15 عاما على بدء الثورة ضد نظام القذافي... نجاح وإخفاقات

توجه أميركي جديد في ليبيا؟

رويترز
رويترز
مقاتلون مناهضون للقذافي يلوحون للحشود أمام علم ضخم لليبيا خلال احتفالات تحرير ليبيا في كويتشي، بنغازي، في 23 أكتوبر 2011

15 عاما على بدء الثورة ضد نظام القذافي... نجاح وإخفاقات

تأتي الذكرى الخامسة عشرة لبدء ثورة 17 فبراير/شباط من عام 2011 في ليبيا ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، والأوضاع في البلاد أسوأ مما كانت عليه عشية ذلك اليوم، على عدة أصعدة، في وقت كان الليبيون يأملون في تحسين أوضاعهم المعيشية والاقتصادية والسياسية.

جاءت ثورة الليبيين في خضم حراك شعبي إقليمي بدأ في تونس الجارة الغربية لليبيا، ثم انتقل إلى حدود ليبيا الشرقية مع مصر، حيث أحدث سقوط نظام الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011 صدمة في ليبيا، وبدأ نظام القذافي الاستعداد لما قد يأتي، ثم جاء تنحي الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011، بعد مظاهرات شعبية وثورة ضده ليزيد من الضغوط على نظام القذافي، الذي أيقن أن ما حدث في البلدين الجارين سيصيبه لا محالة.

النظام الليبي السابق لم يفهم أن ما يحدث هو أمر غير مسبوق، ويجب أن يتعامل معه بأساليب جديدة، ومقاربات غير تقليدية. لكن المعالجة الأمنية تغلبت على غيرها من طرق معالجة الغضب الشعبي، والشعارات التي كانت مرفوعة، لتصل إلى أعلى سقف ممكن عبر المطالبة بإسقاط النظام.

لكن هل زالت الأسباب التي ثار الليبيون من أجل إنهائها أو تحسينها؟

يمكن القول بكل تجرّد، إن المتابع اليوم للأوضاع في ليبيا، سيجد أن الأوضاع، ساءت بشكل كبير مقارنة بعام 2011، وهذا الأمر وفق الإحصاءات والأرقام المجرّدة، فقيمة الدينار تدهورت أكثر من 800 في المئة، وتراجع تصدير النفط الذي يعد المصدر الرئيس للدخل، وأصبحت ليبيا من بين أسوأ الدول على مؤشر مدركات الفساد العالمي، ونشبت حروب أهلية في البلاد راح ضحيتها آلاف الليبيين، وأصبحت البلاد تدار بواسطة حكومتين متنافستين في ترسيخ لانقسام غير مسبوق، مع وجود قوات أجنبية ومرتزقة في البلاد. وعلى صعيد الوضع الحقوقي، فإن حقوق الإنسان تتعرض للانتهاك، بعدة أشكال، وحرية الصحافة ليست في أفضل حالاتها.

كان الطلب كبيرا على إجراء انتخابات برلمانية في ليبيا، لأن البلد لم يشهد مثل هذه الانتخابات لأكثر من 40 عاما

الثورة ضد نظام القذافي، بدأ بها الليبيون. ولكن الإطاحة بالنظام تمت بعد قيام مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر جوي على ليبيا والسماح بالتدخل الدولي لحماية المدنيين وفق قراره 1973 لسنة 2011، حيث تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 19 مارس/آذار 2011، لحماية المدنيين في مدن شرق ليبيا، بعد اجتماع دولي حول ليبيا في باريس حيث أعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عقب هذا الاجتماع، بدء العمليات العسكرية ضد نظام القذافي، في الوقت الذي بدأت فيه مقاتلات فرنسية التحليق في الأجواء الليبية. وقال الرئيس الفرنسي السابق وقتذاك إن هذه العملية تهدف إلى منع معمر القذافي، من استخدام سلاحه الجوي في قصف المدنيين المناوئين لنظامه، والذين يطالبون برحيله.

