حرب إيران تعيد توجيه اقتصادات شمال أفريقيا... الرابحون والخاسرون

صدمة النفط والغاز تعمّق الفوارق بين دول المغرب العربي

"المجلة"
"المجلة"

حرب إيران تعيد توجيه اقتصادات شمال أفريقيا... الرابحون والخاسرون

أحدثت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تهديدا غير مسبوق لأمن الطاقة العالمي، تجاوز صدمة السبعينات، وكل الحروب التي شهدها العالم طيلة نصف قرن. وتحوّلت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تشمل الأسعار والغذاء والإنتاج والمعابر، وقصف طهران المتكرر والمتعمد لمنشآت الطاقة في دول الخليج.

وما كان قبل شهر صراعا ثلاثيا حول تحييد طهران من امتلاك السلاح النووي، انتقلت شظايا تداعياته الاقتصادية إلى الطاقة، وسلاسل التوريد الصناعي، وقطاع الطيران والسياحة، والعقار، والزراعة، والشحن البحري، ومسافة الرحلات.

وللمرة الأولى منذ أربعين سنة، بدت العولمة عاجزة عن تأمين سلاسل الإنتاج والتجارة وضبط الأسعار. ودعت وكالة الطاقة الدولية من جنيف "الحكومات، والشركات، والأسر إلى تقليص استهلاك الطاقة، وتقليل السفر غير الضروري، وتشجيع العمل من بعد"، وكأن العالم يعود إلى إغلاق (وبائي) جديد.

حرية التجارة حق دولي

تعالت المطالب عبر العالم بوقف التصعيد العسكري، وحرية الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميا، مما يشكل 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط، تحصل منها الصين على نحو 38 في المئة ، والهند نحو 15 في المئة، وكوريا الجنوبية نحو 12 في المئة، واليابان 11 في المئة، والاتحاد الأوروبي 4 في المئة.

للمرة الأولى منذ أربعين سنة بدت العولمة عاجزة عن تأمين سلاسل الإنتاج والتجارة وضبط الأسعار

وتمثل واردات آسيا نحو 70 في المئة، تليها أوروبا بـ13 في المئة، والقارة الأميركية 10 في المئة، وأفريقيا 5 في المئة. كما يمر عبر المضيق نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) ، وهو شريان حيوي يؤثر في تشغيل جزء كبير من اقتصاد يقارب 120 تريليون دولار. 

وفي 20 مارس/آذار الجاري، توقعت وكالة التصنيف الدولية "فيتش" أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 120 دولارا للبرميل في عام 2026 إذا ظل مضيق هرمز مغلقا فعليا لمدة ستة أشهر، أو 100 دولار للبرميل إذا استمر الإغلاق لثلاثة أشهر. ويقارن ذلك بمتوسط يبلغ 70 دولارا للبرميل في سيناريو الأساس لدى "فيتش" لعام 2026.

رويترز
رسم توضيحي يظهر مضيق هرمز، 23 مارس 2026

و"تفترض" الوكالة في سيناريو الأساس (الإغلاق المؤقت لهرمز) عدم حدوث تدمير للطلب، إذ إن الإمدادات الحالية، إلى جانب إعلان وكالة الطاقة الدولية ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات، كافية لتلبية الطلب. وتضيف: "نفترض تراجعا في الطلب بنحو 2.5 في المئة و5.5 في المئة في حالتي الإغلاق لثلاثة وستة أشهر على التوالي. وفي هذين السيناريوهين، نفترض أيضا الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات أو استجابة في جانب العرض، وإلا فسيكون من الضروري حدوث تراجع أكبر في الطلب لتحقيق توازن السوق".

وحسب الوكالة، فإن إغلاق المضيق قد يؤدي إلى فقدان نحو 15 مليون برميل يوميا من حجم عبور النفط، مع استمرار مرور كميات محدودة جدا. "وبغض النظر عن ذلك، ستظل أسعار النفط شديدة التقلب. فالعلاوة المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية كبيرة، وهناك قدر مرتفع من عدم اليقين في شأن مدة النزاع، وإغلاق المضيق، وتعطل تدفقات النفط".

إشارات مشجعة لكن حذرة

واصلت أسعار النفط ارتفاعها إلى 114دولارا في عطلة نهاية الأسبوع، على الرغم من تلقيها إشارات مشجعة، بعد إعلان اليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا "الإسهام  في تأمين ضمان المرور الآمن لبواخر الطاقة عبر مضيق هرمز". 

