من قرأ روايتي الأوسترالية شارلوت ماكوناغي، "هجرة" (2020) و"ذات يوم كانت ذئاب" (2021)، لن يتردد في تصنيفها ضمن أبرز الأقلام الروائية التي تتناول اليوم قضايا البيئة وعلاقة الإنسان بالطبيعة، ومن خلالها، علاقته بالآخرين.
في العمل الأول، روت الرحلة المذهلة لطائر الخرشنة القطبي عبر محيطات العالم، وفي الثاني، صورت الصراع الذي رافق عملية إعادة إدخال الذئاب إلى مرتفعات اسكتلندا. وفي كليهما، وظفت مهارات سردية وكتابية عالية للتعبير عن قلق عميق، بصير، إزاء التغير المناخي وتداعياته على المكونات البيئية كافة.
في روايتها الجديدة، "شاطئ بري معتم" (2025)، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا في باريس عن دار "أكت سود" بعنوان "أشباح شيرواتر"، لا تكتفي ماكوناغي بإضافة لبنة جديدة إلى صرحها الروائي، بل تؤكد مرة أخرى خصوصية تجربتها القائمة على فن سردي لا تبدو فيه الطبيعة مجرد خلفية محايدة أو ديكور للأحداث، بل قوة فاعلة ومؤثرة، تكاد تملك وعيا خاصا بها، ويبدو الإنسان أمامها هشا، وفي الوقت نفسه، مسؤولا عن المصير الذي آلت إليه.
فضاء مغلق
تدور أحداث الرواية على جزيرة نائية تقع في مكان ما بين تسمانيا والقارة القطبية الجنوبية، حيث تنسج الكاتبة فضاء مغلقا مشحونا بالتوتر، تتقاطع فيه الأسئلة المناخية مع موضوع الفقد والحداد وإمكان نشوء روابط إنسانية جديدة وسط الخراب. ومنذ الصفحات الأولى، ترسي أجواء أقرب إلى نهاية عالم، حين تصور امرأة تدعى روان وقد لفظها البحر إلى شاطئ الجزيرة بعد غرق قاربها، وهي على شفير الموت.
لقد عبرت روان المحيط الهادئ، انطلاقا من أوستراليا، أملا في العثور على زوجها هانك، الباحث العلمي الذي كان يعمل في جزيرة شيرواتر. لكن الصورة الأولى التي يقدمها النص لها — امرأة تتشبث بقطعة خشب طافية عند تخوم الحياة والموت — تمنح حضورها بعدا رمزيا واضحا. فهي لا تبدو مجرد ناجية من حادث بحري، بل كائن اقتلع من جذوره، تدفعه رحلة بحث تتجاوز حدود الذات.



