واشنطن تجمع فرقاء ليبيين لأول مرة منذ سنوات... محاصرة "الوجود الأجنبي"

تنظم قيادة القوات الأميركية في أفريقيا مناورة عسكرية بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها

AFRICOM
AFRICOM
جنود من القوات الليبية المشتركة يسيرون في ساحة العرض خلال حفل افتتاح مناورات "فلينتلوك- 2026" في سرت، ليبيا، في 14 أبريل 2026

واشنطن تجمع فرقاء ليبيين لأول مرة منذ سنوات... محاصرة "الوجود الأجنبي"

تواصل الولايات المتحدة الأميركية دعمها لجهود الوساطة بين الأطراف الليبية، عبر عدة مسارات، ضمن خطتها لدعم الاستقرار في ليبيا، وتحديدا بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر كبير مستشاريه للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس.

هذه الجهود، تمثلت مؤخرا، في تنظيم قيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، للمناورة العسكرية "فلينتلوك-2026" في مدينة سرت الليبية، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، لأول مرة منذ أكثر من عقد، فكان وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الليبية عبد السلام زوبي هو ممثل غرب ليبيا، والفريق أول صدام حفتر نائب قائد الجيش الوطني الليبي ممثلا لشرق ليبيا، حيث توحدت القوة الليبية ضمن هذه المناورة.

وشارك في هذه المناورة عسكريون من مختلف أنحاء شمال وغرب أفريقيا، والولايات المتحدة، وأوروبا؛ لتعزيز التعاون، ورفع مستوى العمل المشترك، وبناء علاقات دائمة تدعم الاستقرار الإقليمي.

وسيركز التدريب في سرت، بمشاركة القوات الخاصة الإيطالية، على تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وإدارة مركز عمليات مشترك متعدد الجنسيات لتحسين التنسيق الأمني الإقليمي، وفق بيان صادر عن قيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

الولايات المتحدة، عبر هذه الخطوة، تحاول أن تعيد توحيد القوات العسكرية في ليبيا، وإنهاء انقسامها، للحد من نفوذ القوات الأجنبية والمرتزقة في البلاد، ومحاصرة قوات "فاغنر" الروسية شرق ليبيا وجنوبها، ضمن محاولتها.

التقارب العسكري هذا يأتي ضمن جهود أوسع لجمع شتات القوى السياسية الليبية الفاعلة، عبر تقاسم جديد للسلطة، بين قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر وأنجاله، مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة ومستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة إبراهيم الدبيبة، وحلفائهما في غرب ليبيا، الذي توجد به القوات التركية ومقاتلين من سوريا.

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الحكم في يناير 2025، استطاع كبير مستشاريه للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس جمع الفرقاء الليبيين

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الحكم في يناير/كانون الثاني 2025، استطاع كبير مستشاريه للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس جمع الفرقاء الليبيين، وتوجت هذه المحاولات، بتنسيقه لقاء بين مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الليبية وابن عمه إبراهيم الدبيبة، ونائب قائد الجيش الوطني في شرق ليبيا ونجله، الفريق صدام حفتر، في أكثر من لقاء ضمن جهد أميركي لتوحيد الحكومتين في شرق ليبيا وغربها.

AFRICOM
قادة رفيعو المستوى من تركيا وليبيا والولايات المتحدة خلال حفل افتتاح مناورات "فلينتلوك- 2026" في سرت، ليبيا، في 14 أبريل 2026

هذه الخطوة للتقارب العسكري، واجهت رفضا من بعض القوى السياسية والعسكرية في غرب ليبيا، والتي لا تزال تناصب المشير خليفة حفتر وقواته العداء، إثر محاولته الفاشلة للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس في عام 2019 بالقوة العسكرية، والتي واجهت رفضا من أغلب القوات العسكرية في غرب البلاد، فأعلن المجلس العسكري في مصراتة، رفضه لهذه الخطوة مؤكدا أنها تأتي في  سياق صفقة مشبوهة بعيدًا عن الاستحقاقات الانتخابية والدستور،  مطالبا بالخروج في مظاهرات سلمية للمطالبة بـالاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ينتج عنها حكومة تمثل إرادة الشعب الليبي وليس إرادة خارجية.

وعقب هذه المناورة العسكرية، ناقش رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مع عدد من القيادات العسكرية وضع ضوابط صارمة لتنظيم المشاريع العسكرية والمناورات التدريبية داخل البلاد وخارجها، مع التأكيد على ضرورة التقيد بالإجراءات القانونية والعسكرية المعتمدة، في محاولة لقطع الطريق على أي تحركات بعيدة عن قرار المجلس الرئاسي.

التعاون العسكري الأميركي-الليبي، لم يكن الأول، حيث شاركت القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، في دعم حكومة الوفاق الوطني السابقة، خلال حربها ضد تنظيم "داعش"

المنفي من جهته يخشى أن يفقد منصبه، ضمن محاولة عقد صفقة سياسية بين الدبيبة وحفتر برعاية أميركية. حيث أعلنت مصادر عدة، أن الصيغة المقترحة للصفقة، هي أن يتولى أحد أبناء المشير خليفة حفتر منصب رئيس المجلس الرئاسي، ويحافظ الدبيبة على منصب رئيس الحكومة، ويتم توزيع الوزراء بين الطرفين، وهو ما يزيد من سرعة الخطوات التي يقوم بها المنفي لمواجهة هذه الصفقة.

ورحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بمشاركة ممثلين عن المؤسسات الأمنية من غرب وشرق البلاد في "مناورات فلينتلوك".  

وجددت  دعمها للجهود الرامية إلى توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا باعتبار ذلك خطوة أساسية في بناء الدولة.

AFRICOM
مناورات عسكرية في كوت ديفوار وليبيا لتعزيز القدرات القتالية والاستعداد، وتقوية مهارات مكافحة الإرهاب، وزيادة التعاون عبر الحدود

وجاءت هذه المناورة المشتركة، بعد أن شهد غرب البلاد موجة من الصراعات والاغتيالات خلال السنوات الماضية، التي أزاحت عددا من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، حيث جرى قتل رئيس جهاز دعم الاستقرار السابق عبد الغني الككلي، وتحطمت طائرة تقل رئيس الأركان العامة في غرب ليبيا الفريق محمد الحداد، وعدد من القيادات العسكرية، بالإضافة إلى اغتيال سيف الإسلام القذافي، الوجه السياسي للنظام السابق، والذي كان يشكل تحدياً كبيراً في أي انتخابات أو عملية سياسية قادمة.

التعاون العسكري الأميركي-الليبي، لم يكن الأول، حيث شاركت القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، في دعم حكومة الوفاق الوطني السابقة، خلال حربها ضد تنظيم "داعش" في ليبيا عام 2016، حيث نفذت القوات الأميركية مئات الغارات على مواقع التنظيم، وقدمت الدعم اللوجستي والعملياتي للقوات الليبية، ما ساهم في القضاء على التنظيم في مدينة سرت، التي تشهد هذه المناورة الآن.

ليبيا تعيش على وقع انقسام سياسي بدأ منذ عام 2014، إثر انتخاب مجلس النواب الليبي، ورفض المؤتمر الوطني العام السابق الاعتراف بسلطة مجلس النواب

الوجود الأميركي في ليبيا اليوم، يحاول أي يحاصر وجود قوات أجنبية ومرتزقة، للحد من التأثير السلبي لهذا الوجود الأجنبي داخليا وإقليميا، حيث تتمركز قوات تركية وإيطالية في غرب ليبيا، وقوات "فاغنر" الروسية في شرق وجنوب البلاد.

واستطاع مسعد بولس أن يقنع الأطراف الليبية بإقرار أول ميزانية موحدة للبلاد، منذ أكثر من 13 عاما، ضمن جهود مكثفة لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وضمان تقاسم مخصصات التنمية بشكل متساو في الميزانية.

AFRICOM
جنود من القوات الليبية المشتركة خلال عرض افتتاح مناورات "فلينتلوك- 2026" في سرت، ليبيا، في 14 أبريل 2026

وكانت الولايات المتحدة الأميركية، أقرت قانونا من أجل دعم ليبيا، في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، لمحاولة كسر حلقة عدم الاستقرار،  ضمن  خطة استراتيجية مدتها 10 سنوات، تهدف إلى أن تمضي ليبيا قدما في انتقالها إلى نظام سياسي موحد ومنتخب ديمقراطيا ومستقر يتمتع بمشاركة واسعة من المجتمع الليبي ويحظى بقبوله،  بالإضافة  إلى تأسيس جهاز عسكري وأمني موحد خاضع للسيطرة المدنية مع احتكار الاستخدام المشروع للقوة القادر على الحفاظ على الاستقرار والمساهمة في تحقيق أهداف الأمن الإقليمي. 

إن الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا غير مستقرة منذ الإطاحة بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وتتطلب الكثير من الحكمة والتوازن، للوصول بالبلاد إلى محطة الاستقرار الدائم، وهذا يعني أن تقدم  الأطراف الليبية بعض التنازلات.

وكذلك على  الأطراف الدولية أن تتفهم بأن ليبيا موحدة وديمقراطية ومزدهرة، ستكون أكثر فائدة من أي حالة أخرى للبلاد التي تعيش على وقع انقسام سياسي بدأ منذ عام 2014، إثر انتخاب مجلس النواب الليبي، ورفض المؤتمر الوطني العام السابق الاعتراف بسلطة مجلس النواب.

وتتنافس على السلطة حكومتان في ليبيا، حكومة الوحدة الوطنية ومقرّها العاصمة طرابلس في غرب البلاد، والمعترف بها دوليا، بقيادة عبد الحميد الدبيبة، ويدعمها المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، الذي تكوّن كخليفة للمؤتمر الوطني العام. والحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، التي تتخذ من مدينة بنغازي أكبر مدينة ليبية في شرق البلاد، برئاسة أسامة حمّاد، حيث تسيطر قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على شرق وجنوب البلاد.

font change

مقالات ذات صلة