هذه الظاهرة وُجدت مع تكوين الدولة الحديثة، وأركانها القائمة على الدستور وهياكل الدولة، وعضويتها في منظمة الأمم المتحدة، وفي المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، والمعترف بها وفق منظومة قيمية قانونية وأخلاقية تم التمازج بينها وبين صيرورة الدولة الوطنية في العالم.
وإذا كانت هناك تباينات واختلافات بين هذه الدولة الوطنية وبين القوى التي تشكل المجتمع فيها، فإن هذا تنظمه قوانين الأحزاب التي تقام على أساس قانوني تطرحه الدولة بعد دراسته وتقويمه فيما يخص النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم. وهذه الأحزاب تنطلق من منطلقات ورؤى سياسية واجتماعية تخدم في التحليل الأخير تنوع الآراء والأيديولوجيات داخل الوطن الواحد. كما أن هذه الأحزاب تقام لتحقيق الممارسة الواعية من خلال الاقتناع بروح قانون الأحزاب ومجريات العمل السياسي، ولا تصطدم بشكل عنيف مع الدولة، هذا الكيان المتفق عليه والمتعارف عليه، ودون الإضرار بمجريات التوجهات وفقاً للسيادة ومبدأ أن الدولة هي الحامية للدستور والقائمة على تنفيذ القوانين وما إلى ذلك.
هذا هو الخيار السلمي الواضح للمبارزة ضمن الأطر القانونية والدستورية، ولا يمكن لهذه الأحزاب أن تنازع الدولة في توجهاتها ومساراتها، وخاصة فيما يتعلق بالسيادة، ومفهوم السيادة هو أن يكون للدولة سيطرة على جميع أطراف هذه الدولة، وعلى حدودها، وعلى المجتمع، ورعاية مصالح الشعب، دون تحيز أو تفرد، أو اتجاهات تضر بالوحدة الوطنية لهذا الشعب أو ذاك ضمن حدود مبدأ السيادة، لأنها في الأساس هي البناء الفوقي للدولة الناتج عن ومحصّلة جملة التفاعلات القيمية، وأبرزها الانتخاب وفرز النتائج. ومن يأخذ أعلى الأصوات، سواءً كان حزباً أم فئة أم فرداً، يتاح له أن يظهر ضمن السلطة سواء كان ذلك في السلطة التشريعية، أو التنفيذية، أو القضائية.
هذا ما تقادم عليه التنظيم العام للدولة لضرورة الفصل بين هذه السلطات الثلاث، وإذا كان الأمر كذلك، فالسيادة هنا تكون متبلورة ومحصورة في الدولة، ولا يجوز التنازع معها إلا وفق القوانين والأنظمة الناظمة لذلك، ولا يجوز التمرد عليها أو محاولة العبث بها لأن السيادة لا تكتمل إلا بالإقرار للجميع داخل الدولة بأن هذه السلطة الشرعية التي لا تدانيها أي سلطة بعيدة عن هذا المفهوم. لكن التمرد على السيادة ظهر في دول العالم الثالث، وذلك لضعف البنية الأساسية للدولة، والتدخلات الخارجية والتأثيرات التي أنتجتها التفسيرات الأيديولوجية، فكانت ظاهرة القوى المتمردة على الدولة والسيادة الوطنية، ولاحظنا ذلك في دول أميركا الجنوبية، والدول الأفريقية، والدول الآسيوية، ومنها دول المنطقة العربية. وإن كان هذا الموضوع واسعا ومناقشته تحتاج إلى مساحة أكبر، بل إلى كتب، وقد كتب فيه آخرون.
وقد لاحظنا في بلادنا العربية ظاهرة القفز على سيادة الدولة في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وذلك بفضل ما تعرضت له هذه المنطقة من انكسارات وربما هزائم، وكان أبرزها ضياع فلسطين 1948، وهزيمة يونيو/حزيران المؤلمة في عام 1967، إذ ظهرت نوازع التمرد على السيادة الوطنية من خلال قيام تنظيمات قام بها أفراد ودعمتها دول وكانت النتيجة- كما نعرف- التصادم بين السيادة وهذه الحركات.
