كاتبات عربيات يخضن غمار أدب الرحلة بحثا عن الذات في مرآة الآخر

حين تتقاطع تفاصيل الحياة اليومية مع أسئلة الهوية والانتماء

كاتبات عربيات يخضن غمار أدب الرحلة بحثا عن الذات في مرآة الآخر

عرف الأدب العربي أدب الرحلة منذ وقت مبكر، وقد شكل هذا الفن إحدى أهم المساحات التي التقت فيها المعرفة الجغرافية بالتأمل الثقافي، والسرد الذاتي بوصف العالم. وبرز في هذا السياق عدد من الرحالة الذين خلدوا أسفارهم في مؤلفات أصبحت من أعمدة التراث، مثل ابن بطوطة في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، والمسعودي في "مروج الذهب"، حيث امتزج وصف الأمكنة بسرد تاريخها وتحليل طبائع أهلها.

وفي العصر الحديث، ومع بدايات الاحتكاك بأوروبا، جاء كتاب رفاعة الطهطاوي، "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، ليؤسس لمرحلة جديدة، تقوم على المقارنة بين الشرق والغرب، وعلى إعادة النظر في الذات من خلال الآخر. ومع تطور وسائل النقل وسهولة السفر، لم يعد أدب الرحلة حكرا على الرحالة، بل أصبح متاحا لعدد واسع من الكتاب، مما أفقده شيئا من خصوصيته، وحوله في كثير من الأحيان إلى تسجيل انطباعات عابرة.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت عودة لافتة الى هذا الفن، ولكن عبر مسار مختلف، تقوده هذه المرة أصوات نسائية عربية، أسبغت وجها مختلفا على أدب الرحلة، لا باعتباره وصفا للأماكن فحسب، بل بوصفه تجربة مركبة، تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التأمل الثقافي، والذاكرة مع الجغرافيا. ولم تعد الرحلة انتقالا مكانيا فقط، بل تحولت إلى مساحة لاختبار الذات، وإعادة التفكير في الهوية، وفي علاقة الفرد بالعالم.

يتقدم البعد الأخلاقي في الكتابة، حيث لا يصبح التوثيق غاية في ذاته، بل مسؤولية، خاصة حين يتعلق الأمر بذاكرة حرب لم تندمل آثارها بعد

ولا تبدو هذه العودة النسائية إلى أدب الرحلة مجرد مصادفة زمنية، بقدر ما تعكس تحولا في طبيعة الكتابة ذاتها، إذ لم يعد الهدف من الرحلة تسجيل الغرابة أو الدهشة كما في النماذج الكلاسيكية، بل مساءلة التجربة، وفهم الذات في مواجهة الآخر. فهؤلاء الكتابات لا يمضين إلى المكان بوصفه موضوعا، بل بوصفه مرآة، تنعكس فيها أسئلة الهوية والانتماء والاختلاف الثقافي. ومن هنا، فإن ما يجمع بين هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، هو انتقال أدب الرحلة من كونه أدب "وصف العالم" إلى كونه أدب "اختبار الوعي"، حيث لا يكون المكان هو الغاية، بل الأثر الذي يتركه في الذات الكاتبة.

حنان سليمان… الكتابة بوصفها استعادة للذاكرة

في كتابها "رحلة في ذاكرة الحرب.. البوسنة والهرسك" الصادر عن "دار كتوبيا"، مطلع عام 2026، والحاصل على تنويه جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2024، تقدم الكاتبة المصرية حنان سليمان تجربة مختلفة، تنطلق من دافع شخصي يرتبط بذاكرة الطفولة، حين تابعت أخبار حرب البوسنة، ولا سيما مذبحة سربرنيتسا التي ظلت عالقة في وعيها.

ELVIS BARUKCIC / AFP
مقبرة كوشيفو لضحايا الحرب في سراييفو، 19 مارس 2019، وقد أُنشئت على أرض ملعب مساعد بجوار القاعة الأولمبية "زيترا"

تسافر الكاتبة إلى سراييفو، لا بوصفها وجهة سياحية، بل بوصفها موقعا لذاكرة مثقلة، وتحاول عبر رحلتها أن تعيد تركيب تلك الذاكرة في ضوء ما تراه وتتعرف اليه. تصف المدينة بوصفها "قدس أوروبا"، حيث يلتقي فيها المسلمون مع الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، في تداخل حضاري معقد، غير أن هذا التعايش يخفي خلفه تاريخا من الصراعات والتحولات.

