بيروت الشبحية... حياة يومية بين الخراب والملاذ

لم يعد هناك مكان لطائر الفينيق

MAHMOUD ZAYYAT / AFP
MAHMOUD ZAYYAT / AFP
عناصر من الدفاع المدني يتجمعون حول مركبة مدمرة جراء قصف إسرائيلي في مدينة صيدا، 18 مارس 2026

بيروت الشبحية... حياة يومية بين الخراب والملاذ

اذا كان من تعبير متداول منذ عشرات السنوات حتى اليوم يمكن اعتباره مملا ومنفرا على السواء، فهو تشبيه لبنان بطائر الفينيق المتلألئ بالأحمر والذهبي، الذي، كما تروي الأساطير، يعيش لآلاف السنين، ثم يحترق في نهاية حياته ليولد من رماده من جديد. وقد جرى استحضار هذا الطائر صحافيا وشعريا وتشكيليا مئات المرات، واستغلت قصته دون ملل في سياق الحديث عن استمرار الحركة الفنية وسط الدمار والأزمات.

صحيح أن بيروت تشهد اليوم افتتاح معارض فنية متنوعة وسط اندلاع الحرب الإقليمية، لكنها افتتاحات محدودة وغير معلنة على نطاق واسع كما في السابق. كما أن طائر الفينيق بريء هذه المرة كما في كل مرة مما يجري على ساحاتها الفنية، إذ طوى جناحيه وغادر مبكرا، تفاديا لاستدعائه مجددا.

بيروت صوتا وصورة

بيروت أصبحت اليوم كيد مكشوفة ومبسوطة ومفرودة الأصابع، تتأرجح وتتماسك في عدم مقلق يلف المنطقة بأسرها، وباتت تتلقى روائح كبريتية خانقة تصلها من الحرائق المتناثرة في أطرافها وفي بعض أحيائها جراء القصف، كما صارت تستقبل الجراح كمن يستقبل زائرين على مضض عميقا في المسام. يد عملاقة تحمل اليوم ثقل تيارات حادة وغير مرئية، منها أزيز طائرات حربية، لا يمكن لأحد اعتراضها أو حتى اسكاتها، تمزق السماء متخذة بحرية فاقعة وجهات معروفة، ومنها طنين مستمر للمسيرات، يشتد حينا ويخفت حينا آخر، ثم يعود ويتكرر ليتكاثر ويتشعب، حتى يكتسب خاصية وجودية اكتسحت جميع مرافق المدينة وكل ما يسكنها من بشر وحجر.

تحيلنا هذه الحالة السمعية والبصرية على السواء إلى فكرتين أساسيتين. الأولى يمكن فهمها من خلال العودة، وإن باقتضاب، إلى فيلم "القيامة الآن" الذي أنتج سنة 1979 للمخرج فرانسيس فورد كوبولا. افتتح الفيلم بمشهد شهير يظهر فيه الكابتن ويلارد مستلقيا في غرفة فندق في سايغون الفيتنامية، بينما تواصل مروحة السقف دورانها فوقه بلا توقف. يمتزج صوت المروحة ودورانها الرتيب مع همهمة شفرات المروحيات، فيخلق جوا غريبا، شبه مخدر، مليء بتوتر أبكم. يعكس الدوران المستمر للمروحة طوال المشهد، التوتر الداخلي لشخصية بطل الفيلم، ويترك انطباعا عنده كما عند المشاهد بأن الحرب لا تتوقف أبدا، حتى وإن غاب ميدان القتال عن الأنظار.