رويترز
معمر القذافي خلال مراسم وضع أكاليل الزهور في ساحة النصر بوسط مينسك، في 3 نوفمبر 2008

وهذا ما جعل وضع ليبيا أكثر تعقيداً من دول الجوار، حيث لم يكن ما حدث إنجازا ليبياً خالصاً، بل كان للمجتمع الدولي، وتحديدا دول حلف "الناتو"، دور مهم في تحقيق النصر للثورة. هذه الدول أعلنت انسحابها العسكري من ليبيا بعد أيام من مقتل رأس النظام على يد مجموعة من الثوار الليبيين في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وهذا ما جعل البلاد عرضة لسيطرة تيارات دينية متطرفة.

وقد كان الطلب كبيرا على إجراء انتخابات برلمانية في ليبيا، لأن البلد لم يشهد مثل هذه الانتخابات لأكثر من 40 عاما، ونجح المجلس الانتقالي الليبي بدعم من الأمم المتحدة في إنجاز الانتخابات في السابع من يوليو/تموز 2012، وعاش الليبيون غبطة وسرورا كبيرين، بمشاركة ملايين الناخبين، لكن سرعان ما تبددت هذه الفرحة، أمام التشتت السياسي، وغياب الرؤية للمستقبل، وانتشار السلاح في البلاد، وظهور تنظيمات عسكرية متطرفة، والصراع على مناطق النفوذ بين رفاق السلاح من الثوار الذين بدأ كل منهم يبحث عن تحقيق المكاسب المادية.

شكل سيف الإسلام تحديا للنخبة السياسية الليبية الحالية، وللدول الغربية التي رأت فيه امتدادا لنظام أبيه المعادي للغرب، وتحديدا بعد أن ترشح للانتخابات الرئاسية

وفي عام 2014، أجريت انتخابات مجلس النواب، وإن بزخم أقل من سابقتها، مع تنامي ظاهرة العنف السياسي التي طالت نشطاء وصحافيين وسياسيين رافضين للتيارات الإسلامية المتطرفة. ومع انتخاب مجلس النواب، رفض المؤتمر الوطني العام تسليم السلطة، ودخلت ليبيا في دوامة من الانقسام السياسي لا تزال متواصلة حتى الآن، رغم الجهود الأممية والدولية لإنهاء حالة الانقسام.

تلك الحالة مهدت الطريق لتدخل دول عدة في المشهد الليبي، عبر وجود قوات عسكرية لها، أو عبر مرتزقة، فكانت روسيا سباقة إلى استغلال ضعف السلطة في طرابلس وحاجة الجنرال خليفة حفتر للدعم، وبدا دعمها واضحا لقوات الجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا. وهذا ما لم ينكره المسؤولون هناك. وازداد هذا الدعم وضوحا، عند مساهمة روسيا عبر مرتزقة "فاغنر" في الهجوم الذي شنته قوات المشير خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل/نيسان 2019، بالتزامن مع وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في المدينة ضمن جهوده لعقد مؤتمر وطني جامع للأطراف الليبية في مدينة غدامس، ذلك العام.

أ.ف.ب
خليفة حفتر في مؤتمر حول تنمية وإعادة إعمار البلاد، في مدينة سبها جنوب ليبيا، في 5 سبتمبر 2024

وانتهت هذه الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار بين الليبيين وتشكيل حكومة موحدة، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وذلك بدعم دولي. نجح الليبيون في الحفاظ على وقف إطلاق النار، وشكلوا حكومة موحدة، ولكنهم فشلوا في إنجاز الانتخابات، وعاد الانقسام من جديد.

ومع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة عشرة لبدء الثورة الشعبية ضد نظام القذافي، في الخامس عشر من فبراير/شباط الجاري، فوجئ الليبيون بخبر مقتل سيف الإسلام القذافي في الثالث من الشهر المذكور، في مدينة الزنتان غرب ليبيا، وحيدا، دون أي رفيق أو حرس. سيف الإسلام الذي مثّل يوما ما صوت الإصلاح من الداخل في نظام والده، لكنه اختار صف والده عندما قامت الثورة. واتهمته محكمة الجنايات الدولية بالتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وشكل سيف الإسلام تحديا للنخبة السياسية الليبية الحالية، وللدول الغربية التي رأت فيه امتدادا لنظام أبيه المعادي للغرب، وتحديدا بعد أن ترشح للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2021، مع وجود استطلاعات للرأي أظهرت تقدمه على عدد من المنافسين البارزين.