وقال بنك "غولدمان ساكس" إن أسعار النفط مرشحة للبقاء فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة ممتدة قد تصل إلى عام 2027. وأشار إلى أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة نتيجة الحرب المرتبطة بإيران، يضع الأسواق أمام أخطار صعودية حادة، قد تدفع خام برنت إلى تجاوز مستوياته القياسية المسجلة في عام 2008، في حال تواصل الضغط على المخزونات العالمية.

تواصل أسعار النفط والغاز ارتفاعها، على الرغم من إعلان اليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا الإسهام في تأمين ضمان المرور الآمن لبواخر الطاقة عبر مضيق هرمز

ويرى البنك أن ما يعرف بـ"صدمة هرمز"، إلى جانب حالة عدم اليقين في شأن توقيت إعادة فتح المضيق، سيستمر في التأثير على الأسواق لسنوات. وبالاستناد إلى أكبر خمس صدمات عرض خلال العقود الخمسة الماضية، يقدر أن تضرر البنية التحتية وضعف الاستثمارات قد يؤديان إلى تراجع مستدام في الإنتاج، مما يعني أن اختلال المعروض لن يكون مؤقتا، بل سيظل عامل ضغط رئيسا على الأسعار حتى نهاية 2027.

أ.ف.ب.
أسعار الوقود في محطة بنزين في الرباط في ظل ارتفاع الأسعار في المغرب على خلفية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، 16 مارس 2026

وتسمح إيران حاليا لسفن نفط محددة بالمرور عبر هرمز، غالبيتها متوجه إلى الصين والهند. واعتبر محللون أن واشنطن تهادن في موضوع النفط، لدفع الأسعار إلى التراجع. 

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت "إن الولايات المتحدة قد ترفع العقوبات عن النفط الإيراني المحمل على سفن بحرية قبل 20 مارس/آذار، إلى غاية منتصف الشهر المقبل وتبلغ كميته نحو 140 مليون برميل". وأضاف بيسنت أن إطلاق هذا النفط سيسهم ​في خفض أسعار الخام خلال الفترة المقبلة. وأقدمت وزارة الخزانة الأميركية أخيرا على خطوة مماثلة، تمثلت في السماح مؤقتا بتصريف شحنات من النفط الروسي الخاضع للعقوبات والمحتجزة على متن ناقلات بحرية، وهو ما أشار إليه بيسنت باعتباره أضاف نحو 130 مليون برميل إلى الإمدادات العالمية.

إلا أن المشكلة حاليا تكمن في تجاوز الأسعار نحو ضعف الإنتاج، بعد توقف العمل في 60 في المئة من حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط، بسبب ما تعرضت له من خسائر وأضرار. وأصبح هذا الموضوع مصدر قلق للرئيس دونالد ترمب، الذي يقف على بعد نصف سنة من الانتخابات النصفية للكونغرس وحكام الولايات.

    رويترز
    سفينة حاويات تابعة لشركة "MSC" تعبر مضيق جبل طارق قادمة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة في المغرب، 8 يناير 2026

    ورصد محللون 5 قطاعات على الأقل في لائحة المتضررين من حرب فيها  كل الفرقاء خاسرون وهي:

    الطاقة والمحروقات: ستنهك أزمة الطاقة والمحروقات موازنات (احتياطيات نقدية) دول نامية كثيرة فضلا عن دول متقدمة. وستشمل التضخم، والنمو، وسعر الفائدة، وعجز الموازنة، وارتفاع المديونية.

    النقل والشحن: يضر اضطراب سلاسل الإمدادات والشحن بالقطاع الصناعي، مع توقع تراجع الطلب على السيارات ذات المحركات الحرارية، بسبب تكلفة الطاقة خاصة في أسواق الاتحاد الأوروبي.

    الطيران والسياحة: تشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من 10 في المئة من قدرات قطاع الطيران تهددت بسبب الحرب على إيران. وتجدر الإشارة الى أن الأسبوع الثالث للحرب شهد حركة شركات الطيران الخليجية بقدرة لا تتعدى 34 في المئة. كما أدى ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب إلى زيادة تكاليف الطيران وارتفاع أسعار التذاكر بسبب تعديل المسارات التي يحق للطيران أن يسلكها، واعتماد مسارات أطول لتفادي المجالات الجوية المضطربة، مما بدأ يضغط على الطلب السياحي، خصوصا في الرحلات الطويلة. 

