطة في الاعتراض الداخلي ظاهرة سياسية تنشأ من داخل المجتمع، بل تعاملت معه غالبا بوصفه دليلا على تلاعب خارجي. كما نظرت إلى حركات الاحتجاج، وانتقادات الإصلاحيين، واضطرابات الطلاب، والمظالم العمالية، وأي حراك تقوده النساء، بل وحتى النقاشات بين رجال الدين أو النخب السياسية، من خلال عدسة التخريب الأجنبي. وكانت المحصلة نظاما سياسيا ينظر إلى التسوية بعين ريبة عميقة، ويجعل من السيطرة القسرية أداة أساسية للبقاء.

تركت سنوات من العقوبات وسوء الإدارة البنيوي اقتصاد إيران يعاني تضخما مزمنا، وعملة شديدة التقلب، وتراجعا في مستويات المعيشة، وغموضا عميقا يكتنف الاستثمار والنمو في المستقبل.

وتنبع أهمية هذه الرؤية من ربطها بين استراتيجية النظام في الخارج وسلوكه في الداخل. ففي عهد علي خامنئي، لم تكن العداوة تجاه الغرب مجرد موقف في السياسة الخارجية، بل كانت أيضا أحد مبادئ الحكم الداخلي. وكلما ازداد اقتناع القيادة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا تسعى إلى اختراق المجتمع الإيراني من الداخل، ازداد تآكل الحدود بين الاعتراض في الداخل والمواجهة في الخارج. وجرت صياغة العقوبات والاحتجاجات والنقد الإعلامي والنشاط السيبراني ونقاشات النخب كلها داخل سردية واحدة عن الحصار. وهكذا، لا يرث مجتبى مجرد علاقة صدامية مع الغرب، بل يرث أيضا خريطة ذهنية ترى في الضغط الخارجي والاضطراب الداخلي جبهتين لصراع واحد.

يصل مجتبى خامنئي الآن إلى سدة السلطة وهو يحمل هذين الإرثين معا. فمن جهة، يرث جهازا أمنيا شديد القوة قادرا على حفظ النظام الداخلي وبسط نفوذه في المنطقة. ومن جهة أخرى، يرث رؤية تفترض أن العداء الخارجي والهشاشة الداخلية سمتان دائمتان في المشهد السياسي الإيراني. ويضيّق هذان الإرثان مجال المرونة. فهما تدفعان إلى الاستمرارية لا لأنهما تمنحان القوة للقوى الأشد تمسكا بالوضع القائم فحسب، بل لأنهما تشكلان أيضا طريقة تفسير تلك القوى للأحداث.

تكمن صعوبة مهمة الزعيم الإيراني الجديد في أن هذه الافتراضات الموروثة تصطدم الآن بواقع أشد هشاشة بكثير من الواقع الذي واجهه والده في معظم سنوات حكمه. فالجمهورية الإسلامية اليوم تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. وكل ضغط منها بالغ الخطورة بمفرده. لكنها مجتمعة تخلق تحديا استراتيجيا مركبا قد لا تكفي الاستمرارية وحدها لإدارته.

أ.ف.ب
مجلس خبراء الايراني منعقدا في العاصمة طهران، في 13 مارس 2018

ويظهر البعد العسكري بوصفه الأكثر إلحاحا. فقد كشفت الحرب المستمرة نقاط ضعف في دفاعات إيران التقليدية حاولت طهران طويلا إخفاءها عبر الردع غير المتكافئ. وعلى مدى سنوات، ارتكزت استراتيجية إيران على ثلاثة أعمدة، هي الصواريخ الباليستية، وشبكة من الوكلاء الإقليميين، والتهديد بعرقلة تدفقات الطاقة في الخليج العربي. وقد أتاحت هذه الأدوات لطهران فرض كلفة على خصوم أقوى منها من دون الاشتباك معهم مباشرة. لكن الصراع الحالي اختبر هذا النموذج. إذ أظهرت الضربات الإسرائيلية والأميركية قدرة على اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية واستهداف بنى تحتية استراتيجية في عمق البلاد. وحتى النجاح الجزئي في ذلك دفع المخططين الإيرانيين إلى مواجهة احتمال أن بنية الردع لديهم أقل صلابة مما كانوا يعتقدون.

