شكلت خسارة الاستفتاء حول إلغاء حصانة القضاة التي يضمنها الدستور ضربة موجعة لرئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني التي تسعى للعودة إلى الحكم في الانتخابات العام المقبل 2027، فيما تعيش إيطاليا مخاضا من حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران بين موقف ميلوني التي أيدت الحرب من دون تحفظ وموقف المعارضة التي شنت عليها هجوما قاسيا في البرلمان، ما أدى عمليا إلى عزلة أوروبية لإيطاليا. وهكذا دفعتها خسارة الاستفتاء إلى تعديل ولو جزئي في موقفها، أتبعته لاحقا بجولة على دول الخليج للاطلاع على الأوضاع عن قرب، والوقوف على وجهة نظر حكوماتها المعنية بشكل مباشر بالحرب كونها تعرضت لاعتداءات واستفزازات من قبل إيران.
ويبدو أن شهر العسل السياسي بين ميلوني وترمب شارف على النهاية بعد أن عبر الأخير عن صدمته لأنه كان يعتقد أن ميلوني شجاعة "ولكنني أخطأت"، واستطرد قائلا: "لا يهمها إذا كان لدى إيران سلاح نووي يمكنها من تدمير إيطاليا في دقيقتين". وقد جاء هذا الهجوم العنيف على أثر انتقاد ميلوني لترمب بسبب تهجمه على قداسة البابا الذي انتقد الحرب وطالب بالحوار، ليرد ترمب قائلا إن ليون الرابع عشر لم يكن مطروحا للبابوية ولكنه انتخب فقط لأنه أميركي الجنسية.

غير أن هذا السجال شكّل على الأرجح فرصة لرئيسة الحكومة كي تعيد النظر بعلاقتها القريبة جدا من ترمب انطلاقا من حدثين مهمين، أولهما خسارتها الأولى خلال ترؤسها الحكومة للاستفتاء (22/3/2026) وثانيهما خسارة حليفها فيكتور أوربان رئيس حكومة المجر الانتخابات التي جرت الأحد 12 أبريل/نيسان، ما شكل جرس إنذار لها على صعيد شعبيتها في الداخل وقيام المعارضة الإيطالية بتوحيد صفوفها لانتزاع رئاسة الحكومة منها في الانتخابات القادمة في سبتمبر/أيلول 2027 وهذا ما بدأت تؤكده استطلاعات الرأي.
وقد تزامن تراجع ميلوني عن تقربها من ترمب بقيامها بتعديل موقفها الثلاثاء 14 أبريل تجاه الحرب الأميركية-الإيرانية، موجهة سهامها نحو إسرائيل التي تربطها بإيطاليا علاقات جيدة، إذ أعلنت "تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع معها لأن المسألة سياسيا أصبحت صعبة". وقد تم التوقيع على هذا الاتفاق قبل عشرين سنة (2006)، وينص على التعاون بين البلدين في مجال الصناعات الدفاعية والأبحاث والتكنولوجيا المعلوماتية وتدريب العسكريين. وكانت المعارضة الإيطالية تطالب منذ أشهر بتعليق تجديد هذا الاتفاق.
غير أن ما دفع ميلوني إلى اتخاذ هذه الخطوة هو التوتر الذي تصاعد بين إيطاليا وإسرائيل وبالأخص على الصعيد الإيطالي الداخلي، بعد أن قامت القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على قافلة جنود إيطاليين تابعين لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان، ونتج عن ذلك استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج. ثم أرسلت وزير خارجيتها أنطونيو تاياني، إلى بيروت ليعلن من هناك أن "الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في لبنان غير مقبولة"، واستفزّ إسرائيل بالقول: "يجب تجنب تكرار ما حدث في غزة".