الثورة الليبية، لم يبق منها إلا العلم والنشيد، اللذان أخدتهما من النظام الملكي، الذي حكم ليبيا عقب استقلالها بين 1951 و1969

مقتل القذافي وقع بعد يوم من إعلان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن جمعه لكبار المسؤولين من غربي وشرقي ليبيا في العاصمة الفرنسية باريس، لإجراء مناقشات حول الجهود الليبية الرامية إلى صياغة وحدة وطنية واستقرار طويل الأمد، بما يتماشى مع أجندة السلام الأوسع للرئيس دونالد ترمب، حيث حضر هذا اللقاء مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية للأمن القومي إبراهيم الدبيبة ونائب القائد العام للجيش الليبي في شرق ليبيا الفريق صدام حفتر.

أ ف ب
مرفأ تصدير النفط الليبي غرب مدينة بنغازي في 24 سبتمبر 2020

التوجه الأميركي الجديد في ليبيا، جاء ضمن استراتيجية أميركية جديدة، يقودها الرئيس ترمب، لإنهاء الحروب والصراعات في العالم، ضمن سعيه المُعلن للحصول على جائزة "نوبل للسلام". ولكن في ليبيا، لا يمكن أن تكون جائزة "نوبل للسلام" هي المحرك الوحيد للدور الأميركي المتزايد، حيث وقعت مؤسسة النفط الليبية وشركة "كونوكو فيليبس" الأميركية بمشاركة شركة "توتال" الفرنسية اتفاقات بقيمة استثمارية تصل إلى 20 مليار دولار لتطوير إنتاج النفط في ليبيا، وهذا كان بداية للتعاون الليبي-الأميركي، بالإضافة إلى دخول شركات أميركية في مجالات أخرى للاستفادة من حاجة السوق الليبية للخبرة الأميركية، وهو ما قد يُفسر الاهتمام بليبيا، ولكن لا يمكن أيضا إغفال العمل الأميركي على مواجهة الوجود الروسي في ليبيا الذي يشكل خطراً كبيراً على المصالح الأميركية في البحر الأبيض المتوسط وفي جنوب أوروبا وفي أفريقيا.

وهذا ما يطرح إمكانية تشكيل حكومة تتقاسم المصالح الاقتصادية والسياسية، وتشرف على انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد عدة سنوات، حتى تستقر الأوضاع، وتتوحد القوات العسكرية، وتبدأ عملية إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، في سبيل تحقيق مقاصد السيادة الوطنية والاستقلال التام للقرار السياسي، مع عدم إغفال الإشراف الأممي على المسار الانتخابي.

الثورة الليبية، لم يبق منها إلا العلم والنشيد، اللذان أخدتهما من النظام الملكي، الذي حكم ليبيا عقب استقلالها بين 1951 و1969. واليوم هناك من يطالب بالاستفادة من تجربة الآباء المؤسسين للدولة الليبية، عبر مراجعة متأنية للمواقف الحالية، والتنازل من أجل إعادة توحيد البلاد، بالإضافة إلى ضمان دعم دولي واضح، يعزز استقرار الدولة ويمنع المغامرات الطائشة من بعض الدول الإقليمية، مع عدم إغفال العمل على تأسيس نظام مستقر وديمقراطي يحارب الفساد الذي استشرى في البلاد، وجعلها من بين أسوأ خمس دول على مؤشر مدركات الفساد العالمي، كما ينهي الإفلات من العقاب، ويوحد المؤسسات، لتبدأ مسيرة جديدة من التنمية والازدهار بعد طول انتظار.

font change

مقالات ذات صلة