تقسم حنان سليمان كتابها أكثر من ثلاثين فصلا قصيرا، ولكنها تحرص على أن تقدم في كل فصل عددا من المعلومات والأفكار الشديدة الأهمية والثراء في كل ما يتعلق بالمنطقة والمكان والمدن، فنتعرف إلى عدد من المتاحف والمزارات التاريخية هناك، وكيف وثق البوسنيون فترة تلك الحرب القاسية بكل شكل ممكن، وبعض تلك المشاهد والآثار تبدو شديدة الغرابة، ومنها نفق سراييفو السري الذي بناه الجيش البوسني، فترة الحصار عام 1993، وتمكنوا من خلاله من تهريب نحو 100 ألف طن من الغذاء، فضلا عن متحف أطفال الحرب، وجبل إيجمان، وغيرها من الأماكن التي تحولت إلى شواهد على الذاكرة الجماعية.

تتحول الرحلة إلى أداة كشف، تعيد إلى أدب الرحلة وظيفته المعرفية، بوصفه وسيلة لفهم العالم، لا لتجميله

وفي هذا السياق، تكتسب تجربتها أهمية خاصة، لأنها تعيد تعريف الرحلة بوصفها فعل استعادة، لا اكتشافا. فهي لا تذهب إلى البوسنة لتراها للمرة الأولى، بل لتواجه صورة قديمة عنها، تشكلت في وعيها، وتحاول تفكيكها وإعادة بنائها. وهنا، يتقدم البعد الأخلاقي في الكتابة، حيث لا يصبح التوثيق غاية في ذاته، بل مسؤولية، خاصة حين يتعلق الأمر بذاكرة حرب لم تندمل آثارها بعد.

كما تضيف الكاتبة بعدا بصريا وتقنيا لكتابها، من خلال الصور واستخدام "اليو آر كود"، مما يتيح للقارئ الانتقال من النص إلى الواقع، ويجعل التجربة أكثر تفاعلية.

سناء شعلان… الرحلة كأداة كشف ومساءلة

في كتابها "الطريق إلى كريشنا" الصادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" عام 2023، والحاصل على جائزة ابن بطوطة في الرحلة المعاصرة لعام 2022، تقدم الكاتبة الأردنية سناء شعلان تجربة مختلفة، تبتعد عن النمط التقليدي لأدب الرحلة، لتقترب من الكتابة التحليلية النقدية.

تنطلق الرحلة إلى الهند وكشمير برفقة والدتها، في تجربة تجمع بين البعد الإنساني والعائلي، غير أن النص سرعان ما يتخذ منحى مختلفا، حيث لا تنشغل الكاتبة بوصف الجمال بقدر ما تتوقف عند المأساة، خاصة في إقليم كشمير، الذي تصفه باعتباره جنة محروقة بفعل الصراعات السياسية.

ترصد الكاتبة التناقضات الحادة في المجتمع الهندي، حيث تتجاور الفخامة مع الفقر المدقع، وتظهر مشاهد التشرد والبؤس في قلب المدن الكبرى، بما يكشف عن فجوة عميقة بين الصورة التي تروجها السينما الهندية، والواقع اليومي.

Ludovic MARIN / AFP
أشخاص يستمتعون بالمنظر ونسيم البحر على كورنيش مارين درايف في مومباي، 16 فبراير 2026

كما تتناول التوترات الدينية، خاصة ما يتعرض له المسلمون، مشيرة إلى دور الإعلام في تأجيج هذه الصراعات، وتحويل الخلافات الفردية إلى نزاعات جماعية. وفي هذا السياق، تعبر عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية، وتأثيره على النسيج الاجتماعي.

وفي مقابل هذا الوجه القاتم، لا تغفل الكاتبة الجانب الروحي، فتتوقف عند حضور التصوف، والمزارات، وطقوس التقديس التي تحيط بالشخصيات الدينية، وهو ما يفسر اختيارها لعنوان "كريشنا"، بوصفه رمزا للحب والروحانية في الثقافة الهندوسية.

لم تعد الرحلة فعلا فرديا، بل هي مشروع ممتد، يتراكم عبر الزمن، ويبنى كذاكرة متصلة

وتتميز هذه التجربة بجرأتها في مواجهة الواقع، حيث لا تبحث عن الجمال بوصفه هدفا، بل عن الحقيقة، حتى وإن كانت صادمة. وهنا، تتحول الرحلة إلى أداة كشف، تعيد إلى أدب الرحلة وظيفته المعرفية، بوصفه وسيلة لفهم العالم، لا لتجميله.

