"فلسطين 36" و"هوبال" في الدورة 17 من "مهرجان الفيلم" في برلين

باسكال فخري: هناك تضييق على الأصوات الناقدة للحكومة الألمانية في حرب الإبادة

باسكال فخري

"فلسطين 36" و"هوبال" في الدورة 17 من "مهرجان الفيلم" في برلين

تجد السينما العربية نفسها في خضم الجدال المتصاعد حول حرب غزة في ألمانيا، خاصة في العاصمة برلين التي طالما اعتبرت مساحة مفتوحة للتعبير الثقافي."المجلة" التقت مديرة "مهرجان الفيلم العربي في برلين" (ALFILM)، باسكال فخري، للحديث عن مسيرة المهرجان وتأثيرات تلك الحرب خاصة على الفنانين العرب.

تنطلق الدورة السابعة عشرة للمهرجان في 22 أبريل/نيسان الى 28 أبريل/نيسان، إذ تعرض نحو 60 فيلما من الأفلام الطويلة والوثائقية والقصيرة من مختلف البلدان العربية. للمرة الثالثة على التوالي، يفتتح المهرجان فيلم فلسطيني، "فلسطين 36" للمخرجة الفلسطينية آنا ماريا جاسر.

فذلك الاختيار ليس مصادفة، إذ تقول فخري التي تترأس المهرجان منذ 2020: "فلسطين أساس النزاعات التي نعيشها في منطقتنا إلى الآن... كما أن موقف ألمانيا من فلسطين لم يتغير حتى بعد حرب غزة، لهذا نأتي بالرواية الفلسطينية لتثبيت حضورها".

البدايات

بدأت فكرة المهرجان عام 2009 بمبادرة من الفلسطيني فادي عبد النور واللبناني عصام حداد، كمنصة صغيرة لتعريف الجمهور الألماني بالسينما العربية، قبل أن يتطور إلى حدث سنوي يجذب المهتمين بالفن والسينما العربية. تنحدر فخري وهي في الأربعينات من عمرها من البقاع في لبنان، ودرست الأدب الفرنسي في بيروت، قبل أن تنتقل إلى برلين عام 2008، حيث أكملت دراستها، وحصلت على الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا عن اطروحة بعنوان: "الشخصيات النسائية الأساسية في أفلام الرعب الأميركية". لاحقا، تركت المجال الأكاديمي واتجهت إلى الحقل الثقافي في العاصمة الألمانية، وانضمت إلى المهرجان في 2013.

موقف ألمانيا من فلسطين لم يتغير حتى بعد حرب غزة، لهذا نأتي بالرواية الفلسطينية لتثبيت حضورها

تقول عن البدايات: "كان عملنا تطوعيا، وهدفنا أن نحكي كعرب عن أنفسنا"، حيث كانت الجالية العربية في برلين بالأخص فلسطينيين من لبنان أو لبنانيين هجرتهم الحرب الأهلية، وكانوا مهمشين بدرجة كبيرة، ولم تكن السينما والثقافة شيئا أساسيا بالنسبة لهم، ولهذا كان جمهور المهرجان في البداية أوروبيا في معظمه، قبل أن يتغير ذلك مع موجة اللجوء السوري عام 2015، التي شكلت نقطة تحول للجاليات العربية في ألمانيا، فـ"توسع دورنا، وأصبح جمهورنا عربيا أكثر"، تقول فخري.

أما التحول الثاني فجاء عام 2020 مع حصول المهرجان على أول تمويل من مدينة برلين، وفي العام نفسه تولت فخري الإدارة الفنية للمهرجان، وفي 2022 تولت رئاسته. واليوم بعد 17 عاما على انطلاقه، تقول فخري إن المهرجان دخل مرحلة جديدة: "تغير الكثير... أصبح لدينا عدد أكبر من الأفلام، والتمويل منحنا مرونة أكثر في تطوير برنامجه".

Credits_alfilm.berlin
"فلسطين 36"

يفتتح فيلم "فلسطين 36" دورة هذا العام، وهو أول عرض له في ألمانيا، وتلك هي المرة الثالثة تواليا التي يفتتح المهرجان أعماله بفيلم فلسطيني منذ حرب غزة، ففي عام 2024 عرض "باي باي طبريا"، و"إلى أرض مجهولة" في الدورة الماضية. تقول فخري: "علاقتنا بالسينما الفلسطينية أساسية في هويتنا كمهرجان".