إقليميا أيضا، تبدلت البيئة التي كانت تسند استراتيجية إيران. فقد ضعف "حزب الله" في لبنان بفعل اشتباكات متكررة مع إسرائيل. وتواجه شبكة الميليشيات التابعة لإيران في العراق ضغوطا متزايدة من حكومات إقليمية تسعى إلى كبح نفوذ طهران. وبينما تظل جماعات مثل الحوثيين في اليمن نشطة، فإن الأثر التراكمي تمثل في إضعاف الانطباع بأن إيران تستطيع بسط نفوذها عبر الشرق الأوسط بصورة يمكن التعويل عليها من خلال قوات الوكلاء وحدها. ولم يختف نموذج الدفاع المتقدم الذي أسهم في تحديد الاستراتيجية الإيرانية لعقود، لكنه لم يعد يوفر مستوى الضمان نفسه الذي كان يوفره من قبل.

ولا تقتصر أهمية ذلك على التخطيط العسكري، بل تمتد إلى القصة الأيديولوجية التي يرويها النظام لنفسه. فقد زعمت الجمهورية الإسلامية طويلا أنها بنت حلقة ردع خارج حدودها تحديدا كي تمنع الحرب من الوصول إلى الأراضي الإيرانية. ويغدو الحفاظ على هذا الزعم أصعب حين يصبح الوطن نفسه عرضة لهجوم مباشر ومتواصل. وإذا لم تعد الاستراتيجية الخارجية للنظام قادرة على منع نوع الحرب الذي صممت لردعه، فلا بد للقيادة عندئذ من أن تكيف الاستراتيجية، أو أن تمضي بها إلى أقصى مدى، أو أن تعيد تعريف النجاح بصورة أكثر تواضعا على أساس الصمود لا الهيمنة.

ويتقاطع الضعف العسكري مع الهشاشة الاقتصادية. فقد تركت سنوات من العقوبات وسوء الإدارة البنيوي اقتصاد إيران يعاني تضخما مزمنا، وعملة شديدة التقلب، وتراجعا في مستويات المعيشة، وغموضا عميقا يكتنف الاستثمار والنمو في المستقبل. وتفاقم اضطرابات زمن الحرب هذه الاختلالات. فهي ترفع كلفة المعاملات، وتسرع هروب رؤوس الأموال، وتفرض أعباء جديدة على مالية دولة مثقلة أصلا. وتزيد الأزمات البيئية، ولا سيما شح المياه وهبوط الأرض، من حجم الضغط. وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، تلاشت منذ زمن الوعود بالعدالة الاقتصادية التي كانت تسند يوما السردية الثورية.

يهيمن "الحرس الثوري" والمؤسسات المرتبطة به على البنية التحتية للاتصالات في البلاد، بما يتيح للسلطات مراقبة النشاط على الإنترنت، وفلترة المحتوى، وقطع الوصول إلى الشبكة خلال فترات الاضطراب

ولا يزال النظام يحتفظ بأدوات للسيطرة على الاقتصاد، ويمكنه الاستناد إلى شبكات المحسوبية والتهريب والالتفاف على العقوبات والنشاط التجاري شبه الحكومي للإبقاء على عمل قطاعات أساسية. لكن هذه الآليات أصبحت على نحو متزايد أدوات للبقاء لا للتنمية. فهي تصون النظام من دون أن تعيد الثقة العامة به. وكلما ازداد تنظيم الاقتصاد الإيراني حول ظروف الحصار، تدفقت القوة السياسية أكثر نحو المؤسسات، وفي مقدمتها "الحرس الثوري" والجهات المرتبطة به، التي تستطيع العمل بأكبر قدر من الفاعلية في بيئة تتسم بالندرة والضبابية والإكراه. وبعبارة أخرى، قد لا تضر الحرب بالاقتصاد فحسب، بل قد تعيد أيضا توزيع القوة الاقتصادية لصالح البنى الأمنية نفسها التي تهيمن على الدفاع الوطني.