طنين يشتد حينا ويخفت حينا آخر، ثم يعود ويتكرر ليتكاثر ويتشعب، حتى يكتسب خاصية وجودية اكتسحت جميع مرافق المدينة

من السهل إسقاط هذا المشهد على بيروت اليوم، حيث تستمر المعارض الفنية رغم التوتر الكبير والمخاطر المحيطة. وهذا الضجيج الداخلي الرتيب، الذي يشبه صوت المروحة في الفيلم، ليس بعيدا عن طنين المسيرات التي تنتشر في آفاق المدينة طولا وعرضا، متسببة باتساع ميدان الهجمات المتتالية ليشمل ادراكنا ويطول مشاعرنا. وكما حصل مع بطل الفيلم، تسللت الشكوك إلى نفوسنا وتدفق القلق، وبتنا بمهارة عالية نبتكر في عقولنا ملاذا يحفظ سلامتنا العقلية، واستمرارية للحياة وسط الفوضى. حياة تتغذى على الانضباط، والحياد، والتركيز على انشغالاتنا اليومية فقط لأننا اصبنا بشيء من تبلد المشاعر. وهنا تحديدا يبرز سؤال: إلى متى يمكن بيروت أن تتمسك بهذا الملاذ الداخلي الهش أمام تتالي ضروب الحروب المتنوعة؟

أنا لست روبوتا

أما الفكرة الثانية التي يأخذنا اليها تعاملنا مع هذه الحالة السمعية والبصرية وكأنها حالة روتينية، فتتجلى أبعادها في هذا التعبير: "أنا لست روبوتا". عندما نقرأ "أنا لست روبوتا" على موقع إلكتروني، فهذا جزء من إجراء أمني يضمن استخدام الموقع بطريقة آمنة ويساعد في منع الأنظمة الآلية من جمع البيانات أو تنفيذ أنشطة ضارة أخرى. باختصار، هي وسيلة للتأكيد: "أنا إنسان حقيقي، ولست روبوتا". يمكن إسقاط هذا التحقق البسيط من الهوية البشرية وبشكل مجازي على حياتنا اليومية في هذه الفترة العصيبة، حيث يتصرف الناس أحيانا كثيرة "أوتوماتيكيا" رغم امتلاكهم الوعي والحرية.

وإذا كانت الآلة جهازا يعمل ذاتيا لتنفيذ سلسلة محددة مسبقا من الأفعال دون تفكير أو مقاومة، فالعديد من تصرفاتنا اليومية تتبع السياق نفسه: نكرر المهام، ونتبع الروتين، ونستجيب للتحديات تلقائيا دون مشاعر ملحوظة ودون الكثير من التفكير.

JALAA MAREY / AFP
مروحية هجومية من طراز "أباتشي" تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تطلق صواريخ قرب الحدود بين شمال إسرائيل وجنوب لبنان، 18 مارس 2026

في البيئات المتوترة مثل بيروت، يصبح هذا السلوك "الآلي" استراتيجيا للبقاء على قيد الحياة، إذ يجب على الناس التصرف بسرعة، وضبط عواطفهم، والحفاظ على الأداء الوظيفي حتى تحت ضغط طويل الأمد. ينسحب هذا الوصف على الحياة الثقافية التي هي الأكثر إفصاحا عن أحوال البلد وأهله ومزاجهما. وهي اليوم، وتحت عنوان الاستراتيجيا الدفاعية، تتحول من حالة الاحتفال بالمنجزات الفنية إلى ورشة هادئة لصون الاستمرارية عبر تنظيم معارض بشكل روتيني تمر بشكل شبه لامرئي.

 DIMITAR DILKOFF / AFP
امرأة نازحة تجلس قرب خيمتها في مخيم غير رسمي، الواجهة البحرية في بيروت، 22 مارس 2026

وتحيلنا هذه الكلمات إلى ما لاحظته الفيلسوفة حنة آرندت حين اعتبرت أن الثقافة الإنسانية أو السياق الإنساني الطبيعي يدعوان إلى الحفاظ على عالم مشترك يوفر الحد الأدنى من الاستقرار والانتماء،  لا سيما في أحلك أوقات الخطر. أن تجد نفسك داخلا إلى متجر لتبتاع الخضر، أو ذاهبا للتأمل في أعمال فنية، أو أن تعقد النية للكتابة عنها، هي أفعال تشترك في نقاطها الحيوية للحفاظ على هذا "الحد الأدنى" من الاستقرار ليتحقق ما نود أن نسميه "مفارقة البقاء".