تضيف: "يتناول فلسطين 36 موضوعا نادرا ما نراه على الشاشة، إذ يدور حول الثورة الفلسطينية في 1936 التي قليلا ما نسمع عنها، الجميع يحكي عن قصة الصراع مع النكبة ولكن لا أحد يتحدث عما قبل النكبة، أيام الاستعمار البريطاني الذي بدأ في قلبه الاحتلال الصهيوني، وحل المؤسسات الفلسطينية. أول حركات مناهضة لذلك كانت في 1936، ولهذا بالنسبة لنا هذا كان موضوعا أساسيا نسلط عليه الضوء، حتى لنا كعرب حيث غالبا ما تبدأ الحكاية من النكبة".

Credits_alfilm.berlin
"فلسطين 36"

تأمل فخري في أن تتمكن مخرجة الفيلم من حضور الافتتاح، لكن حضورها ليس مؤكدا بسبب الأوضاع في الأرض المحتلة، وتقول "أتمنى أن تأتي من فلسطين".

بقعة ضوء عن السودان

لكن "بقعة ضوء" هذا العام، وهو البرنامج الذي يسلط فيه المهرجان الضوء على قضية ساخنة أو دولة معينة، خصصت عن الحرب في السودان التي دخلت هذا الشهر عامها الرابع. تقول: "السودان موضوع ساخن منذ فترة، وللأسف لا أحد يحكي عنه وهو مهمش، سواء في الإعلام العربي أو الأوروبي".

استعان المهرجان لأول مرة بالفنان السوداني طلال عفيفي لتقديم مختارات البرنامج، "شعرنا بضرورة أن نستعين بفنان سوداني لتقديم هذا البرنامج، كوننا لسنا من السودان، لهذا وقع الاختيار على عفيفي".

السودان موضوع ساخن منذ فترة، وللأسف لا أحد يحكي عنه وهو مهمش، سواء في الإعلام العربي أو الأوروبي

يضم البرنامج 5 أفلام طويلة عن السودان مثل فيلم "المحطة" (1989)، "كشه" (2018)، "ملكة القطن" و"الخرطوم"، وكذلك أفلاما تاريخية من السبعينات والثمانينات مثل "أفلام مستعادة- سينما الطليعة"، وذلك إلى جانب معرض فن وجلسة نقاشية عن الأرشيف ودور المؤسسات الأوروبية في حماية الأرشيف.

Credits_alfilm.berlin
"ملكة القطن"

حضور سعودي

كمما تحضر الأفلام الخليجية بقوة في المهرجان، مثل الفيلم السعودي "هوبال" الذي يعرض لأول مرة في برلين ويبرز قصة إنسانية غير مألوفة.

Credits_alfilm.berlin
"هوبال"

تقول فخري: "فيلم 'هوبال' رائع للغاية من حيث الإنتاج والتصوير بالصحراء والسرد، وتدور أحداثه في التسعينات خلال حرب الخليج، مع قبيلة في الصحراء بعاداتها وصعوبات هذه العادات ودور النساء ضمن هذا المشهد".

وتضيف أن إدارة المهرجان تعمل على انتقاء أفلام "تناقش قضايا بعمق أكثر من مجرد التسلية، و'هوبال' يذهب إلى عمق أكبر، وهذا ما ميزه بالنسبة لنا". 

وتشير إلى الفيلم السعودي "مندوب الليل" الذي عرض قبل عامين، وتوضح: "هناك حراك واضح في السينما السعودية، بدعم كبير من الدولة، وهذا أمر نشجعه. نحاول كل عام عرض فيلم من الخليج العربي، كما نحرص على تمثيل دول أخرى مثل العراق والأردن، هدفنا دائما هو تقديم السينما العربية بكل تنوعها واختلافها".

أما في شأن التعاون مع المهرجانات العربية، فتلفت إلى تحديات تتعلق بشروط التمويل: "كل مهرجان يعمل بشكل مستقل، لكن بعض الجهات العربية تأتي بمتطلبات نفضل أن لا نخضع لها، كما هو الحال مع بعض الدعم الذي تقدمه الحكومة الألمانية، ولكن نتجاهل شروطهم ونحافظ على الخطوط الحمراء الخاصة بنا".

تكريم شاهين وبكري وعبد السيد

تكرم هذه الدورة بعض الشخصيات المؤثرة في السينما العربية، إذا حوت القائمة الفلسطيني محمد بكري والمخرج المصري داوود عبد السيد اللذين رحلا أخيرا، ومئوية يوسف شاهين. 

