من "وحدة الساحات" إلى "وحدة النيران"... كيف أعادت صواريخ طهران تعريف الهزيمة؟

التقدير الإسرائيلي الواقعي لم يعد يتحدث بلغة "الحسم المطلق"، بل بلغة "إدارة المخاطر وتقليل التهديدات"

رويترز
رويترز
يبرز ذيل صاروخ ضخم من حقل، في أعقاب وابل من الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل، وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، في مرتفعات الجولان المحتلة، 19 مارس 2026

من "وحدة الساحات" إلى "وحدة النيران"... كيف أعادت صواريخ طهران تعريف الهزيمة؟

رام الله- تكشف المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل وإيران عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع بين الطرفين، من حرب ظل طويلة الأمد تقوم على الاغتيالات والضربات المنضبطة والعمليات غير المعلنة، إلى مواجهة أكثر مباشرة واتساعا، تتداخل فيها القوة الجوية، والاختراق الاستخباراتي، والردع الصاروخي، والحسابات الإقليمية والدولية. غير أن اتساع هذه المواجهة لا يعني بالضرورة اقترابها من الحسم. بل قد يشير، على العكس، إلى دخولها مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تتقدم القدرات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية والأميركية في الميدان، فيما ينجح النظام الإيراني، حتى الآن، في منع ترجمة هذا التفوق إلى انهيار سياسي أو استراتيجي شامل.

وفي ست مقابلات أجرتها "المجلة" مع مسؤولين وخبراء استخباراتيين وعسكريين إسرائيليين وأردنيين سابقين، برزت صورة مركبة للحرب الحالية: تفوق جوي واستخباري إسرائيلي-أميركي واضح، واختراق عميق داخل إيران، وتآكل ملحوظ في بعض القدرات العسكرية الإيرانية، لكن من دون ضمان إسقاط النظام أو منعه من إعادة بناء نفسه لاحقا. بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى أن الضربات الحالية، بشكل متناقض، قد تنتهي إلى تقوية تماسك النظام الإيراني، وتعزيز قناعته بأن الضمانة النهائية لبقائه تكمن في امتلاك سلاح نووي، في وقت تبقى فيه إسرائيل معتمدة إلى حد بعيد على سقف الدعم الأميركي وحدود القرار السياسي للرئيس دونالد ترمب، المعروف بتقلباته واستعداده المفاجئ لإعلان "النصر" وإنهاء الحروب قبل استكمال أهدافها.

بهذا المعنى، لا تدور المعركة فقط حول ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تدمير مزيد من الأهداف داخل إيران، بل حول سؤال أكبر وهو هل يستطيع التفوق العسكري، مهما بلغ، أن يترجم إلى تغيير في سلوك النظام الإيراني أو إسقاطه، أم إن الحرب قد تنتهي إلى نتيجة عكسية، تترك إيران أكثر تصميما على التسلح النووي، وتدفع المنطقة إلى إعادة اصطفاف أمني جديد من دون أن تُنهي أصل التهديد؟

العميد عامر السوالقة، الضابط السابق البارز في جهاز المخابرات العامة الأردنية، قال لـ"المجلة" إن الضربة الأولى التي استهدفت إيران صباح 28 فبراير/شباط شكّلت "ضربة استخبارية مؤلمة"، وكشفت عن مستوى عميق من الاختراق الاستخباري داخل إيران، يُقدّر أنه يفوق في تأثيره ما ظهر خلال حرب يونيو/حزيران 2025. ويبدو، وفق تقديره، أن الاختراق الاستخباري الإسرائيلي-الأميركي لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يؤدي دورا حاسما في توجيه العمليات والتحكم في مسارها، بما يمنح تل أبيب وواشنطن قدرة أكبر على اختيار الأهداف وإدارة إيقاع المواجهة.

من أبرز ما تكشفه الحرب الحالية أن مستوى التعاون العملياتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تجاوز نمط الدعم العسكري التقليدي إلى مستوى إدارة معركة مشتركة

من جهته يرى العقيد ديفيد خاخام، المدير السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، في حديثه لـ"المجلة" أن المواجهة الحالية تكشف عن مستوى متقدم من القدرة العملياتية والتخطيط المتقن والتنسيق العسكري المعقد لدى سلاح الجو الإسرائيلي، الذي ينفذ طلعات جوية بعيدة المدى تصل إلى نحو ألفي كيلومتر داخل العمق الإيراني، مع الاعتماد على التزود بالوقود جوا فوق أجواء دول لا تزال تُصنف رسميا بالعداء لإسرائيل. وبحسب خاخام، لم يكن هذا الإنجاز مجرد نتاج لكفاءة جوية بحتة، بل نتيجة لمنظومة متكاملة من التخطيط العملياتي الدقيق، والاستخبارات الفعالة، والتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة.