هذا السلوك "الآلي" هو استراتيجيا للبقاء على قيد الحياة، إذ يجب على الناس التصرف بسرعة، وضبط عواطفهم

 مجددا نعود إلى حنة أرندت، ولكن هذه المرة لنتفكر في نزعة النأي بالنفس المنتشرة كالنار في الهشيم في المجتمع اللباني،.فقد نبهت أرندت الى أنه عندما ينفصل الإنسان عن العواقب الإنسانية للعنف، وتصبح المآسي العظمى مألوفة وطبيعية، سيزداد الشعور بالغربة عن الأشياء التي نحبها، وسنتجه إلى الغرق في قلق خفي يكتنف كل لحظة، كأن العالم كله يغطيه حجاب من التوتر المستمر.

استغرق الأمر أعواما عديدة، بعد الانتهاء المزعوم للحرب اللبنانية، حتى أدرك أن ما كنت أقوم به دوما بحركات آلية سريعة عند اشتداد القصف، وهو تنظيف المنزل حتى لو كان نظيفا، وإعادة ترتيبه وإن كان لا يحتاج إلى ذلك، لم يكن مجرد بحث عن نظام جديد من الترتيب والنظافة، بل كان دفاعا، ومحاولة للسيطرة على شيء ما أستطيع التحكم به وسط عالم خارجي مهدد وخارج عن السيطرة. منذ بضع سنوات قليلة، دفعتني رؤية عمل تسجيلي فني تحت عنوان "خفة الأفق" للفنانة السورية رندا مداح إلى أن أتيقن أن الإلحاح على تنظيم بيتي في أشد فترات الحرب قسوة، لم يكن سوى آلية دفاعية ضد اضطرابات الحياة التي لا يمكن احتواؤها. وصف آنذاك البيان الصحافي العمل الفني بهذه بالكلمات: امرأة ترتب غرفة في منزل مدمر في قرية عين فيت في الجولان السوري المحتل، الذي دمرته القوات الإسرائيلية عام 1967 إلى جانب العديد من القرى الأخرى. قامت كاميرا ثابتة بتصوير الفنانة أثناء قيامها بأعمال منزلية داخل المنزل المدمر.

المقطع الأهم بالنسبة إلي كان في أواخر الفيلم. حيث قامت الفنانة بتأثيث الغرفة ببضع قطع: طاولة، غطاء طاولة، ما يشبه مزهرية، وكرسي، ولوحة لا يستطيع المشاهد تحديد ماهيتها. ثم  جلست ببطء وهدوء لتتأمل المشهد الطبيعي المرصع بمنازل قليلة وبعيدة من خلال نافذة هي مجرد فتحة في جدار متصدع.

شبحية غرائبية

نعم، الحياة الثقافية في بيروت مستمرة، وإن بخجل، ولكن من الواضح أنها اكتسبت طابعا شبحيا غرائبيا نابعا من التعايش والتطبيع القسري ما بين الحياة والموت، والحيوية والهشاشة، والإحساس باللاجدوى والسعي للحفاظ على الأحلام في آن واحد.

FADEL ITANI / AFP
كرة نار تتصاعد من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مبنى في حي الباشورة في بيروت، 18 مارس 2026

هذا الطابع الشبحي يتجسد في مشهد الازدحام المروري والفوضى، العبثية حتما، في نظر كل من ولد و يعيش خارج البلدان الشرق أوسطية. يتجلى الطابع الشبحي أيضا في مشهد آلاف الناس الذين فروا جماعات من مناطق الحرب، يشف من فوق مشهد السكان المحليين المارين والمنهمكين بإنجاز أعمالهم الضرورية. ويظهر أيضا في المقاهي الممتلئة بروادها الذين لا يتكلمون بعضهم مع بعض إلا قليلا، وأيضا بالأغاني الصادحة من سيارات الأجرة بسائقيها الصامتين وشبه الغائبين ذهنيا.