Credits_alfilm.berlin
أرض الأحلام، تكريم للمخرج المصري داوود عبد السيد

وتكشف: "نحاول أن يكون لدينا ضيف شرف في كل دورة… لم يسعنا البرنامج لتكريم زياد الرحباني أيضا"، موضحة أن برنامج هذه الدورة يتمحور حول المخرجة فيولا شفيق وفيلمها الوثائقي الشخصي، "مواقع فيلم عائلي" 2025، الذي يتناول علاقتها مع زوجها السابق أنسي أبو سيف، مصمم المناظر، وابنهما آني الذي يعيش في ألمانيا، وعلاقتها وأنسي بالسينما العربية. ويعرض الفيلم في حضور الثلاثة، إذ يقدم أبو سيف "ماستر كلاس" عن الإخراج الفني الذي لا يحكي عنه كثيرا في السينما.

تشير فخري إلى أن "أنسي أبو سيف هو بمثابة  حلقة الوصل، وعمل في غالبية أفلامه مع داوود عبد السيد، ويوسف شاهين، وهو وراء تصميم العوالم البصرية لأهم أفلام السينما المصرية التاريخية". كما اختار المهرجان عرض فيلم "أرض الأحلام" للفنانة الكبيرة فاتن حمامة، وإخراج عبد السيد، وفيلم "وداعا بونابرت" لشاهين.

ويعرض أيضا فيلم "الغريب" 2021، الذي لعب فيه محمد بكري دورا مؤثرا. ويحضر العرض نجل بكري، أليكس.

ضغوط ومخاوف من استقلالية القرار الثقافي

تضم برلين أكبر جالية فلسطينية في أوروبا، مما يجعل المهرجان في قلب الجدال حول فلسطين منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. في الدورة التي أعقبت الحرب مباشرة في أبريل/نيسان 2024، "كانت التجربة صعبة للغاية، وحاربنا بقوة للاحتفاظ بحريتنا الفنية ونجحنا في ذلك".

توضح: "كان الضغط قاسيا على المؤسسات الثقافية لتجنب أي موقف داعم لفلسطين، وصدرت ردود الفعل أساسا من دور العرض التي تخوفت من اتهامات بمعاداة السامية أو فقدان التمويل". تعرض المهرجان لضغوط غير مباشرة، إذ رفضت إحدى دور العرض استضافة فيلم "هنا وهناك"، قبل عرضه لاحقا في صالة أخرى. ومع ذلك، تؤكد فخري أنه لم تكن هناك محاولات مباشرة من الحكومة الألمانية للتدخل في محتوى المهرجان، لكنها تشير إلى أن تحدي التمويل يبقى الأكبر، في ظل تراجع دعم المدينة للأنشطة الثقافية. "لم تعد تمول الفن والثقافة كما في السابق، إذ تلعب السياسة والتضييق على الأصوات الناقدة (للحكومة) في حرب الإبادة دورا أيضا في ذلك".

تضيف: "لدينا حاليا تمويل لمدة أربع سنوات، والعام المقبل هو الأخير، وبعدها لا نعرف ما يخبئه المستقبل". 

هناك حراك واضح في السينما السعودية، بدعم كبير من الدولة، وهذا أمر نشجعه

ومع تأجج الجدل في مهرجان برلين السينمائي الدولي "برليناله"، زادت الضغوط من وزارة الثقافة الألمانية على صندوق العاصمة الثقافي، وهي جهة تمويل "برليناله"، وكذلك مهرجان الفيلم. وأثارت الضغوط مخاوف في شأن استقلالية القرار الثقافي والمشاريع الممولة، خاصة مطلع الشهر الجاري مع رفض لجنة تتبع صندوق العاصمة الثقافي (HKF)، تمويل مشروع للباحثة الأدبية والمترجمة ميريام راينر، لترجمة أعمال لم تترجم من قبل لكتاب فلسطينيين بارزين من القرن العشرين مثل محمود درويش وغسان كنفاني إلى اللغة الألمانية.