أ ف ب
يلوح المتظاهرون بالأعلام الوطنية الإيرانية أثناء تجمعهم في مسيرة لدعم "المرشد" الجديد في ساحة انقلاب بوسط طهران في 9 مارس 2026

ويذهب خاخام إلى حد القول إن الضربات الإسرائيلية نجحت في تحويل الأجواء الإيرانية عمليا إلى ما يشبه "سماء مفتوحة" أمام الطيران الإسرائيلي، بعد تقويض جزء كبير من منظومات الدفاع الجوي الإيراني والحد بشكل كبير من قدرة سلاح الجو الإيراني على العمل بحرية داخل مجاله الجوي، لذلك فإن إسرائيل لم تحقق فقط اختراقا ناريا داخل العمق الإيراني، بل فرضت نمطا جديدا من التفوق الجوي يُتيح لها العمل على مسافات بعيدة وبدرجة عالية من الحرية العملياتية.

رامي إغرا، ضابط العمليات الخارجية البارز في جهاز "الموساد" سابقا، يفسر هذا التفوق في حديثه لـ"المجلة" من زاوية أخرى، بالقول إن السبب لا يكمن فقط في كفاءة الاستخبارات الإسرائيلية، بل أيضا في خطأ استراتيجي إيراني طويل الأمد، يتمثل في عدم تطوير سلاح جوي فعال وعدم بناء منظومة دفاع جوي موثوقة، فإيران، بحسب إغرا، اعتمدت أساسا على الصواريخ والقدرات الباليستية بوصفها ركيزة الردع الأساسية، لكنها تركت نفسها مكشوفة أمام التفوق الجوي الإسرائيلي والأميركي، مما سهل تحقيق هذا الاختراق. ويضيف إغرا أن إيران، بوصفها دولة تعاني ضغوطا اقتصادية كبيرة وعقوبات قاسية، وفي ظل وجود قطاعات اجتماعية ناقمة على النظام، تشكل بيئة أكثر قابلية للاختراق الاستخباري. وبحسب تقديره، فإن تجنيد العملاء داخل إيران، سواء لأغراض جمع المعلومات أو تنفيذ العمليات، ليس معجزة، بل نتيجة مباشرة لظروف داخلية مواتية وعمل استخباري منهجي ومستمر.

تنسيق أميركي-إسرائيلي غير مسبوق

ومن أبرز ما تكشفه الحرب الحالية، وفق خاخام، هو أن مستوى التعاون العملياتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تجاوز نمط الدعم العسكري التقليدي إلى مستوى إدارة معركة مشتركة، فعدد من كبار قادة سلاح الجو الإسرائيلي يوجدون، بحسب قوله، داخل مراكز إدارة العمليات الجوية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى في المنطقة، بهدف ضمان أعلى درجات التنسيق ومنع أي تداخل في مناطق العمليات بين القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية، وفي المقابل توجد طواقم عسكرية أميركية داخل إسرائيل للمشاركة في إدارة العمليات وتبادل المعلومات في الوقت الحقيقي.

تغيير النظام يحتاج إلى حركة شعبية واسعة، وقيادة محلية تتبعها هذه الحركة، وقدرة تسليح تحول الاحتجاج إلى صراع مسلح مع النظام

هذه الصورة تعني أن الحرب لم تعد مجرد حملة إسرائيلية مدعومة أميركيا، بل عملية مشتركة بدرجات متفاوتة من التخطيط والتكامل. وهذه سابقة مهمة في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين، إذ كانت واشنطن في الحروب السابقة توفر المظلة السياسية والدعم اللوجستي والذخيرة وأنظمة الاعتراض، لكنها لم تنخرط بهذا المستوى من التنسيق الميداني المباشر. غير أن هذا الانخراط الأميركي، وإن عزز القدرات العملياتية الإسرائيلية، لا يبدد الشكوك بشأن السقف السياسي للحرب. فعدد من الخبراء الذين تحدثوا إلى "المجلة" أشاروا بوضوح إلى أن إسرائيل، مهما بلغ تقدمها العملياتي، تظل مقيدة بقرار دونالد ترمب، الذي سبق أن أوقف بشكل مفاجئ حرب يونيو/حزيران 2025 وأمر المقاتلات الإسرائيلية، وهي في طريقها إلى إيران، بالعودة إلى قواعدها. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالتعاون الأميركي-الإسرائيلي هو في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر قيد، إذ إنه يمنح إسرائيل قدرة أكبر على العمل، لكنه يجعل استمرار الحرب أو وقفها مرهونا بحسابات سياسية أميركية قد لا تتطابق مع التقدير الإسرائيلي للأهداف المطلوبة وموعد استكمالها.