    الزراعة: يواجه القطاع الزراعي ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والنقل، مما سيؤثر في تكلفة الإنتاج الغذائي، ويدفع نحو التضخم. وقال برنامج الغذاء العالمي (WFP)  إن "45 مليون شخص إضافي مهددون بالجوع الصيف المقبل، بسبب التداعيات الاقتصادية الجانبية".

    التجارة: تتوقع منظمة التجارة العالمية أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى خفض نمو تجارة السلع من 1.9 في المئة إلى 1.4 في المئة، مع تباطؤ مماثل في تجارة الخدمات من 5.3 في المئة إلى 4.8 في المئة، وفق سيناريوهاتها لعام 2026.

    ميناء طنجة المتوسط ينعش تجارة شمال أفريقيا

    ارتفعت تكلفة الشحن البحري إلى 400 ألف دولار يوميا للناقلة الأسبوع الماضي، بعدما كان السعر يقدر بما بين 150 إلى 200 ألف دولار قبل الحرب، على متن الناقلات العملاقة العابرة للقارات، وفق رودولف سعادة، رئيس مجموعة الشحن الدولي الفرنسية "سي. أم. إيه. سي. جي. إم." (CMA CGM). 

    الدول التي تصدر النفط، مثل الجزائر وليبيا، تستفيد من الصراع، فيما الدول التي تستورده، مثل المغرب ومصر وتونس، لها مصلحة في وقف الحرب لخفض الأسعار

    وقالت مصادر في ميناء طنجة المتوسط  لـ"المجلة" إن  تداعيات الحرب فرضت رسوما إضافية على البضائع الواردة من منطقة الخليج ومصر وقبرص وإسرائيل والعراق والأردن واليمن وجيبوتي وتركيا ودول أخرى. وارتفعت تكلفة حاوية 20 قدما من 2300 دولار إلى 3300 دولار، وحاوية 40 قدما من 2900 دولار إلى نحو 4600 دولار، دون احتساب الرسوم الإضافية المرتبطة بالتأمين والخدمات اللوجستية. 

    تعتمد دول المغرب العربي وغرب أفريقيا على ميناء طنجة المتوسط لتوريد مواد استهلاكية وإنتاجية وطاقية، مما يجعله الميناء الأول في أفريقيا والبحر المتوسط، والـ19 عالميا. وقد زاد نشاطه بشكل لافت منذ اشتعال حرب الناقلات في مضيق هرمز. 

    رويترز
    ميناء طنجة المتوسط الواقع على مضيق جبل طارق شرق مدينة طنجة في المغرب، 6 يونيو 2024

    وقال الدكتور العجلاوي الموساوي أستاذ الدراسات الإفريقية في جامعة محمد الخامس لـ"المجلة " إن التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، وخليج عدن، وباب المندب، والقرن الأفريقي، تعيد النقاش حول أهمية المضائق بالنسبة للاقتصاد والمبادلات التجارية العالمية". وأضاف "طالما لم يتم تأمين المعابر أمام الملاحة الدولية، فإن الاقتصاد العالمي سيظل عرضة لتوترات إقليمية، تحت رحمة جماعات متطرفة". 

    شمال أفريقيا: رابحون وخاسرون 

    على الرغم من بعدها عن مناطق النزاع، تباينت تداعيات الحرب على  اقتصادات دول شمال أفريقيا. فالدول التي تصدّر النفط، مثل الجزائر وليبيا، تستفيد من الصراع، ولها مصلحة اقتصادية في ارتفاع أسعار الطاقة،  أما الدولة التي تستورده، مثل المغرب ومصر وتونس، فلها مصلحة في وقف الحرب لخفض الأسعار، وتحرير التجارة وحرية الملاحة. وهي مفارقة غريبة بين من يربح زمن الحرب ومن يربح زمن السلام.

    وتدعم الرباط والقاهرة دول الخليج في مواجهة العدوان الإيراني الذي يستهدف منشآت اقتصادية وسياحية وسكنية. بينما تجد الجزاِئر نفسها محرجة، بين دعمها التاريخي لمحور المقاومة وعلاقتها القوية مع إيران، وحاجتها إلى علاقات متوازنة مع دول الخليج والولايات المتحدة، وفق تحليل صحيفة "لوموند" الفرنسية. وتتوقع الجزائر زيادة صادراتها من الغاز الطبيعي. 