Credits_alfilm.berlin
ملصق المهرجان

وفي افتتاح برليناله في فبراير/شباط الماضي، سئل رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، عن "التعاطف الانتقائي"، أي سهولة إظهار التضامن مع إيران أو أوكرانيا مقارنة بغزة، صرح بأن صناع السينما يجب أن يبتعدوا عن السياسة، وهو تصريح خيم على أجواء المهرجان. ووقع أكثر من 80 ممثلا ومخرجا وكاتبا عالميا رسالة مفتوحة انتقدت ما اعتبروه "ازدواجية معيارية" في التعامل مع المآسي الإنسانية. ورفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية، استلام جائزتها عن فيلم "صوت هند رجب". وأثار خطاب المخرج الفلسطيني-السوري عبد الله الخطيب في الختام، جدالا صاخبا بعدما اتهم الحكومة الألمانية بالتواطؤ في الإبادة الجماعية في غزة، مما دفع وزير البيئة الألماني لمغادرة القاعة احتجاجا. في دورة عام 2024، تعرض مخرجا فيلم "لا أرض أخرى" الفلسطيني باسل عدرا والإسرائيلي يوفال أبراهام، لهجوم مماثل من الساسة الألمان بعد انتقادهما إسرائيل ودعم ألمانيا لها.

وقد شهد الوسط الثقافي في برلين منذ اندلاع حرب غزة توترات حادة، وإلغاء ندوات نقاشية وعروض ثقافية سواء لفنانين فلسطينيين أو داعمين لفلسطين. وردا على ذلك، ظهرت مبادرات مستقلة مثل "باليناله" نسبة إلى فلسطين، التي أطلقت كمنصة موازية لبرليناله عام 2024، لإبراز الأصوات الفلسطينية. تقول فخري: "نشجع مثل هذه المبادرات، ولا نراها منافسة، بل مساحة إضافية للتعبير". وتضيف: "كلما ارتفعت أصواتنا، كان ذلك أفضل لنا جميعا".

Credits_alfilm.berlin
باسكال فخري

ووجهت فخري انتقادات لبرليناله ذي الهوية القائمة على الموقف السياسي، "تمت دعوة فولوديمير زيلنسكي (الرئيس الأوكراني)، لكن عندما وصل الأمر إلى فلسطين، فجأة لم يعد المهرجان سياسيا".  

وكادت أزمة برليناله أن تطيح مديرة المهرجان تريشيا ترتل، قبل أن يوقع أكثر من 700 مخرج وممثل وعامل في مجال السينما رسالة مفتوحة دعما لها. "ما حدث أضر بسمعة المهرجان والبلد. المديرة بقيت بشروط، ولم تعد تملك حرية كاملة في التصرف. لو كنت مكانها، لقدمت استقالتي"، تقول فخري.

"اليوم، لا أحد بإمكانه اتخاذ موقف شجاع، ويقول إن ما تفعله الحكومة الألمانية غير مقبول، والحرب هي إبادة، ويجب أن توقف إرسال الأسلحة، لكن لا أحد بإمكانه الوقوف خوفا من أن يلقى المصير نفسه، خاصة بعد ما أثبتته ردود الفعل في برليناله: حتى إذا حافظت على صمتك قد تتم الإطاحة بك".

مرحلة صعبة

ويسلط مهرجان الفيلم الضوء أيضا على قضايا مثل صعود اليمين المتطرف في ألمانيا خاصة وأوروبا عامة. تقول فخري: "دورنا أن نحكي عن هذه القضايا وفتح النقاش حولها، لأننا نحن أيضا بخطر، بإمكانهم سحب التمويل منا أيضا، لأن مواقفنا لا تناسب مواقفهم".

وحول مستقبل المهرجان، تقول: "لدينا الطموح للتوسع ليس فقط داخل ألمانيا ولكن خارجها أيضا، لا يوجد كثير من المهرجانات المشابهة لنا في أوروبا، ولكن لسنا بحاجة فقط إلى تمويل بل أيضا إلى وجود كوادر بشرية".

لا أحد بإمكانه اتخاذ موقف شجاع، وما تفعله الحكومة الألمانية غير مقبول، والحرب هي إبادة، ويجب أن توقف إرسال الأسلحة

يتألف فريق المهرجان من نحو 17 شخصا، إضافة إلى متطوعين ليصل عدد المنظمين إلى 50 خلال فترة الانعقاد مما يعكس حجم الدعم المجتمعي الذي يحظى به، حسبما ترى فخري.

في الوقت نفسه تشير إلى أن الجالية العربية في برلين تمر حاليا بمرحلة إعادة تعريف لعلاقتها مع المدينة، وتقول: "لطالما كانت برلين توصف بأنها العاصمة الثقافية الجديدة للعالم العربي، لكن هذا تغير بعد 2023. كثير من الفنانين غادروا بسبب المواقف السياسية وصعوبات العمل والتمويل، إنها مرحلة صعبة".

"أتفهم من يختار المغادرة، لكن كثيرين لا يستطيعون ذلك. دورنا أن نحافظ على وجودنا وحريتنا كما نريد، لا كما يراد لنا".

font change