ويرى الجنرال غيورا آيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، في حديثه لـ''المجلة'' أن النظام الإيراني يعتبر الحرب الحالية ليست حملة عسكرية عابرة، بل هي حرب على بقاء النظام السياسي نفسه وعلى البقاء الشخصي لعدد من أركانه، ولهذا السبب، لا يتصرف النظام بمنطق الدولة التي تبحث عن تسوية سريعة، بل بمنطق سلطة ترى أن الاستسلام يساوي نهايتها. وبحسب آيلاند، فإن هذا الإدراك يمنح النظام الإيراني قدرة عالية على امتصاص الخسائر، فحتى لو دُمرت أجزاء من سلاح الجو والبحرية، وبعض المنشآت والبنية التحتية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة اقترابه من الانهيار، لأن السيطرة على الدولة لا تحتاج في اللحظة الراهنة إلى سلاح جو كامل بقدر ما تحتاج إلى قوات برية وأجهزة أمن وشرطة موالية تستطيع فرض الهيمنة على مجتمع أعزل نسبيا.

ومن هنا، يبني النظام روايته الأساسية (إذا بقينا، نكون قد انتصرنا)، وهي رواية، في نظر آيلاند، ليست خالية من المنطق، فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تملكان حتى الآن إجابة عسكرية فعالة تضمن ترجمة التدمير العسكري إلى انهيار سياسي للنظام، خاصة في ظل غياب معارضة داخلية مسلحة قادرة على استثمار هذا الضعف، أو استعداد أميركا لغزو بري لإيران.

رامي إغرا، الضابط السابق في "الموساد"، يذهب في الاتجاه نفسه في حديثه لـ"المجلة"، فهو لا يعتقد أن النظام الإيراني سينهار، لأن تغيير النظام يحتاج، في رأيه، إلى ثلاثة عناصر غير موجودة في إيران اليوم: حركة شعبية واسعة، وقيادة محلية تتبعها هذه الحركة، وقدرة تسليح تحول الاحتجاج إلى صراع مسلح مع النظام. ومن دون هذه العناصر، فإن الضربات الخارجية وحدها لن تكون كافية لإسقاطه.

الحرب الحالية لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُدمّر، بل أيضا بمن ينجح في فرض توقيته السياسي والاستراتيجي على الآخر

ويعتقد إغرا أن بعض القرارات الإسرائيلية قد تكون أخطأت في قراءة طبيعة النظام الإيراني، فهو يعتبر أن التفكير في اغتيال علي خامنئي أو التعامل معه باعتباره رأسا سياسيا وحيدا يمكن أن يؤدي استهدافه إلى انهيار النظام، هو تقدير مضلل، فخامنئي، في رأيه، ليس مجرد زعيم سياسي، بل قائد ديني لقطاع واسع من الشيعة في العالم، وقتله قد يُنتج أثرا عكسيا رمزيا وسياسيا، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى نهاية النظام.

(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدى وصوله إلى ولاية فلوريدا، 29 ديسمبر 2025

لماذا لا يبدو إسقاط النظام هدفا قريب المنال؟

المعضلة المركزية، وفق آيلاند، هي غياب القوة الداخلية القادرة على الانقضاض على النظام من الداخل، فالحل العسكري الفعال الوحيد من وجهة نظره كان يمكن أن يتمثل في وجود قوات برية، سواء أميركية أو إيرانية منشقة أو مجموعات مسلحة محلية، قادرة على استثمار الضربات الجوية، لكن هذا السيناريو يبدو بعيدا، فالأميركيون، لأسباب واضحة، لا يريدون إرسال قوات برية إلى إيران، كما أن محاولات الدفع نحو انشقاقات داخل الجيش النظامي الإيراني لم تؤتِ ثمارها حتى الآن، ولم تظهر مؤشرات على استعداد وحدات أو تشكيلات عسكرية كبيرة للتمرد. أما الرهان على الميليشيات الإثنية، ولا سيما الكردية الموجودة في العراق، فهو محفوف بتعقيدات إقليمية كبرى، لأن بغداد وأنقرة لا ترغبان في فتح هذا الباب، بما قد يرتبه من ارتدادات على الملف الكردي لديهما. وفي حال غياب هذه العناصر، فإن أقصى ما تستطيع الحرب إنتاجه، حتى الآن، هو إضعاف القدرات، لا إسقاط النظام، وهذا ما يفسر سبب بقاء النقاش الإسرائيلي نفسه منقسما بين من يرى أن الحرب يجب أن تُستثمر لتدمير أكبر قدر ممكن من القدرات النووية والباليستية، ومن يحذر من رفع سقف الأهداف إلى مستوى تغيير النظام من دون توافر أدوات حقيقية لتحقيق ذلك.

