وساطة مصرية بين واشنطن وأسمرة... محاصرة النفوذ الإثيوبي

تسعى القاهرة إلى كسب دعم الولايات المتحدة في الصراع الدائر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر

أ ف ب
أ ف ب
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (في الوسط) وهو يتحدث مع نظيره الإريتري عثمان صالح محمد (على اليسار) ونظيره الصومالي أحمد معلم الفقي (على اليمين) خلال اجتماعهم في القاهرة في 11 يناير 2025

وساطة مصرية بين واشنطن وأسمرة... محاصرة النفوذ الإثيوبي

تضطلع مصر بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإريتريا، في إطار جهد دبلوماسي قد يترك أثرا خطيرا خلال الفترة المقبلة.

وفي منتصف أبريل/نيسان، استضافت القاهرة لقاءً جمع كبير مستشاري الشؤون الأميركية، مسعد بولس، مع وفد إريتري رفيع المستوى، وذلك في مسعى لتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على إريتريا منذ عام 2021، أو رفعها بالكامل.

وترأس الوفد الإريتري هاجوس غِبْرِهيوِت، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه مهندس السياسات الاقتصادية للرئيس الإريتري أسياس أفورقي. كما يشغل غِبْرِهيوِت منصب رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية في "حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة" الحاكم.

جاء اجتماع القاهرة امتدادا للقاء سابق عُقد في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2025 بين بولس ووزير الخارجية الإريتري عثمان صالح. وقد أشار ذلك اللقاء إلى جهد استمر أشهرا من جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة الانخراط مع إريتريا، البلد الذي ظل طويلا في عزلة دبلوماسية.

وبهذا الدور، تقدم مصر دعما للطرفين؛ إذ تمنح إريتريا فرصة للخروج من عزلتها، وتتيح في الوقت ذاته للولايات المتحدة إمكانية استقطاب أسمرة إلى دائرة نفوذها، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

غير أن التدقيق في هذا الدور يكشف أنه يخدم بالأساس المصالح الاستراتيجية للقاهرة في المنطقتين، وهي مصالح واجهت تحديات جسيمة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع مصر إلى توظيف مختلف أدواتها الدبلوماسية والعسكرية، ومن ضمنها نشر قوات في القرن الأفريقي.

عدوّ عدوّي

تعمل القاهرة منذ فترة على تعزيز علاقاتها مع أسمرة، في إطار مسعى أوسع لتشكيل تحالف إقليمي جديد في القرن الأفريقي. ويستهدف هذا التحالف، بالدرجة الأولى، حماية المصالح المصرية في هذه المنطقة الحيوية في مواجهة الطموحات الإثيوبية المتنامية، التي يُنظر إليها في القاهرة باعتبارها تهديدا مباشرا. وقد ضم هذا التكتل، حتى الوقت الحاضر، إلى جانب إريتريا، كلا من الصومال وجيبوتي.

سعت مصر إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، خصوصا خلال فترات الجفاف، غير أن هذه الجهود تعثرت وسط خلافات متواصلة بين الطرفين

في بناء هذا التحالف، سعت مصر إلى حد كبير إلى الإفادة من التوترات الجيوسياسية والخصومات التاريخية التي طالما طبعت علاقات أديس أبابا بجيرانها، ولا سيما إريتريا والصومال.

ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع القاهرة للولايات المتحدة على رفع العقوبات المفروضة على إريتريا، أو حتى تخفيفها، يحمل رسالة واضحة إلى أسمرة مفادها أن التحالف مع مصر قد يحقق مكاسب ملموسة. فقد أسهمت العقوبات الأميركية في تعميق عزلة إريتريا الاقتصادية، وقيّدت وصولها إلى الأنظمة المالية، كما حدّت من حصولها على المساعدات العسكرية الخارجية.