    استورد المغرب نحو 10 مليارات دولار من المحروقات العام المنصرم، ويستهلك 300 ألف برميل يوميا، 41 ألف برميل من إسبانيا، و40 ألفا من روسيا، و36 ألفا من السعودية، و26 ألفا من الولايات المتحدة يوميا 

    في المقابل، يتوقع المغرب ارتفاع تكلفة وارداته من الطاقة، وهو ضمن الفريق المنادي بوقف الحرب ودعمه القوي لدول الخليج، وعلاقاته مع إيران مقطوعة منذ 2018، على خلفية تسليح طهران جبهة "بوليساريو" الانفصالية في الصحراء.

    وسبق لصندوق النقد الدولي أن قدم توقعات متفائلة لاقتصاديات دول المغرب العربي عام 2026، مدفوعة بتعافي القطاع الزراعي وعودة موسم الأمطار، وانتعاش القطاع السياحي، وتحسن الطلب المحلي، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الصادرات غير النفطية. وقال صندوق النقد "إن الناتج المحلي الإجمالي في دول جنوب البحر المتوسط (المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر) قد يبلغ تريليون دولار لأول مرة في التاريخ. لكن تداعيات الحرب قد تغير هذه الفرضيات".

    المغرب يتوقع نموا استثنائيا

    وتوقع البنك المركزي أن يحقق الاقتصاد المغربي نموا  بنحو 5.6 في المئة، وتضخما بنسبة 0.8 في المئة، وعجزا في الموازنة العامة بـ 3.5 في المئة في نهاية 2026. وأفاد مكتب الصرف بأن صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغ نحو 28.4 مليار درهم خلال عام 2025، مسجلا نموا قويا بنسبة 74.3 في المئة مقارنة بعام 2024. وزادت إيرادات السياحة إلى 14.7 مليار دولار. كما تجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج 122 مليار درهم (13.05 مليار دولار) في نهاية عام 2025، مقارنة بنحو 118.9 مليار درهم (12.72) في عام 2024، مما جعل مؤسسة "موديز" تصنف الأخطار الائتمانية للمغرب في رتبة BA1 مع آفاق ايجابية. في حين أظهرت بيانات مكتب الصرف أن العجز التجاري للمملكة بلغ نحو 353 مليار درهم (نحو 38.7 مليار دولار)، مسجلا زيادة بنسبة 15.8 في المئة على أساس سنوي.

    واستورد المغرب نحو 10 مليارات دولار من المحروقات العام المنصرم، ويستهلك 300 ألف برميل يوميا، 41 ألف برميل من إسبانيا، و40 ألفا من روسيا، و36 ألفا من السعودية، و26 ألفا من الولايات المتحدة يوميا. وفي العام نفسه، استورد الغاز الطبيعي المسال بقيمة 1.22 مليار دولار من الولايات المتحدة، و414 مليون دولار من إسبانيا، و65 مليون دولار من بريطانيا، وحصص أخرى من قطر ودول أفريقية. وفي حال تواصل ارتفاع الأسعار فان فاتورة الطاقة ستكون مكلفة للمغرب، وترفع التضخم من جديد.

    في المقابل، تعزز أسعار الأسمدة المرتفعة موقع المغرب كأحد أكبر المصدرين عالميا، خصوصا في الأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب كبار المنتجين مثل روسيا والصين والسعودية. ويملك المغرب نحو 70 في المئة من الاحتياطيات العالمية من الفوسفات، تمنحه أفضلية إستراتيجية طويلة الأمد، في تصنيع وتصدير الأسمدة الفوسفاتية للتخصيب الزراعي بلغت 10.7 مليارات دولار عام 2025، قد تعوض جزءا من تكلفة فاتورة الطاقة.

    المغرب بديل لتخزين النفط والغاز الخليجي

    ويسابق المغرب الزمن لاستكمال بناء ميناء الناظور شرق المتوسط  (Nador West Med)، وهو ثاني أكبر مرفأ (مياه عميقة) يتم بناؤه على البحر الأبيض المتوسط، بتكلفة 5.67 مليارات دولار. 

