اذا كان من تعبير متداول منذ عشرات السنوات حتى اليوم يمكن اعتباره مملا ومنفرا على السواء، فهو تشبيه لبنان بطائر الفينيق المتلألئ بالأحمر والذهبي، الذي، كما تروي الأساطير، يعيش لآلاف السنين، ثم يحترق في نهاية حياته ليولد من رماده من جديد. وقد جرى استحضار هذا الطائر صحافيا وشعريا وتشكيليا مئات المرات، واستغلت قصته دون ملل في سياق الحديث عن استمرار الحركة الفنية وسط الدمار والأزمات.
صحيح أن بيروت تشهد اليوم افتتاح معارض فنية متنوعة وسط اندلاع الحرب الإقليمية، لكنها افتتاحات محدودة وغير معلنة على نطاق واسع كما في السابق. كما أن طائر الفينيق بريء هذه المرة كما في كل مرة مما يجري على ساحاتها الفنية، إذ طوى جناحيه وغادر مبكرا، تفاديا لاستدعائه مجددا.
بيروت صوتا وصورة
بيروت أصبحت اليوم كيد مكشوفة ومبسوطة ومفرودة الأصابع، تتأرجح وتتماسك في عدم مقلق يلف المنطقة بأسرها، وباتت تتلقى روائح كبريتية خانقة تصلها من الحرائق المتناثرة في أطرافها وفي بعض أحيائها جراء القصف، كما صارت تستقبل الجراح كمن يستقبل زائرين على مضض عميقا في المسام. يد عملاقة تحمل اليوم ثقل تيارات حادة وغير مرئية، منها أزيز طائرات حربية، لا يمكن لأحد اعتراضها أو حتى اسكاتها، تمزق السماء متخذة بحرية فاقعة وجهات معروفة، ومنها طنين مستمر للمسيرات، يشتد حينا ويخفت حينا آخر، ثم يعود ويتكرر ليتكاثر ويتشعب، حتى يكتسب خاصية وجودية اكتسحت جميع مرافق المدينة وكل ما يسكنها من بشر وحجر.
تحيلنا هذه الحالة السمعية والبصرية على السواء إلى فكرتين أساسيتين. الأولى يمكن فهمها من خلال العودة، وإن باقتضاب، إلى فيلم "القيامة الآن" الذي أنتج سنة 1979 للمخرج فرانسيس فورد كوبولا. افتتح الفيلم بمشهد شهير يظهر فيه الكابتن ويلارد مستلقيا في غرفة فندق في سايغون الفيتنامية، بينما تواصل مروحة السقف دورانها فوقه بلا توقف. يمتزج صوت المروحة ودورانها الرتيب مع همهمة شفرات المروحيات، فيخلق جوا غريبا، شبه مخدر، مليء بتوتر أبكم. يعكس الدوران المستمر للمروحة طوال المشهد، التوتر الداخلي لشخصية بطل الفيلم، ويترك انطباعا عنده كما عند المشاهد بأن الحرب لا تتوقف أبدا، حتى وإن غاب ميدان القتال عن الأنظار.