وتقود هذه الضغوط الاقتصادية مباشرة إلى البعد الثالث، وربما الأكثر صعوبة في التنبؤ، من مأزق إيران الحالي، وهو الاضطراب الاجتماعي. فعلى مدى العقد الماضي، واجهت الجمهورية الإسلامية موجات متكررة من الاحتجاجات استندت إلى دعم من شرائح متنوعة من المجتمع. واختلفت هذه الموجات في دوافعها المباشرة، من أسعار الوقود والضيق الاقتصادي والقمع السياسي وحقوق النساء والفساد إلى إحباطات أوسع ناجمة عن غياب مساءلة النخب، لكنها تكشف مجتمعة اتساع الفجوة بين الدولة وقطاعات كبيرة من المجتمع. ولم تعكس أحدث الاحتجاجات في يناير/كانون الثاني مظلمة واحدة، بل شعورا أوسع بأن النظام صار جامدا وغير مستجيب.

وقد تخفف القومية في زمن الحرب مؤقتا من مثل هذه التوترات، ولا سيما عندما تتعرض دولة لهجوم مباشر. لكنها لا تمحوها. فالحرب نفسها التي تولد نزعات وطنية قد تعمق الغضب أيضا إذا جلبت مزيدا من الضيق والدمار والضحايا، أو إذا قدمت أدلة ظاهرة على عجز النخب. ويتوقف الكثير على الكيفية التي يفسر بها الجمهور الصراع. فإذا رأى كثير من الإيرانيين أن الحرب هي في المقام الأول اعتداء على الوطن، فقد يحشد النظام دعما حول خيار المقاومة. لكن إذا أخذ عدد متزايد منهم يراها خاتمة لمسار استراتيجي اختارته قيادة متصلبة، فقد تتبين أن وحدة زمن الحرب أرق وأقصر عمرا مما يأمل النظام.

استجابت قيادة إيران لهذه الضغوط عبر تعزيز قدراتها على المراقبة وتوسيع منظومة التحكم الرقمي. ويهيمن "الحرس الثوري" والمؤسسات المرتبطة به على البنية التحتية للاتصالات في البلاد، بما يتيح للسلطات مراقبة النشاط على الإنترنت، وفلترة المحتوى، وقطع الوصول إلى الشبكة خلال فترات الاضطراب. وأظهرت عمليات قطع الإنترنت الشامل الأخيرة على مستوى البلاد مدى سرعة قدرة الدولة على عزل السكان عن العالم الخارجي. وسهلت هذه الأدوات على الحكومة احتواء الاعتراض، لكنها تبرز أيضا إلى أي حد بات النظام يعتمد على الإكراه لا على القبول. فالنظام الواثق من شرعيته لا يحتاج إلى فصل المجتمع عن ذاته بهذا الانتظام.

وهنا تكتسب السمة الخاصة للملف السياسي لمجتبى أهمية إضافية. فهو يدخل السلطة بقدر محدود من الشرعية العامة بالمعنى التقليدي. فهو ليس شخصية بنت سلطتها عبر انتخابات متكررة، أو خطابات عامة، أو منصب تنفيذي ظاهر. ولا يبدو أنه يمتلك ذلك المقام الديني الواسع الذي كان يمنح في السابق ثقلا دينيا شبه تلقائي. ومن السمات اللافتة في صعوده مدى ما عملت عليه آلة الدولة الإعلامية والسياسية لرفع مكانته الدينية وترسيخها. ولا يعني ذلك أنه يفتقر إلى دعم فعلي داخل مؤسسات رئيسة. لكنه يعني أن شرعيته ستعتمد على الأرجح بدرجة أكبر على إظهار السلطة وممارستها، والتحكم الأمني، وتماسك النخب، والقدرة على الصمود في زمن الحرب، ثم بلوغ الاستقرار لاحقا، أكثر مما ستعتمد على وجاهة عامة أو دينية تتكون بصورة عضوية.

