يوصف الفن الحديث في العالم العربي غالبا بأنه يستعير ليس فقط التقنيات الفنية الغربية، بل أيضا طرق التفكير، وذلك لأن الفن الحديث نفسه تشكل في الغرب، جنبا إلى جنب الأفكار المتعلقة بالتقدم والتأثير الثقافي. وعندما يستخدم الفنانون العرب أشكالا فنية حديثة مثل التجريد والفن المفاهيمي، يتفاعلون في الوقت ذاته مع المنظومات الفكرية المصاحبة لهذه الأشكال.
غير أن المشهد الفني العربي، إلى جانب حضور فنانين تنطبق عليهم هذه المقاربة، شهد بروز عدد من الفنانين لم يتبنوا الخطاب الفكري الغربي بصورة قطعية، بل اجترحوا نصا معاصرا خاصا بهم، انتقوا مكوناته الفكرية بما ينسجم مع تجاربهم الشخصية غير "المستوردة"، مستمدين إياه من صميم بيئتهم الأصلية، الاجتماعية والفنية. ولعل من أهم هؤلاء، الفنان المفاهيمي السعودي المعاصر ناصر الدين غارم.
ولادة غير قيصرية
اعتمد غارم في مسيرته الفنية على عدد من الأساليب التعبيرية، شملت التجهيز الفني والفن المفاهيمي والتصوير الفوتوغرافي، إضافة إلى النحت والرسم والفن الأدائي. ومنذ تفرغه الكامل للممارسة الفنية، اتجه إلى مقاربة موضوعات غير تقليدية، مبتعدا عن الأفكار المكررة التي هيمنت طويلا على المشهد الفني الخليجي، مثل تصوير الصحراء والخيول والبيوت التراثية، وكذلك توظيف الخط العربي في إطار تزييني بحت، ساعيا بدلا من ذلك إلى طرح رؤى وأسئلة أكثر عمقا وراهنية.
اختار غارم اقتحام المشهد الفني المعاصر من الباب العريض، مستعدا لالتقاط التيارات الفكرية والفنية المتضاربة التي تعصف بالعالم من حوله. ولعل أبرز ما ترك أثره في تشكيل مزاجه ورؤيته الفنية يتمثل في المرحلة التي انطلقت قبل سنوات قليلة في المملكة العربية السعودية تحت عنوان "مبادرات المملكة ضمن رؤية 2030". فكل انطلاقة كبرى هي، في طبيعتها، انتفاضة، انتفاضة لفتت أنظار العالم الفني بشكل واضح.