"إسرائيل تريد إسقاط النظام، وربما تعتقد أن قتل قادة النظام قد يؤدي إلى انهياره. لكن يجب أن نفهم أن إيران ليست ألمانيا النازية، ففي ألمانيا كان من الواضح أنه عندما قُتل هتلر، كانت تلك نهاية النظام النازي. أما في إيران، فالوضع مختلف. نحن نتحدث عن نظام مستقر منذ 47 عاما. خامنئي ليس قائد الثورة، بل خليفتها، وهناك كثيرون آخرون يمكن أن يخلفوه. لذلك، فإن اغتيال خامنئي مهم وله دلالة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية النظام"، حسبما قال آيلاند لـ"المجلة".

حين يصبح "الاستنزاف" السلاح الوحيد المتبقي لطهران

إحدى أهم النقاط التي تكررت في شهادات الخبراء الإسرائيليين الذين تحدثوا لـ"المجلة" هي أن إيران والولايات المتحدة تنظران إلى عامل الزمن بشكل متناقض تماما، فبحسب رامي إغرا، ترغب إيران في حرب طويلة، لأن حرب الاستنزاف تخدمها أكثر مما تخدم إسرائيل، وهي من هذا المنظور ليست في عجلة من أمرها، بل قد ترى في إطالة أمد الحرب وسيلة لتآكل خصومها وخلق ضغوط اقتصادية دولية عبر أسعار النفط واضطراب الأسواق. ويستند هذا التقدير إلى تصور أعمق لطبيعة النظام الإيراني، الذي يرى إغرا وآيلاند معا أنه أكثر استعدادا لتحمل الخسائر البشرية والاقتصادية من خصومه الغربيين، بل ومن إسرائيل نفسها، "فالأنظمة العقائدية، وخصوصا تلك التي تخوض حربا على بقائها، يمكن أن تتقبل أثمانا باهظة طالما أنها تعتقد أن البديل هو الانهيار. يمكنهم أن يديروا هذه الحرب لمدة ثماني سنوات كما فعلوا في الحرب مع العراق، وهم لا يهتمون كثيرا بالخسائر البشرية، إذ خلفت حربهم مع العراق نحو مليون قتيل"، يقول إغرا.

في المقابل، تفضل الولايات المتحدة حربا قصيرة يمكن فيها إعلان "الانتصار" سياسيا ثم التوجه إلى التفاوض، وهنا يظهر مجددا عامل دونالد ترمب، حيث لا يستبعد إغرا أن يعلن ترمب النصر قريبا، ثم يسعى إلى إنهاء الحرب والعودة إلى مسار تفاوضي مع طهران. وإذا حدث ذلك، فإن قدرة إسرائيل على مواصلة الحرب منفردة ستكون موضع شك كبير، لا سيما إذا كانت واشنطن قد أوضحت للإيرانيين أنها لن تستمر في التصعيد. هذا التناقض في حسابات الزمن يعني أن الحرب الحالية لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُدمّر، بل أيضا بمن ينجح في فرض توقيته السياسي والاستراتيجي على الآخر.

