في كل مرحلة مفصلية من تاريخ هذا الشرق، لا تُطرح الأسئلة الكبرى على الدول فحسب، بل على الجماعات أيضا. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن التحولات الإقليمية الكبيرة والمتسارعة لا تحتمل قراءة سطحية أو سرديات عاطفية.
نحن أمام شرق أوسط يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث تتبدل التحالفات، وتتقاطع المصالح، وتُعاد صياغة موازين القوى. وفي مثل هذا السياق، يستعيد المثل الشعبي البسيط معناه العميق: "عند اختلاف الدول، احفظ رأسك".

غير أن "حفظ الرأس" لا يعني فقدان البوصلة، ولا التحول إلى مشاريع عابرة للحدود، ولا التخلي عن الهوية. بل يعني، ببساطة، اعتماد خيار الحياد الذكي، مع التمسك بالثوابت الرئيسة: الانتماء إلى الأرض– أي الجغرافيا. والحفاظ على الإرث- أي التاريخ والدور.
الدور التاريخي للدروز: جغرافيا صنعت السياسة
لم يكن الدور التاريخي للدروز يوما نتاج نزعة انعزالية أو مشروع خاص، بل كان انعكاسا مباشرا لموقعهم الجغرافي في قلب التفاعلات الكبرى. من جبل لبنان إلى جبل العرب، كانوا دائما جزءا من الفضاء العربي الواسع، يتفاعلون معه ويؤثرون فيه.
هذا الانتماء لم يكن يوما انغلاقياً أو أيديولوجياً ضيقاً، بل أقرب إلى ما وصفه كمال جنبلاط بـ"العروبة الحرة المنفتحة"؛ عروبة ترفض الذوبان في "السجن العربي الكبير"، أي الارتهان للأنظمة، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن البعد الحضاري والإنساني للمذهب التوحيدي.
هذا الإرث ليس طارئا، بل يعود إلى جذور الدعوة نفسها التي بدأت في زمن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، حيث كان دعاة حمزة بن علي ينتمون إلى كبرى القبائل العربية، مثل: أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي، وأبو عبد الله محمد بن وهب القرشي، وأبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري، إضافة إلى القائد السياسي والعسكري البارز الشيخ بهاء الدين الطائي السموقي. أي إنهم ينتمون إلى كبرى القبائل العربية (بني تميم، قريش، السوامرة، بني طي). والدروز أنفسهم يعودون بنسبهم الى قبائل كالبحتريين والتنوخيين والأرسلانيين والحمدانيين على سبيل المثال.
ومنذ ذلك الحين، تشكّل الوعي الدرزي على مزيج من الانتماء العربي، والخصوصية الروحية، والبرغماتية السياسية.
بين الحقيقة والتضليل: هل خاض الدروز مغامرات؟
خلافا لما يروج له البعض، لم يكن الدروز يوما أهل مغامرات عسكرية أو مشاريع توسعية أو أداة لمشاريع تقسيمية. تاريخهم الحديث يثبت أنهم لم ينخرطوا في القتال إلا عندما كان وجودهم مهددا بشكل مباشر.
في ثمانينات القرن الماضي، جاءت معارك الجبل في لبنان في سياق صراع وجودي ولتثبيت حرية وانتماء لبنان العربي. وفي عام 2008، انتهت المواجهة العسكرية السريعة مع "حزب الله" بإعادة التموضع السياسي نحو الوسطية، في ظل الانقسام السياسي الحاد آنذاك بين معسكري 8 و14 مارس/آذار، في خطوة عكست برغماتية واضحة وبعدا عن الصدامات العسكرية.
في مقابل ذلك، وإذا أردنا الحديث عن "المغامرات السياسية والعسكرية" وأثرها على الجماعة، فمن الأجدر النظر إلى نماذج أخرى في المنطقة. فخلال العقدين الماضيين، تورّط "حزب الله" على سبيل المثال في ثلاث حروب إقليمية تحت شعارات مختلفة: دعما لنظام الأسد في سوريا، ونصرة لغزة، وإسنادا لإيران.
جنوب سوريا 2025: التخلي عن الإرث التاريخي
ما جرى في جنوب سوريا صيف عام 2025، وبعيدا عن التوصيف والمسؤولية، يشكّل مثالا واضحا على خطورة الانحراف عن النهج التاريخي للموحدين. فعوض الدخول في تسوية سياسية تاريخية في لحظة مفصلية شديدة الحساسية، اختار بعض القيادات الدرزية– وباعترافها– الانخراط في مشروع إسرائيلي غير واضح المعالم. النتيجة كانت كارثية على الدروز: خسائر بشرية كبيرة، احتلال قرى، تهجير واسع، سقوط مبدأ حماية الجماعة... والأهم: ضرب للصورة الوطنية الجامعة التي جهد الدروز في بنائها عبر عقود.
أما الأخطر من ذلك فهو تدمير الإرث التاريخي الكبير لدروز سوريا... واختزاله بتجربة تشبه إلى حدّ كبير ما كان يُعرف بـ"جيش لبنان الجنوبي"، أي دور حرس الحدود الذي حمى المستوطنات الإسرائيلية أواخر القرن الماضي، وما سيحمله ذلك من تداعيات أخلاقية وسياسية في المستقبل.
القومية الدرزية: مشروع لضرب الهوية الحضارية التاريخية الأصيلة
تزامنت هذه الأحداث مع محاولة منهجية من قبل دولة إسرائيل للتأسيس لما يُسمى "القومية الدرزية".
كما تقاطعت مع "نهضة درزية مزعومة" برزت بشكل خاص من خلال ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تنبع من تطور طبيعي داخل المجتمع، بل كانت الجزء المكمّل لمشروع سياسي يسعى إلى توظيف الواقع الجغرافي للدروز– خصوصا في جنوب سوريا وجبل الشيخ– خدمة لأجندات تفاوضية إسرائيلية مرحلية.