ومن شأن رفع هذه العقوبات أو تخفيفها أن يسهم، على المدى المتوسط، في تحسين الأوضاع الاقتصادية لإريتريا، ويتيح لجيشها الوصول مجددا إلى مصادر الدعم العسكري الخارجي، فضلا عن إعادة دمجها في النظام المالي الدولي. وهو الأمر الذي قد يعزز قدرتها على مواجهة إثيوبيا، ويدعم، بالتبعية، التحالف الإقليمي الذي تسعى القاهرة إلى ترسيخه في مواجهة أديس أبابا.

عداء مستحكم

تتجذر العداوة بين مصر وإثيوبيا في التهديدات التي ترى القاهرة أن هذا البلد يشكلها لأهم شريانين حيويين لها: نهر النيل والبحر الأحمر. فقد أثار بناء إثيوبيا سدا ضخما على النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل الذي يمد مصر بأكثر من 90 في المئة من احتياجاتها المائية، مخاوف جدية بشأن أمن مصر المائي، وفاقم أزمة الفقر المائي التي تعانيها البلاد.

الرئاسة المصرية
الرئيس عبد الفتاح السيسي، يستقبل مسعد بولس كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأميركية للشؤون العربية والأفريقية

وقد أدى السد، الذي افتتح رسميا في سبتمبر/أيلول 2025، إلى تقليص كميات كبيرة من تدفقات المياه، ومنح إثيوبيا قدرا أكبر من التحكم في تدفق النيل نحو مصر والسودان، الأمر الذي ضاعف المخاوف في القاهرة من انعكاساته على الأمن المائي والأراضي الزراعية.

وعلى مدى أكثر من عقد، سعت مصر إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، خصوصا خلال فترات الجفاف، غير أن هذه الجهود تعثرت وسط خلافات متواصلة بين الطرفين، في وقت تمضي فيه أديس أبابا في ترسيخ واقع السد على الأرض. كما زادت خطط إثيوبيا لبناء سدود إضافية من حدة القلق المصري إزاء نواياها المستقبلية.

وتعززت هذه المخاوف في يناير/كانون الثاني 2024، حين وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال، في خطوة تمهد لاحتمال الاعتراف به، وتفتح الباب أمام ترتيبات تمنح أديس أبابا منفذا بحريا على سواحل الإقليم، الأمر الذي أثار جدلا إقليميا واسعا.

يبدو أن القاهرة، من خلال اضطلاعها بدور الوسيط بين واشنطن وأسمرة، تسعى إلى كسب دعم الولايات المتحدة في صراع النفوذ الدائر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر

وبموجب هذه التفاهمات، تسعى إثيوبيا إلى الحصول على موطئ قدم بحري على سواحل أرض الصومال، بما يمنحها وصولا إلى البحر الأحمر للمرة الأولى منذ استقلال إريتريا عنها عام 1993، وهو الحدث الذي حوّلها إلى دولة حبيسة.

وترى مصر، التي تتبنى سياسة ثابتة ترفض تدخل الدول غير المطلة على البحر الأحمر في شؤونه، أن أي وجود إثيوبي على هذا الساحل قد يفاقم التوترات الإقليمية، خصوصا في ظل علاقاتها المتوترة مع أديس أبابا وتشابك تحالفات الأخيرة مع قوى إقليمية أخرى، ولا سيما إسرائيل.

حصارٌ مُحكم

تخشى مصر أن تؤدي طموحات إثيوبيا في التحكم بتدفقات النيل وسعيها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر إلى إلحاق ضرر بالغ بمصالحها الحيوية.

وفي مواجهة ذلك، تبنّت القاهرة نهجا يقوم على الضغط غير المباشر بدلا من المواجهة المباشرة، عبر تعزيز نفوذها في دول الجوار الإثيوبي، وهو الأمر الذي فتح المجال أمام توثيق تحالفاتها مع كلٍّ من إريتريا والصومال.

وتُمارس مصر هذا الضغط من خلال تكثيف حضورها في هاتين الدولتين، بما يعزز وجودها في محيط إثيوبيا المباشر، في محاولة لتطويق نفوذ أديس أبابا وردع أي تحركات قد تهدد المصالح المصرية.