ضرب الأهداف المرتبطة بالنظام، بما فيها الممتلكات والمباني والمنشآت المدنية أو شبه المدنية، قد لا يصيب جوهر القوة الصلبة للنظام بقدر ما يدفع المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حوله

ولا خلاف بين الخبراء الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين الذين تحدثوا لـ"المجلة" على أن الحرب الحالية ألحقت أضرارا كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكن الخلاف يدور حول مدى نهائية هذا الضرر، فآيلاند وإغرا والعميد يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، يتفقون على أن منشآت التخصيب والقدرات الباليستية تعرضت لضربات قوية، لكنهم يشددون أيضا على أن ذلك لا يعني انتهاء التهديد، فإيران، بحسب التقديرات الإسرائيلية نفسها، ما تزال تملك نحو 440 إلى 460 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهي كمية تكفي نظريا لصنع عدة قنابل نووية. والأخطر، كما يشير خاخام، أن موقع هذه المواد قد يكون معلوما لعدد محدود جدا من المسؤولين الإيرانيين، وأن تصفية بعضهم قد يجعل العثور عليها أكثر صعوبة. لذلك، تدرس القيادة العسكرية الإسرائيلية سيناريوهات تتضمن احتمال تنفيذ عمليات خاصة داخل الأراضي الإيرانية بواسطة وحدات كوماندوز للبحث عن هذه المواد وتأمينها.

وبالمثل، فإن توجيه ضربات كبيرة للقدرات الباليستية لا يعني بالضرورة عجز إيران عن إعادة البناء لاحقا، كما فعلت في مراحل سابقة، لذا فإن الحديث عن "تدمير البرنامج" أو "إنهاء التهديد" يبقى، في هذه المرحلة، أقرب إلى المبالغة منه إلى الوصف الدقيق.

ويقول العميد يوسي كوبرفاسر لـ"المجلة": "نحن نسير على الطريق الصحيح، ولكن بشكل تدريجي وبطيء، ففي كل ما يتعلق بإضعاف قدرات النظام الإيراني على التسلح وتهديد الآخرين عسكريا والبقاء في السلطة، حققنا تقدما ملحوظا". ويضيف: "قد تستمر هذه الحرب لبضعة أشهر، أو ربما لفترة طويلة، أو قد ينسحب ترمب ويعلن النصر ويقول إن الحرب انتهت في أي وقت يريده، لذلك علينا أن نستفيد من كل يوم لإضعاف قدرات النظام الإيراني، سواء في تهديد الآخرين أو في البقاء في السلطة".

ويرى أن الحرب الحالية تختلف عما حدث في مواجهة يونيو 2025، ففي تلك العمليات، كان التركيز على القدرات النووية وعلى مجال الصواريخ الباليستية، ولم يكن الهدف تهديد النظام نفسه... "كنا حذرين جدا من استهداف مواقع النظام، وربما استهدفنا بعض المسؤولين العسكريين الكبار، لكن ليس البنية الوطنية للنظام. أما هذه المرة، فالأمر مختلف منذ البداية".

ومن أكثر النقاط إثارة في التقديرات الإسرائيلية الواردة في هذه المقابلات أن بعض أصحابها لا يرون في الحرب الحالية مسارا مضمونا لإضعاف النظام، بل ربما العكس، فإغرا يرى أن ضرب الأهداف المرتبطة بالنظام، بما فيها الممتلكات والمباني والمنشآت المدنية أو شبه المدنية، قد لا يصيب جوهر القوة الصلبة للنظام بقدر ما يدفع المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حوله، وتتكرّر هذه الفكرة أيضا في حديث كوبرفاسر، وإن من زاوية أخرى، فهو يقر بأن النظام لم يُضعف سياسيا كما كان مأمولا، وأن الشعب الإيراني قد يصير أكثر وطنية حين يشعر أن بلاده تُقصف وتُدمَّر من الخارج. وبذلك فإن الضربات التي تستهدف إضعاف قبضة النظام قد تؤدي عمليا إلى تجديد شرعيته المؤقتة بوصفه عنوان الصمود في وجه القوى العظمى.

ما يحدث في المنطقة ليس حربا تقليدية بين جيشين، بل صراع مركّب بين دول وقوى غير نظامية وتحالفات إقليمية ودولية، ما يجعل خطر التوسع غير المقصود قائما في كل لحظة

ويقول إغرا لـ"لمجلة"، أنه "قد تأتي نتيجة هذا الصراع عكس ما كان مقصودا، فالقائد الجديد، مجتبى خامنئي، قد يكون أكثر تشددا من السابق، والشعب الإيراني أصبح أكثر وطنية مما كان عليه من قبل، والنظام الإيراني بات يفهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن الضمانة الوحيدة لأمنه في المستقبل هي امتلاك سلاح نووي، وربما يسعى الآن بأقصى سرعة لامتلاك هذا السلاح".

