رام الله- تكشف المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل وإيران عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع بين الطرفين، من حرب ظل طويلة الأمد تقوم على الاغتيالات والضربات المنضبطة والعمليات غير المعلنة، إلى مواجهة أكثر مباشرة واتساعا، تتداخل فيها القوة الجوية، والاختراق الاستخباراتي، والردع الصاروخي، والحسابات الإقليمية والدولية. غير أن اتساع هذه المواجهة لا يعني بالضرورة اقترابها من الحسم. بل قد يشير، على العكس، إلى دخولها مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تتقدم القدرات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية والأميركية في الميدان، فيما ينجح النظام الإيراني، حتى الآن، في منع ترجمة هذا التفوق إلى انهيار سياسي أو استراتيجي شامل.
وفي ست مقابلات أجرتها "المجلة" مع مسؤولين وخبراء استخباراتيين وعسكريين إسرائيليين وأردنيين سابقين، برزت صورة مركبة للحرب الحالية: تفوق جوي واستخباري إسرائيلي-أميركي واضح، واختراق عميق داخل إيران، وتآكل ملحوظ في بعض القدرات العسكرية الإيرانية، لكن من دون ضمان إسقاط النظام أو منعه من إعادة بناء نفسه لاحقا. بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى أن الضربات الحالية، بشكل متناقض، قد تنتهي إلى تقوية تماسك النظام الإيراني، وتعزيز قناعته بأن الضمانة النهائية لبقائه تكمن في امتلاك سلاح نووي، في وقت تبقى فيه إسرائيل معتمدة إلى حد بعيد على سقف الدعم الأميركي وحدود القرار السياسي للرئيس دونالد ترمب، المعروف بتقلباته واستعداده المفاجئ لإعلان "النصر" وإنهاء الحروب قبل استكمال أهدافها.
بهذا المعنى، لا تدور المعركة فقط حول ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تدمير مزيد من الأهداف داخل إيران، بل حول سؤال أكبر وهو هل يستطيع التفوق العسكري، مهما بلغ، أن يترجم إلى تغيير في سلوك النظام الإيراني أو إسقاطه، أم إن الحرب قد تنتهي إلى نتيجة عكسية، تترك إيران أكثر تصميما على التسلح النووي، وتدفع المنطقة إلى إعادة اصطفاف أمني جديد من دون أن تُنهي أصل التهديد؟
العميد عامر السوالقة، الضابط السابق البارز في جهاز المخابرات العامة الأردنية، قال لـ"المجلة" إن الضربة الأولى التي استهدفت إيران صباح 28 فبراير/شباط شكّلت "ضربة استخبارية مؤلمة"، وكشفت عن مستوى عميق من الاختراق الاستخباري داخل إيران، يُقدّر أنه يفوق في تأثيره ما ظهر خلال حرب يونيو/حزيران 2025. ويبدو، وفق تقديره، أن الاختراق الاستخباري الإسرائيلي-الأميركي لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يؤدي دورا حاسما في توجيه العمليات والتحكم في مسارها، بما يمنح تل أبيب وواشنطن قدرة أكبر على اختيار الأهداف وإدارة إيقاع المواجهة.