نهى عودة… الرحلة كذاكرة ممتدة ومشروع شخصي

تقدم الكاتبة المصرية نهى عودة، وهي مهندسة معمارية، تجربة مختلفة في أدب الرحلة، لا تقوم على كتاب واحد، بل على مشروع ممتد بدأته منذ عام 2022، وتواصل عبر  إصدارات عدة، كان أحدثها"حائط الذكريات" الصادر عن "دار كتوبيا" عام 2025.

في كتابها الأول "رفيقا طريق"، تنطلق من الإسكندرية، لا بوصفها نقطة جغرافية، بل ذاكرة أولى لتشكل الوعي بالجمال والمكان. تستعيد بدايات الرحلات الجامعية، والانفتاح التدريجي على العالم، قبل أن تنتقل إلى مدن أخرى مثل البندقية، حيث ترصد تفاصيل ميدان سان ماركو، والعمارة البيزنطية، وتاريخ كاتدرائية سان ماركو، في كتابة تمزج بين السرد الشخصي والمعرفة التاريخية.

وتمتد تجربة الكاتبة إلى آسيا، فتزور سري لانكا، وتتنقل بين مدنها الطبيعية والتاريخية، مثل كاندي وشلالات هوناس، في رحلة تجمع بين المشاهدة والتوثيق، مدعومة بالصور التي تمنح النص بعدا بصريا.

في "رسائل البحر"، تتخذ الكتابة شكلا أكثر حميمية، إذ تتحول الرحلة إلى خطاب موجه إلى الزوج، فتكتب عن الأماكن بوصفها تجارب مشتركة، وتربط بين الحاضر وذاكرتهما المشتركة. وهنا، لا تعود الرحلة مجرد انتقال، بل تصبح وسيلة لإعادة بناء العلاقة مع المكان عبر الذاكرة والعاطفة.

أما في "حائط الذكريات"، فتبلغ تجربتها مستوى أكثر نضجا، حيث تسافر إلى اليابان برفقة أطفالها، لتقدم نصا يجمع بين السرد الشخصي والتحليل الثقافي والمعماري. ترصد تفاصيل الحياة اليابانية، من النظام والنظافة إلى التوازن بين الطبيعة والتكنولوجيا، كما تتوقف عند المعالم التاريخية مثل برج ريونكاكو، وتعود إلى سياقه المعماري والتاريخي.

Yuichi YAMAZAKI / AFP
أشخاص يسيرون أمام متاجر في منطقة أساكوسا في طوكيو، ويظهر برج "طوكيو سكاي تري" في الخلفية، 21 فبراير 2025

وتكشف هذه التجربة عن تحول مهم في أدب الرحلة، إذ لم تعد الرحلة فعلا فرديا، بل مشروع ممتد، يتراكم عبر الزمن، ويبنى كذاكرة متصلة. كما أن حضور الأطفال يمنحها بعدا تربويا، فتتحول الرحلة إلى وسيلة لبناء وعي جديد، لا مجرد تجربة عابرة.

عائشة بلحاج… باريس بوصفها تجربة حرية وكتابة

في كتابها "على جناح الدراجة: من طنجة إلى باريس" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2023)، الحاصل على جائزة ابن بطوطة في الرحلة المعاصرة، تقدم الشاعرة والإعلامية المغربية عائشة بلحاج تجربة مختلفة في أدب الرحلة، فتكتب المكان لا بوصفه جغرافيا، بل حالة شعورية.

ليست باريس في كتاب عائشة بلحاج مجرد مدينة، بل تجربة شعورية وثقافية، تتقاطع فيها الحرية مع الذاكرة، والجمال مع الكتابة

تنطلق الكاتبة من علاقتها بمدينة باريس، التي لا تظهر في نصها كوجهة سياحية، بل كفضاء رمزي للحرية، خاصة في علاقتها بوضع المرأة. فهي تقيم مقارنة ضمنية بين تجربتها في المجتمع المغربي، رغم ما يتيحه من مساحات، وما تمنحه المدينة الأوروبية من شعور بالانعتاق، فتصف نفسها وهي تمشي في شوارع باريس كـ"كائن بشري عابر"، لا تلاحقه نظرات ولا تقيده أحكام.