كما ومن المفارقات أن ترمب ونتنياهو قد يصبحان فعليا من صانعي "إيران النووية" لأنهُما من قوضا الاتفاق النووي الذي كان قائما في عهد باراك أوباما، مما دفع الإيرانيين إلى رفع مستوى التخصيب إلى مستويات عالية وإنتاج تلك الكمية الكبيرة من اليورانيوم المخصب. وقد حدث ذلك لأن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق، وبذلك خلقوا حافزا قويا لهذا النظام المتشدد لبناء قنبلة نووية. وفي النهاية، لن يكون هناك حلٌّ سوى اتفاق جديد، وسيكون هذا الاتفاق دائما سيئا بالنسبة لإسرائيل.

ومن الثابت في تقديرات عدد من المتحدثين أن إيران سعت إلى توسيع نطاق الحرب إقليميا عبر استهداف دول الخليج، بل وحتى توجيه رسائل أو ضربات طالت ساحات لم تكن متوقعة بالكامل، مثل أذربيجان. ومن جانبه، يحذر خاخام من احتمال انخراط الحوثيين وإغلاق مضيق باب المندب، مما يهدد أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم.

أما اللواء المتقاعد بسام فريحات، قائد الدفاع الجوي الملكي الأردني السابق، فيضع كل هذا في إطار أوسع، معتبرا أن ما يحدث في المنطقة ليس حربا تقليدية بين جيشين، بل صراع مركّب بين دول وقوى غير نظامية وتحالفات إقليمية ودولية، ما يجعل خطر التوسع غير المقصود قائما في كل لحظة. ويشير فريحات إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل بالاقتصاد والإعلام، والحرب السيبرانية والطائرات المُسيَّرة والتحالفات، وهذا يتطلب أن تُقرأ المواجهة الحالية بشكل أوسع من مجرد متابعة الضربات اليومية، لأن المعركة تدور أحيانا على شاشات الرادار بقدر ما تدور في الميدان. وأنه يجب التمييز بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي، إذ قد يحقق طرف تقدما في الميدان لكنه لا يحقق أهدافه السياسية، أو العكس.

ويشير كوبرفاسر إلى أن هذه الحرب كشفت تراجع التعاطف الشعبي العربي، وخصوصا الفلسطيني والأردني، مع إيران مقارنة بما ربما كانت تراهن عليه طهران، إذ يشير إلى غياب مشاهد التأييد الشعبي الواسع في الساحات الفلسطينية والأردنية، ويربط ذلك بتنامي الإدراك الإقليمي بأن إيران لا تعمل من أجل مساعدة دول وشعوب المنطقة بقدر ما تعمل لخدمة مشروعها النووي ونفوذها الإقليمي، حيث تراهن إسرائيل على أن سلوك إيران الإقليمي أصبح أكثر تكلفة على صورتها في المنطقة، لا سيما حين تقترن حربها بخطر التوسع، وتهديد الممرات الحيوية، واستهداف دول عربية، ودفع المنطقة بأسرها إلى حافة اضطراب أوسع.

سيناريوهات النصر والهزيمة

يرى آيلاند أربعة سيناريوهات لمسار الحرب الحالية: الأول- والأسوأ من وجهة نظر إسرائيل- هو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة. أما السيناريو الثاني، السيء أيضا، فهو أن تنهي الولايات المتحدة الحرب من جانب واحد من دون اتفاق مُرضٍ لإسرائيل، ما يتركها وحدها في مواجهة إيران. فيما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر منطقية، في إنهاء الحرب بعد إلحاق ضرر كبير ومستدام بالقدرات الإيرانية، ولا سيما الصواريخ الباليستية ومنشآت التخزين والإنتاج والدفاعات الجوية، بما يؤخر الخطر المباشر لسنوات. أما السيناريو الرابع، وهو الأفضل إسرائيليا، فهو سقوط النظام الإيراني. لكن آيلاند نفسه يشكك في إمكان تحقيقه على المدى القصير، حيث يتفق معه كوبرفاسر الذي قال لـ"المجلة": "فرص تغيير النظام في الوقت الحالي ليست كبيرة، لكنها ليست مستحيلة تماما".

وتكشف هذه السيناريوهات أن التقدير الإسرائيلي الواقعي لم يعد يتحدث بلغة "الحسم المطلق"، بل بلغة "إدارة المخاطر وتقليل التهديدات"، فحتى في أكثر الصيغ تفاؤلا، قد لا تكون النتيجة النهائية "الانتصار" بمفهومه الكلاسيكي، بل مجرد تحسين كبير في البيئة الأمنية وتأجيل بعض المخاطر.

font change

مقالات ذات صلة