أ ف ب
يقوم أحد أعضاء المنظمة الدولية للهجرة بتفقد حطام قارب مهجور انقلب أثناء محاولته نقل مهاجرين إلى اليمن عبر ما يسمى بالطريق الشرقي في شاطئ جيهيري، بالقرب من أوبوك، جيبوتي، في 12 أبريل 2026

وفي الحالة الإريترية، يقوم التحالف مع القاهرة على تعاون دفاعي مشترك وشراكة اقتصادية متنامية. وقد هدفت زيارة الوفد الإريتري إلى القاهرة في منتصف أبريل/نيسان إلى دفع هذا التعاون قدما. كما أبرمت مصر اتفاقا لتطوير ميناء عصب على البحر الأحمر.

أما في الصومال، فيستند التعاون إلى اتفاقية دفاعية تتيح نشر قوات مصرية على الأراضي الصومالية، مع خطط لإرسال تعزيزات إضافية ضمن مهمة لحفظ السلام تابعة للاتحاد الأفريقي.

كما وقّعت مصر اتفاقية لتطوير ميناء دوراله في جيبوتي، الذي يُعد شريانا رئيسا للتجارة الإثيوبية. وتنظر إثيوبيا إلى ميناء عصب كأحد المسارات المحتملة لاستعادة منفذ بحري، في حين يستحوذ ميناء دوراله على الجزء الأكبر من تجارتها الخارجية. غير أن تنامي الحضور المصري في هذين المرفقين يمنح القاهرة نفوذا متزايدا في نقاط حيوية تؤثر على حركة التجارة الإثيوبية.

استمالة واشنطن

يبدو أن القاهرة، من خلال اضطلاعها بدور الوسيط بين واشنطن وأسمرة، تسعى إلى كسب دعم الولايات المتحدة في صراع النفوذ الدائر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي طرح سابقا مبادرة للتوسط في نزاع سد النيل بين مصر وإثيوبيا، قد أبدى في أكثر من مناسبة تعاطفا مع الموقف المصري، مسلطا الضوء على التداعيات المحتملة للسد على إمدادات المياه في مصر.

في المقابل، تكتسب إريتريا أهمية متزايدة بالنسبة لواشنطن، في ظل مساعيها لاحتواء النفوذ الإيراني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث تعتمد طهران على حلفائها، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن، للتأثير في حركة الملاحة الدولية.

يمكن أن يخدم تحالف مصر مع واشنطن هدفا آخر مهماً، يتمثل في تقليص هامش تحرك إسرائيل في المنطقة

وقد أعادت التوترات الإقليمية، بما في ذلك المواجهات المرتبطة بإيران والتداعيات التي طالت مضيق هرمز، تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية.

 وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى الاستفادة من التحركات الأميركية الرامية إلى تقليص النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها قناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة وهجمات الحوثيين.

كما يزيد من تعقيد المشهد سعي إيران إلى تعزيز حضورها على الساحل السوداني للبحر الأحمر، مستفيدة من هشاشة الوضع الداخلي في السودان، وهو الأمر الذي يضفي مزيدا من الإلحاح على التنسيق المصري–الأميركي في هذا الملف.

يمكن أن يخدم تحالف مصر مع واشنطن في هذا السياق هدفا آخر مهماً، يتمثل في تقليص هامش تحرك إسرائيل في المنطقة، لا سيما في ظل تأكيدات تل أبيب بأن أي خطوات تتعلق بالاعتراف بإقليم "صومالي لاند" أو بوجود عسكري محتمل على سواحل البحر الأحمر تندرج ضمن جهودها لردع التهديدات الإيرانية للملاحة في البحر الأحمر.

لذا، تبدو حسابات القاهرة قائمة على أنه، في حال نجحت في حشد دول تحالفها في القرن الأفريقي لدعم الجهود الأميركية الرامية إلى احتواء إيران، فقد يتراجع مبرر الحاجة إلى أي وجود إسرائيلي في المنطقة، لا سيما في ظل معارضة الدول الساحلية لهذا النوع من الحضور.

font change

مقالات ذات صلة