تستعد المنطقة لجولة تصعيد جديدة ستكون الأعنف من كل سابقاتها منذ اندلاع "حرب إيران" في 28 فبراير/شباط الماضي، وقد بدأ السباق مع الوقت مع الدخول في الساعات الأخيرة لمهلة دونالد ترمب لإيران التي تنتهي عند الساعة الثالثة فجر الأربعاء بتوقيت الشرق الأوسط؛ فإما موافقة طهران على شروطه لإبرام اتفاق والانسحاب من الحرب، وإما تدمير محطات الكهرباء والجسور، وكل ذلك خلال 4 ساعات، ستكون كفيلة بإعادة إيران إلى "العصر الحجري" أو إفناء الحضارة الفارسية بأكملها، كما قال ترمب الثلاثاء. قد بدأ التصعيد بالفعل، حيث أمطرت إيران العمق الإسرائيلي بالصواريخ الباليستية، رداً على غارات استهدفت العاصمة طهران وأدت لتدمير كنيس يهودي بالكامل. ووجّه الجيش الإسرائيلي تحذيراً للإيرانيين من استخدام شبكة القطارات، كما أعلن إتمام موجة غارات واسعة النطاق استهدفت جسرا حيويا خارج مدينة قم، تزامناً مع انفجارات هزت جزيرة خرج النفطية.
من جانبه، توعد "الحرس الثوري" الإيراني بأن الرد سيذهب إلى "أبعد من حدود المنطقة" إذا تجاوزت واشنطن "الخطوط الحمراء". بيد أنه لن يكون مفاجئا إذا مدد الرئيس الأميركي هذه المهلة مرة أخرى، وقد فعلها أقله مرتين منذ بدء الحرب ولا شيء يمنعه من تكرار الأمر هذه المرة أيضا.
أيا يكن من أمر فعلينا توقع السيناريو الأكثر خطورة وإن كان حدوثه ليس حتميا، وقد بدأ الإسرائيليون بالفعل بتحديث قائمة أهدافهم داخل إيران، على اعتبار أنهم مستعدون للقيام بـ"العمل القذر"، كما سبق أن قال ترمب وكذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس وإن بصيغة أكثر دبلوماسية وأقل حدة. وهذا ما فعلته تل أبيب عندما اغتالت- "بيدها"- "المرشد" الإيراني علي خامنئي والعشرات من قيادات الصف الأول والثاني. إذ إن عملا كهذا "لا يليق" بدولة عظمى مثل الولايات المتحدة. ثم إن ترمب قد يوكل هذه "المهمة القذرة" إلى صديقه بنيامين نتنياهو، خصوصا في ظل الجدل الذي أثارته تهديداته الأخيرة لإيران، داخل الولايات المتحدة وخارجها، عن أنها ستعد في حال تنفيذها انتهاكا للقانون الدولي وجريمة حرب.
إلا أنّ السؤال المطروح يتجاوز من سيقوم بالمهمة وحجم الأضرار التي قد تطال "البنية التحتية المدنية" في إيران، فالسؤال الأكثر أهمية هو، ماذا سيحدث بعد موجة التصعيد هذه؟ هل ستدفع الضربات الموجعة النظام الإيراني إلى التنازل والقبول بالشروط الأميركية، أم إنه سيستمر في المواجهة ما أمكنه ذلك، على اعتبار أن استراتيجيته ترتكز على أمرين: الأول مواصلة استنزاف الولايات المتحدة من خلال السيطرة على مضيق هرمز والتأثير في أسعار النفط، والثاني الاستمرار في إطلاق الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي. وهنا يمكن استحضار إحدى أهم خلاصات تجربة "الجمهورية الإسلامية"، وهي أنها لا تتنازل إلا تحت الضغط الشديد، وفي الوقت نفسه فإن الضغط الخارجي يرسخ نظامها.