تكتسب هذه المفارقة أهمية لأنها تشير إلى تحول أعمق يجري بالفعل داخل الجمهورية الإسلامية. فعلى مدى سنوات، كان النظام ينتقل من ترتيب ثوري هجين، يجمع بين البعد الديني والنزعة الشعبوية وملامح الدولة الأمنية، إلى صيغة تهيمن عليها أجهزة الإكراه بصورة أوضح. وقد يسرع انتقال السلطة إلى مجتبى هذا المسار. فإذا كانت ولاية علي خامنئي قد قلصت تدريجيا التأثير النسبي للسلطة الدينية التقليدية لصالح المؤسسات الأمنية، فقد يشرف ابنه على المرحلة التالية من هذا التحول، وهي قيام دولة تحتفظ بالرمزية الدينية لكنها تعتمد على نحو متزايد على القوة العسكرية والأمنية في تماسكها.

لم يختر النظام مجتبى لأنه قدم بوضوح رؤية استراتيجية جديدة، بل اختاره لأنه مثل أقصر طريق إلى حفظ تسلسل القيادة والاستمرارية الأيديولوجية تحت النيران

يثير تلاقي هذه الضغوط سؤالا جوهريا عن مدى قابلية النموذج السياسي الذي ورثه مجتبى خامنئي للاستمرار. فعلى مدى عقود، اعتمدت الجمهورية الإسلامية على مزيج من التعبئة الأيديولوجية، والضبط الأمني، وإسقاط القوة إقليميا للحفاظ على موقعها. لكن الأزمة الحالية توحي بأن ميزان هذه العناصر قد يتغير. فلا تزال الأيديولوجيا مهمة، لكنها لم تعد تلهم كما كانت من قبل. ولا يزال النفوذ الإقليمي مهماً، لكنه صار أعلى كلفة وأقل موثوقية. أما الضبط الأمني، فلا يزال مهماً، وربما أكثر من أي وقت مضى، لكن النظام السياسي الذي يميل على نحو متزايد إلى الإكراه يكشف أيضا تآكل أشكال الشرعية الأقل صلابة.

فهل تستطيع القوة الصلبة وحدها، في الداخل عبر القمع وفي الخارج عبر الردع، أن تواصل حفظ استقرار النظام؟ أم إن وفاة علي خامنئي تخلق لحظة قد تعيد فيها القيادة الإيرانية النظر في الافتراضات الاستراتيجية التي وجهت البلاد لأكثر من جيل؟

في الوقت الراهن، تقيّد الإجابة حقائق الحرب المباشرة. فما دامت إيران منخرطة في صراع نشط مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سيظل الحيز السياسي لأي مراجعة استراتيجية محدودا للغاية. فظروف الحرب تميل إلى تعزيز نفوذ المؤسسات الأمنية وترسيخ سرديات المقاومة الوطنية. وأي قائد إيراني يظهر بمظهر الساعي إلى تسوية بينما تتعرض البلاد لهجوم سيواجه خطر اتهامه بتقويض السيادة. وقد أتاح هذا المناخ نفسه صعود مجتبى جزئيا، إذ فرضت الحاجة إلى هيكل قيادة موحد، والضغط لإظهار الاستمرارية، واستعداد المؤسسة الأمنية إلى إسكات الاعتراضات باسم الطوارئ.

أ.ف.ب
عناصر من "الحرس الثوري" الإيراني خلال عرض عسكري سنوي في العاصمة طهران إحياء لذكرى اندلاع الحرب العراقية - الايرانية، في 22 سبتمبر 2018

كذلك ينبغي فهم خلافته بوصفها استجابة للأزمة أكثر من كونها علامة ثقة. فلم يختر النظام مجتبى لأنه قدم بوضوح رؤية استراتيجية جديدة، بل اختاره لأنه مثل أقصر طريق إلى حفظ تسلسل القيادة والاستمرارية الأيديولوجية تحت النيران. وكان رفعه إلى المنصب أقل تعبيرا عن تتويج لمسار خلافة مفتوح، وأكثر تعبيرا عن تصلب في زمن الحرب لتفضيل كان قائما منذ زمن داخل القلب الأمني للنظام. وبهذا المعنى، لم تخلق الحرب ترشيحه، لكنها جعلت مقاومته أشد صعوبة.