    يضم المرفأ أرصفة لمعالجة 5 ملايين حاوية قابلة للتوسع لتصبح 12 مليون حاوية و35 مليون طن من البضائع المستوردة سنويا. ومن المنتظر أن يتم تشغيله خلال الربع الأخير من السنة الجارية. وسيتضمن المشروع أول محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في البلاد، يتوقع أن تكون جاهزة خلال النصف الأول من عام 2027، وفقا لمحمد جمال بنجلون، المدير العام لشركة "الناظور غرب المتوسط" الحكومية.

    قررت الجزائر زيادة إنتاجها من النفط بـ6 آلاف برميل يوميا لرفع صادراتها إلى 980 ألف برميل، لتغطية الطلب الأوروبي

    ومن المرتقب أن تصل سعة المحطة القصوى إلى 175 ألف متر مكعب لتخزين 25 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يمثل ثلث ما يمر من الغاز المسال عبر مضيق هرمز من دولة قطر، بحسب تصريحات الخبراء. وبحسب المعلومات المتوفرة لـ"المجلة"، فإن "دول الخليج طلبت إلى الرباط الإسراع في الإنجاز، لجعل موانئ المغرب على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي مستودعا لاحتياطات الطاقة في وجه الأخطار". 

    وتشمل المشاريع بناء أكبر مصفاة  لتكرير النفط في أفريقيا، ثمرة تعاون سعودي-مغربي، في خطوة إستراتيجية لتطوير أمن الطاقة بين البلدين ومواجهة الأخطار الجيوسياسية.

    وقال الدكتور عمر الشرقاوي أستاذ القانون الدستوري في جامعة المحمدية لـ"المجلة"، إن ما يحدث من استهداف عسكري ضد دول الخليج، يسرع هذه المشاريع الاقتصادية الإستراتيجية الكبرى، لافتا إلى وجود تعاون أمني وعسكري وسياسي واقتصادي بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.

    الجزائر مستفيدة من حرب الشرق الأوسط... ولكن

    تجد الجزائر في حرب الشرق الأوسط فرصة سانحة لتعزيز حضورها داخل أسواق الغاز الأوروبي، ومعالجة جزء من عجز الميزان التجاري وتحسين الدخل.

    وقررت الدولة زيادة إنتاجها من النفط بـ6 آلاف برميل يوميا لرفع صادراتها إلى 980 ألف برميل، لتغطية الطلب الأوروبي. وتنتج الجزائر حاليا أقل من 1 في المئة من النفط  العالمي، وتحتل المرتبة العاشرة عربيا، و تنتج 3 في المئة من الغاز الطبيعي.

    وتملك الجزائر عقود توريد طويلة الأجل مع شركاء أوروبيين، تجعل هامش التأثير على الأسعار ضعيفا، في وقت تعاني الموازنة عجزا بلغ 62  مليار دولار في عام 2025، ويقدر بـ74 مليار في السنة الجارية . 

    أ.ف.ب.
    منشآت شركة "سيرغاز" التونسية، التي تدير الجزء التونسي من خط أنابيب "ترانسميد" الذي ينقل الغاز الطبيعي من الجزائر إلى إيطاليا في الهوارية، 14 أبريل 2022

    ومن المتوقع أن تبلغ إجمالي إيرادات الموازنة61.61 مليار دولار عام 2026، لترتفع إلى 63 مليار دولار عام 2027، وإلى 64.71 مليار دولار عام 2028، وفق قانون المالية.

    وتمثل إيرادات الطاقة نحو 90 في المئة من صادرات الجزائر و60 في المئة من مداخيل الخزينة. ويتوقع البنك الدولي تحقيق نمو بين 3.3 و3.7 في المئة، مدفوعا بأسعار النفط وعودة المطر. لكنها ستواجه هيمنة أميركية على أسواق الطاقة الأوروبية، وعودة الغاز الروسي من جديد.

    ليبيا... فرص ضائعة وتونس إلى الاقتراض

    على الرغم من استئثار  ليبيا بأكبر احتياطي للنفط في أفريقيا، يقدر بنحو 48 مليار برميل، يمكن أن تحتل به المركز الأول بين الدول المصدرة للطاقة في  شمال أفريقيا، فإن عدم الاستقرار السياسي يضعف صناعة النفط، ويجعل الإنتاج تحت رحمة التنافس بين حكومتي الشرق والغرب. وتنتج ليبيا نحو 1.3 مليون برميل يوميا، لكنه لا يزال متقلبا، تعكسه التوترات بين الفصائل المتناحرة. وتعاني السوق المحلية من نقص مزمن في البنزين، وإغلاق محطات النفط، وحقول الإنتاج، كلما اندلعت الحرب بين الأخوة الأعداء.

