حين تقف اليوم أمام آثار مملكة الأنباط، وتتأمل تلك الواجهات الصخرية الهائلة المنحوتة في جبال العلا ومدائن صالح، تشعر أنك أمام حضارة مدهشة تتحدى عوامل الزمن، وصروف الدهر. هذه المملكة التي صمدت آثارها آلاف السنين، وظلت شاهدا عمرانيا مهيبا على قدرتها الفنية والهندسية، تخفي خلف هذا الإبهار قصة أعمق وأبعد أثرا. فمن بين هذه الصخور والنقوش، حدث واحد من أعظم التحولات الثقافية في تاريخ العرب، بل في تاريخ الكتابة الإنسانية، ألا وهو ولادة "الخط العربي".
فما الصلة بين مملكة الأنباط وهذا الخط الذي سيصبح لاحقا لغة لحضارات عالمية، حاملا لنصوص خالدة، وأداة فن وجمال أثرت في العالم؟
الجذور الأولى
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الرجوع إلى ما قبل الأنباط أنفسهم، إلى الجذور البعيدة للكتابة الأبجدية في المشرق القديم. فالأبجدية الفينيقية، التي ظهرت في الساحل الشرقي للمتوسط في الألف الأول قبل الميلاد، تمثل اللحظة التأسيسية التي خرجت منها معظم الأبجديات السامية.
كانت هذه الأبجدية ثورة في تبسيط الكتابة، إذ اختزلت النظام الصوتي في عدد محدود من الرموز، وجعلت الكتابة أكثر قابلية للانتشار. ومن هذه الأبجدية تفرعت الآرامية، التي سرعان ما تحولت إلى لغة الإدارة والثقافة في الإمبراطوريات الشرقية، من الأخمينيين وغيرهم، حاملة معها نظاما كتابيا واسع الانتشار، يتميز بالمرونة والقدرة على التكيف.