يعزز الرمز الكامن في تعيينه هذا المعنى. ففي لحظة تعرض فيها النظام لهجوم عسكري مباشر، ومع انتشار توقعات واسعة بحدوث ارتباك داخلي، جاء إعلان اسم ابن الزعيم الراحل رسالة تحد. فهو يقول للخصوم إن الجمهورية الإسلامية لن تسمح للقوة الخارجية بفرض مسار التوريث من الداخل. ويقول للمؤيدين في الداخل إن خط السلطة لم ينقطع. ويقول للمترددين داخل النظام إن المؤسسة الأمنية حسمت خيارها. لكن الرموز التي تفيد في زمن الحرب قد تحمل كلفة لاحقا. فالخطوة التي توحي بالصلابة اليوم قد تفضي إلى مشكلات شرعية في المستقبل.

وقد تظهر هذه الكلفة عبر أكثر من مسار. فأوضحها المسار الأيديولوجي. إذ يبدو التوريث متعارضا مع السردية الثورية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية. ومع مرور الوقت، قد يعمق هذا التناقض حالة التشكك لدى مواطنين يساورهم أصلا شك عميق في الخطاب الرسمي. وقد يثير أيضا انزعاجا لدى شرائح من المؤسسة الدينية التي قبلت الانتقال تحت ضغط الحرب، لكنها لا ترى بالضرورة أن المنطق السلالي يصلح مبدأ مستداما للحكم. وقد يزيد كذلك من ترسخ الانطباع الخارجي بأن النظام صار أقل شبها بجمهورية ثورية، وأكثر شبها بنظام أمني يتدثر بلغة دينية.

أما الكلفة الثانية فهي سياسية. فقد أفادت ضبابية مجتبى ترشيحه داخل النخبة، لكنها تعني أيضا أنه يبدأ حكمه بهامش خطأ ضيق. فالقائد الذي يمتلك قاعدة جماهيرية راسخة يستطيع أحيانا امتصاص الانتكاسات بما راكمه من ثقة. ولا يملك مجتبى مثل هذا المخزون. وإذا سارت الحرب على نحو سيئ، أو تدهور الاقتصاد أكثر، أو بدأت أجنحة النخبة تتنافس بصورة أكثر علنية بعد انقضاء الطوارئ، فقد تتحول محدودية قاعدته الشعبية أو المؤسسية المستقلة خارج القلب الأمني إلى عبء.

أمضت الجمهورية الإسلامية قسما كبيرا من العقدين الماضيين في تشديد الضبط الأيديولوجي وتضييق الحيز السياسي للنقاش. وأي مقاربة جديدة ينبغي أن تقر بأن الاستقرار الطويل الأمد لا يمكن أن يقوم على القمع والمراقبة وحدهما

أما الكلفة الثالثة فهي استراتيجية. فبرفع شخصية ترتبط إلى هذا الحد بالوجه الأكثر تشددا في النظام، ربما يكون النظام قد قلص مرونته في لحظة يحتاج فيها إلى الخيارات أكثر من أي وقت مضى. وقد يثبت مجتبى، نظريا، أنه أكثر قابلية للتكيف مما يتوقعه كثيرون. وقد تكهن بعض المراقبين الإيرانيين والأجانب بأن قائدا يطمئن إلى دعم المتشددين قد يستخدم هذا الموقع يوما ما لإدارة إصلاح مضبوط أو تسوية تكتيكية من أعلى. لكن مثل هذه الآمال تظل افتراضية. أما المؤكد فهو أن صورته الحالية، التي تشكلت بفعل قربه من "الحرس الثوري"، وخلافته في زمن الحرب، ورمزية الاستمرارية السلالية، تجعل أي خطوة مبكرة نحو التهدئة أمرا بالغ الصعوبة سياسيا.