    أما تونس، فتوقيت الحرب في إيران غير مناسب تماما لاقتصادها، الذي لا يزال يختبر قدرته على الصمود بعد تتالي الصدمات الاقتصادية (جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية-الأوكرانية). وتفاقمت الصعوبات الاقتصادية بفعل التحولات الملحوظة خلال السنوات الثلاث الأخيرة في سياسات الاقتراض العام، بعد القرار السياسي برفض الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهو رفض يعد جوهر مقاربة التعويل على الذات التي أقرها رئيس الجمهورية قيس سعيد، وتجسدت في ارتفاع غير مسبوق لحجم الاقتراض المحلي.

    أ.ف.ب.
    متظاهرون مناهضون للحرب في وقفة تضامنية مع إيران في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، 7 مارس 2026

    وستقترض السلطات التونسية هذا العام 6.4 مليارات دولار من السوق المالية المحلية، منها 3.7 مليارات دولار من المصرف المركزي (بفائدة صفر)، ويقدر حجم خدمة الدين العام 78.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

    وعلى الرغم من تحسن قطاعات السياحة والزراعة والخدمات خلال السنوات الأخيرة، فإن التحديات الاقتصادية لا تزال كبيرة، وكل أزمة جديدة تكون مصحوبة بأخطار إضافية. فبحسب محللين، يكلف كل دولار زيادة في سعر برميل النفط مقارنة بفرضيات قانون المالية (69.3 دولار كمعدل سنوي لعام 2026) ما قيمته نحو 54 مليون دولار ( 164 مليون دينار) إضافية على موازنة الدولة. وإذا تجاوز سعر البرميل 100 دولار، فإن ذلك يعني ضغطا ماليا إضافيا يظهر أثره مباشرة على القدرة الشرائية للتونسيين.

    ضغوط مزدوجة على الاقتصاد المصري

    تواجه مصر ضغوطا اقتصادية متزايدة بسبب الحرب الإيرانية، مع مخاوف من تراجع مصادرها الأساس للعملة الصعبة، خصوصا إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين. وعلى الرغم من ارتفاع الاحتياطي النقدي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 52.75 مليار دولار في نهاية فبراير/شباط 2026، يرى خبراء أن البدائل المتاحة غير كافية لتعويض هذه الخسائر.

    اتخذت الحكومة إجراءات تقشفية قاسية لاحتواء الأزمة، أبرزها رفع أسعار الوقود وترشيد الإنفاق، إلى جانب السعي لجذب استثمارات وتسريع التمويل الخارجي. كما شهد الجنيه المصري تراجعا كبيرا في مقابل الدولار منذ اندلاع الحرب. وتراهن الحكومة على حلول جزئية مثل تنشيط الموانئ وتجارة الترانزيت وزيادة الصادرات، خصوصا الزراعية، لتعزيز تدفقات الدولار. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الخيارات تخفف الأثر لكنها لا تعوض بالكامل تراجع الموارد الرئيسة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في شأن مدة الحرب وتأثيراتها الاقتصادية. وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إنه "لا يزال أمامنا تحد واضح، وهو عدم القدرة على استنتاج مدى زمني لانتهاء الحرب، وهذا ما يضاعف تأثيراتها الاقتصادية".

    أ.ف.ب.
    دراجة ثلاثية العجلات في محطة وقود في الجيزة، 10 مارس 2026

    وقد أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر إلى أجل غير مسمى، وبلغت الكميات المتوقفة نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميا، مما يزيد الضغط على قطاع الطاقة في مصر. وتجدر الإشارة إلى أن واردات مصر من الغاز الإسرائيلي ارتفعت بنحو 8 في المئة خلال السنة المالية المنتهية في يونيو/حزيران 2025، لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة، مقارنة بـ319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة.

    ولمواجهة النقص، بدأت مصر إعادة جدولة شحنات الغاز المسال وزيادة الاعتماد عليها، إلى جانب رفع استخدام المازوت في محطات الكهرباء بنسبة كبيرة لتأمين الإمدادات. وأكدت الحكومة أنها لن تلجأ إلى تخفيف الأحمال، على الرغم من التحديات، مع استمرار التنسيق بين الجهات المعنية لضمان استقرار الكهرباء.

    font change

    مقالات ذات صلة