هذا الإحساس بالتحرر لا يأتي في النص بوصفه شعارا، بل يتجلى في تفاصيل صغيرة: الجلوس في المقاهي، التجول وحيدة، مراقبة الناس، والانخراط في إيقاع المدينة دون خوف. وهنا تتحول الرحلة إلى تجربة وجودية، تختبر فيها الكاتبة علاقتها بجسدها، وبالفضاء العام، وبالآخر.

LIONEL BONAVENTURE / AFP
امرأة تقف إلى جانب دراجة هوائية عند شروق الشمس على ضفاف نهر السين في باريس، 18 أكتوبر 2016

لكن بلحاج لا تكتفي بهذا البعد الشخصي، إنما تنفتح على الذاكرة الثقافية للمدينة، فتربط تجربتها بحضور باريس في الأدب العالمي والعربي، مستحضرة أسماء كتاب وشعراء مروا بها أو كتبوا عنها، من رفاعة الطهطاوي إلى أدونيس، مرورا بكاتبات مثل سيمون دو بوفوار ومارغريت دوراس، حيث تتحول المدينة إلى نص ثقافي مركب.

كما تتوقف عند معالم فنية وثقافية، مثل متحف اللوفر و"غاليري فيفيين"، بوصفها فضاءات حية للفن، وتقرأها بعين الشاعرة التي تبحث عن الجمال في التفاصيل، لا في العناوين الكبرى.

ويكتسب النص بعدا إضافيا من خلال انشغال الكاتبة بسؤال الكتابة النسوية، حيث تربط بين تجربتها وتجارب كاتبات عربيات وغربيات حاولن التعبير عن ذواتهن بحرية، مثل فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي، مما يجعل الرحلة امتدادا لسؤال أوسع حول موقع المرأة في العالم.

في هذا المعنى، لا تكون باريس في كتاب عائشة بلحاج مجرد مدينة، بل تجربة شعورية وثقافية، تتقاطع فيها الحرية مع الذاكرة، والجمال مع الكتابة، لتصبح الرحلة فعلا من أفعال إعادة تعريف الذات.

مي مجدي… الغربة بوصفها معرفة

في كتابها "أديس… يوميات مصرية في إثيوبيا" (دار غايا، 2025)، تقدم الكاتبة المصرية مي مجدي تجربة قائمة على المعايشة الطويلة، إذ تقيم عاما كاملا في أديس أبابا ضمن بعثة تطوعية.

تكتب مجدي يومياتها من الداخل، حيث تتقاطع تفاصيل الحياة اليومية مع أسئلة الهوية والانتماء. تبدأ الرحلة بإحساس بالغربة، يتجلى في الوحدة وصعوبة التأقلم، خاصة خلال شهر رمضان، قبل أن تعيد بناء علاقتها بالمكان من خلال الصداقات والتجارب اليومية.

REUTERS/Tiksa Negeri
مركبات تسير على طريق بولي في أديس أبابا، إثيوبيا، 19 ديسمبر 2025

وإذا كانت تجربة حنان سليمان تقوم على استعادة ذاكرة بعيدة، فإن تجربة مي مجدي تنتمي إلى زمن الحاضر المباشر، حيث تتشكل الكتابة من الاحتكاك اليومي، لا من التأمل اللاحق. وهذا ما يمنح نصها طابعا حيويا، إذ لا نكون أمام "نتيجة" الرحلة، بل أمام تشكلها لحظة بلحظة.

تطرح الكاتبة سؤالا مهما حول نظرة الإثيوبيين إلى المصريين في ظل التوتر السياسي، لتكشف أن العلاقات الإنسانية غالبا ما تتجاوز هذه التوترات

كما تكشف هذه التجربة عن بعد مهم في أدب الرحلة المعاصر، يتمثل في تفكيك الصور النمطية بين الشعوب، حيث تتحول الرحلة إلى مساحة لإعادة النظر في الأحكام المسبقة. وتطرح الكاتبة سؤالا مهما حول نظرة الإثيوبيين إلى المصريين في ظل التوتر السياسي، لتكشف أن العلاقات الإنسانية غالبا ما تتجاوز هذه التوترات.

ولا تقتصر الرحلة على إثيوبيا، بل تمتد إلى تنزانيا وزنجبار، فترصد التداخل الثقافي، وتقدم ملاحظات نقدية حول السياحة والاستغلال.

font change