غير أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف. وإذا نجت الجمهورية الإسلامية من المواجهة الحالية، وهناك أسباب مؤسسية قوية ترجح ذلك، فقد تصبح المرحلة التي تلي صمت السلاح أكثر مراحل حكم مجتبى خامنئي المبكر حسما.

عندئذ سيواجه مجتبى، ومعه التحالف من المسؤولين الأمنيين ورجال الدين والشخصيات السياسية الذين دعموا خلافته، خيارا قد يرسم مستقبل الجمهورية الإسلامية. يمكنهم أن يمضوا في المسار نفسه الذي طبع ولاية علي خامنئي، وهو مسار تتمحور استراتيجيته حول الصلابة الأيديولوجية، والمواجهة مع القوى الغربية، والضبط الداخلي الصارم للمجتمع الإيراني. وسيحفظ هذا المسار الاستمرارية مع الماضي، ومن المرجح أن يعزز "الحرس الثوري" أكثر. كما ينسجم مع نزعات من يرون في الحرب دليلا على أن التسوية تغري الخصوم بالافتراس، وأن الانضباط الداخلي الأشد وحده يمنع الانهيار. لكنه يحمل كلفة كبيرة. إذ سيطيل دورة العقوبات والعزلة والمواجهات الدورية التي ميزت علاقة إيران بالعالم الخارجي. وسيعمق اعتماد الدولة على الإكراه. ومن المرجح أن يسرع تحول الجمهورية الإسلامية إلى نسخة أفقر، وأكثر أمننة، وأكثر هشاشة من نفسها.

أما البديل فسيكون أشد صعوبة، لكنه قد يحمل طابعا تحويليا. إذ يستطيع مجتبى خامنئي أن يحاول إعادة ابتكار النظام الذي يقوده الآن عبر تخفيف تدريجي للإطار العقائدي الذي حكم السياسة الإيرانية لعقود. ولا يعني هذا التحول بالضرورة التخلي عن مبادئ الجمهورية الإسلامية الأساسية. لكنه يتطلب إعادة التفكير في افتراض أن المواجهة مع الغرب حتمية، وأن الاعتراض الداخلي نتاج تلاعب خارجي دائما. ويعني القبول بأن البقاء على المدى البعيد قد يعتمد بدرجة أقل على تعبئة دائمة ضد الأعداء، وبدرجة أكبر على إعادة بناء علاقة قابلة للحياة بين الدولة والمجتمع.

لكن هذا المسار يقتضي أيضا علاقة مختلفة مع المجتمع الإيراني نفسه. فقد أمضت الجمهورية الإسلامية قسما كبيرا من العقدين الماضيين في تشديد الضبط الأيديولوجي وتضييق الحيز السياسي للنقاش. وأي مقاربة جديدة ينبغي أن تقر بأن الاستقرار الطويل الأمد لا يمكن أن يقوم على القمع والمراقبة وحدهما. وسيغدو الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الشفافية، وتهيئة بيئة سياسية أكثر مرونة، وإعادة معايرة العقد الاجتماعي للدولة، مكونات مرجحة لأي مسعى جاد لإعادة بناء الشرعية. ولن يكون شيء من ذلك سهلا. وسيصطدم كله بمصالح راسخة، ولا سيما داخل مؤسسات ازدادت قوة في ظل الحصار.

يبقى غير واضح ما إذا كان مجتبى خامنئي يرغب في سلوك هذا المسار أو يملك القدرة على ذلك. فسجله السياسي الشخصي يقدم إشارات قليلة إلى كيفية استجابته لهذه التحديات. وسيتوقف الكثير على ميزان القوى داخل المؤسسات التي تحيط به الآن، ولا سيما "الحرس الثوري" والشبكات الدينية التي لا تزال تمتلك أدوات للتأثير في النظام السياسي الإيراني. فإذا خلصت هذه المؤسسات إلى أن الحرب برهنت على صحة نموذج الأمن أولا، فقد يظل هامش إعادة المعايرة الاستراتيجية ضيقا. أما إذا قرر فاعلون أساسيون أن البقاء صار يتطلب نهجا أكثر تكيفا وأقل أيديولوجية، فقد يصبح مجتبى في نهاية المطاف واجهة لتعديل مضبوط، لا مجرد امتداد للاستمرارية.