اكتسبت بيروت طابعا شبحيا غرائبيا نابعا من التعايش والتطبيع القسري ما بين الحياة والموت، والحيوية والهشاشة، والإحساس باللاجدوى

في بيروت اليوم، تقام المعارض الفنية المختلفة في مضامينها وتقنياتها، بافتتاحيات تتصف بروتين هادئ وعادي، يشبه تفتح أزهار الربيع الهشة تحت وابل مطر غزير. قد يكون لبعض هذه المعارض أثر خاص، نذكر على سبيل المثل معرض الفنانة اللبنانية ندى صحناوي تحت عنوان "تفتحت الزهور من بين أحجار الأسمنت المكسور". يقدم المعرض أحدث أعمالها، سلسلة منحوتات ورسوم مختلطة ومتعددة الوسائط، في حوار يعكس سلسلتين من التأثير والألم. حول تلك الأعمال كتبت الفنانة: "بعد مرور خمس سنوات على انفجار مرفأ بيروت، ما زلت أجد زجاجا مكسورا في المشغل، متبعثرا في أغرب الأماكن. وبعد خمس سنوات، تفتحت الزهور من بين أحجار الإسمنت المكسور".

من المعارض الفردية الأخرى، نذكر معرض الفنان/المصور الفوتوغرافي جيلبير الحاج بعنوان "كنت في السابعة يوم عدت إلى المنزل مبللا تماما". باختصار، هو معرض تجهيزي ضخم يذكر بأعمال الفنان بيل فيولا، حيث يرفع الماء الجسد إلى الأعلى، إلا أن جيلبير الحاج استخدم الماء بشكل معاكس: ليثبت الأشياء ويشدها إلى الأسفل. القماش يثقل ويهبط، والتنفس يواجه مقاومة، والزمن يصبح كثيفا وثقيلا بدلا من أن يتلاشى أو ينساب.

ANWAR AMRO / AFP
المخرج المسرحي اللبناني قاسم اسطنبولي يقود ورشة مع مراهقين نازحين في أحد مسارح بيروت، 17 مارس 2026

تشهد بيروت أيضا معارض جماعية متفرقة، احتضنت أعمالا عرضت سابقا في صالاتها، إضافة إلى معارض فردية نادرة أطلقت فنانين جددا لهم مستقبل فني غير مؤكد. في تلك الصالات، يؤدي العاملون مهامهم بابتسامة باردة وبانفصال يعكس النأي بالنفس والتوتر الكامن تحت الرماد الممتد في المدينة. هكذا تمر أيام العرض الفني شاهدة على الحوادث البيروتية ذات النبرة المكتومة أو المختزلة، المتنامية على هامش الحياة الواقعية وفق قرار لاشعوري من أهل المدينة.

مدينة تحمل خدرها كيد مكشوفة ومبسوطة ومفرودة الأصابع، تتأرجح وتتماسك في عدم مقلق يلف المنطقة بأسرها

على الرغم من كل هذا، وبعيدا عن الدرامية أو الحساسية المفرطة تجاه الوضع العام، تتألق بيروت بشبحيتها، مثل عمل فني تجريدي عملاق لا يستقر على تأويل واحد، ولا يرى من زاوية واحدة. عمل نجد فيه الظلال التي تكتنز ألوانها بصمت عميق، مطابقة لخيالات شبحية تومض أحيانا بوضوح وشفافية، وتختفي أحيانا أخرى تحت طبقات سميكة ومتراصة، لتعلن الخذلان وزوال الرغبات الإنسانية الأكثر توهجا، وانتفاء القدرة، وربما الرغبة، على المضي قدما تحت أقواس خدر المشاعر.

DIMITAR DILKOFF / AFP
زوجان أمام الواجهة البحرية في بيروت، 22 مارس 2026

مدينة كهذه، تحمل خدرها كيد مكشوفة ومبسوطة ومفرودة الأصابع، تتأرجح وتتماسك في عدم مقلق يلف المنطقة بأسرها، لا مكان فيها لطائر فينيق، ولا لريشه الأسطوري الخارج من رماده.

font change

مقالات ذات صلة