قد يساعد قرار وضع مجتبى في السلطة الجمهورية الإسلامية على تجاوز صدمة الحرب المباشرة. بل قد يعزز حتى قدرة النظام على الصمود تحت الحصار

في الوقت الراهن، تشير الأدلة أكثر إلى التشدد لا إلى التحول. فالمنطق السياسي الذي أوصل مجتبى إلى السلطة هو منطق التماسك في زمن الحرب. والقوى المؤسسية التي تستند إليها سلطته تبلغ أقصى قوتها عندما تهيمن لغة المقاومة، وعندما يمكن إرجاء أسئلة الشرعية لصالح الضرورة. فحاجة النظام المباشرة ليست تخيل نظام جديد، بل البقاء داخل النظام القائم.

لكن البقاء ذاته قد يغير شروط النقاش في المستقبل. فإذا صمد النظام، لكنه خرج مثقلا بجراح عسكرية، واقتصاد أضعف، ومجتمع منهك، فقد يبدأ حتى المتشددون في الاختلاف حول مقدار المواجهة التي يستطيع النظام تحملها. وفي تلك البيئة، قد يجد الزعيم الذي اختير ليجسد الاستمرارية نفسه مشرفا على جدالات لا تستطيع الاستمرارية وحدها حسمها.

أ.ف.ب
إطلاق صاروخ خلال مناورة عسكرية لعناصر من "الحرس الثوري" والبحرية في مضيق هرمز، في 17 فبراير 2026

ما بات واضحا بالفعل أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة انتقالية لا تشبه أي مرحلة عاشتها منذ الثورة. فصعود مجتبى خامنئي يغلق أزمة التوريث الفورية ويؤكد الثقل الدائم للدولة الأمنية في النظام السياسي الإيراني. لكن الضغوط التي تواجه إيران الآن، من الحرب في الخارج إلى التململ في الداخل، تعني أن الاستمرارية وحدها قد لا تكفي لضمان مستقبل النظام.

حين تهدأ الحرب في نهاية المطاف، سيتعين على "المرشد الأعلى" الجديد وأنصاره أن يقرروا ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية تستطيع البقاء عبر السير في الطريق الذي رسمه علي خامنئي، أم إن الحفاظ على النظام سيتطلب شق مسار مختلف جذريا. وتلك هي المفارقة المركزية في صعود مجتبى خامنئي. فهو يصل إلى السلطة بصفته حارسا للاستمرارية في اللحظة نفسها التي قد تكون فيها الاستمرارية أقل كفاية. وهو يرث ليس منصب والده فقط، بل العبء المتراكم لفن حكم والده أيضا: جهازا أمنيا محصنا، وانعدام ثقة متجذرا بالغرب، واستراتيجية إقليمية متضررة لكنها لا تزال قادرة على الصمود، ومجتمعا يجمع بين الخوف والإرهاق وانعدام الاقتناع.

قد يساعد قرار وضعه في السلطة الجمهورية الإسلامية على تجاوز صدمة الحرب المباشرة. بل قد يعزز حتى قدرة النظام على الصمود تحت الحصار. لكن الصمود ليس تجديدا، والتماسك ليس تسوية. فعلى المدى القريب، يشير تعيين مجتبى إلى أن النظام ما زال قائما. أما على المدى الأبعد، فيطرح سؤالا أصعب: هل يستطيع نظام حافظ على نفسه عبر أن يصير أكثر سلالية، وأكثر عسكرة، وأشد ريبة من مجتمعه، أن يتكيف بما يكفي ليبقى في مرحلة ما بعد الحرب؟

font change

مقالات ذات صلة