من الخليج إلى العالم... السعودية تؤمّن شرايين الطاقة والتجارة

لعبت دورا مميزا في ضمان إستمرار إمدادات النفط والغاز والمواد الأولية

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
حقول الغاز التابعة لشركة "أرامكو" في مدينة ينبع، السعودية، 6 يناير 2004

من الخليج إلى العالم... السعودية تؤمّن شرايين الطاقة والتجارة

منذ بداية حرب إيران، تجلى الدور المميز الذي لعبته المملكة العربية السعودية في مواجهة الإعتداءات التي مارستها طهران على دول الخليج. وظهر ذلك في التفاعل السريع للإدارة السعودية مع متطلبات دول الخليج المتضررة من الاعتداءات الإيرانية، مثل فتح المطارات والموانىء وتوفير سلاسل الإمداد للمواد الغذائية والاستهلاكية والاستجابة السريعة لمتطلبات العالم من النفط وتشغيل خط الأنابيب شرق – غرب وتصدير 7 ملايين برميل نفط يوميا من ميناء ينبع.

تسجل هذه الإنجازات للسعودية وإدارتها في المرحلة الدقيقة الراهنة، إذ وفرت البنى المؤسسية والتحتية التي تتحمل هذه الأعباء. وقد تعرضت المنشآت الحيوية في السعودية لاعتداءات من قبل إيران بواسطة المسيرات والصواريخ البالستية، مثل ما حدث في الإمارات وقطر والكويت والبحرين، وإلى درجة ما سلطنة عمان.

وتمكنت الدفاعات الجوية السعودية من حماية المنشآت المدنية والنفطية والمعسكرات الحربية. يضاف إلى ذلك أن السعودية قادت حملة ديبلوماسية للتنسيق بين دول الخليج، ودفع العديد من الدول لاتخاذ مواقف مناهضة للاعتداءات الإيرانية التي أدخلت دول المنطقة في نطاق حرب لم تخترها وبذلت جهودا مضنية لعدم اشتعالها.

أدى تعطل الملاحة في الخليج العربي إلى توقف وصول الإمدادات من السلع الغذائية والأسمدة وغيرها من المواد الحيوية، بالإضافة إلى وقف تصدير النفط من موانئ الخليج. وأطلقت المملكة "برنامج المسارات اللوجستية" لتوفير ممرات تشغيلية إضافية لاستقبال الحاويات في موانئ البحر الأحمر ونقلها برا إلى مختلف دول المنطقة.

عزز ضخ النفط عبر خط أنابيب شرق-غرب إمكانات التصدير من ميناء ينبع على البحر الأحمر، وبذلك، ظل شريان الإمدادات النفطية فاعلا على الرغم من الاعتداءات الإيرانية

وفي هذا السياق، يشير الخبراء إلى ارتفاع أحجام الشحن الواردة إلى ميناء جدة بنسبة 40 في المئة منذ بدء الحرب. وعززت فاعلية المنافذ البرية وتمكينها من استقبال الآف الشاحنات المحملة المواد الأساسية لضمان العرض من السلع في الأسواق المختلفة في دول المنطقة. وفي هذا المجال تم تطوير جسر بري وسكك حديد لنقل الحاويات من موانئ الساحل الغربي، مثل ميناء جدة إلى المنافذ الشرقية ومنافذ الدول الخليجية. وأكدت الأزمة أن السعودية فعلت اتفاقيات وبروتوكولات عديدة أبرِمها سابقا مجلس التعاون الخليجي، وأظهرت أهمية التنسيق والتكامل الاقتصادي بين هذه الدول.

وقد يكون من أهم هذه البروتوكولات ما يتعلق بالممرات الخضراء لتسريع نقل البضائع وتذليل كل المعوقات والمصاعب الإدارية والجمركية. وشهد النقل الجوي أيضا تطورا مهما بعدما فتحت المطارات السعودية، خصوصا في المنطقة الشرقية، للخطوط الخليجية لكي تتمكن من نقل ركابها بعدما عززت الوصول إليها من خلال ممرات برية.

وحسب بيان للهيئة العامة للطيران المدني السعودي، استقبلت مطارات المملكة أكثر من 120 رحلة تابعة لناقلات دول الجوار خلال الفترة من 28 فبراير/شباط إلى 16 مارس/آذار الماضي، مشيرة إلى أنها استجابت لطلبات تشغيل رحلات لكل من الخطوط الجوية القطرية والكويتية والعراقية، إضافة إلى شركات طيران الخليج وطيران الجزيرة.

مسؤولية إمدادات النفط

تعاملت السعودية بمسؤولية مع قضية الإمدادات النفطية، إذ تعتبر الأمر ذا أهمية قصوى ويتعين عليها كدولة رئيسة منتجة للنفط توفير هذه الإمدادات للدول المستهلكة دون انقطاع. وتمكنت شركة "أرامكو السعودية"، على الرغم من تعرض منشآتها للعدوان والتخريب، من تعزيز كفاءة الإنتاج والقدرات التصديرية.

رويترز
أنابيب نفطية في بقيق، 12 أكتوبر 2019

وفعلت الشركة خطوط أنابيب بديلة لضمان تدفق النفط بعد إغلاق مضيق هرمز والاضطرابات التي جرت فيه. يضاف إلى ما سبق ذكره، أن البلاد تملك إمكانات للتخزين الى أجل قد يصل إلى أكثر من شهرين. وقد عزز ضخ النفط عبر خط أنابيب شرق – غرب إمكانات التصدير من ميناء ينبع على البحر الأحمر، وبذلك، ظل شريان الإمدادات النفطية فاعلا على الرغم من الاعتداءات الإيرانية. وتقدر طاقة ضخ النفط عبر هذا الشريان الحيوي بنحو 7 ملايين برميل يوميا، وهو يمتد لمسافة 1200 كيلومتر. وبذلك فإن ميناء ينبع أصبح المنفذ الوحيد لتصدير النفط السعودي بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

هناك إمكانات للاستثمار في مشروع مد أنابيب من مختلف دول الخليج المنتجة للنفط والغاز إلى السواحل الغربية للسعودية، بما يعزز قدرات تصدير النفط والغاز

أكدت هذه الحرب أهمية إنجاز تكامل في القطاع النفطي بين دول الخليج، سواء على نطاق إنتاج النفط الخام والتكرير والصناعات الكيماوية والتصدير، فضلا عن ضرورة معالجة قضية الإمدادات وتصدير نفط الخليج من منظور استراتيجي، بما يعطل عمليات الابتزاز الإيرانية في مضيق هرمز.

وتبرز إمكانات للاستثمار في مشروع مد أنابيب من مختلف دول الخليج المنتجة للنفط والغاز إلى السواحل الغربية للمملكة العربية السعودية، بما يعزز القدرات إلى مستويات عالية لتصدير النفط. في الوقت نفسه، يجب وضع حد لابتزاز "العصابات الحوثية" في مضيق باب المندب من خلال دعم السلطات الشرعية في اليمن وتمكينها من السيطرة على كامل التراب اليمني.  

وفي هذا السياق، أكد المدير التنفيذي لـ"وكالة الطاقة الدولية" فاتح بيرول في حديث خلال ندوة على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي انعقدت في أبريل/نيسان الماضي، أن "القاعدة الذهبية لأمن الطاقة" هي التنويع.

.أ.ف.ب
رافعات وحاويات الشحن في رصيف التحميل في ميناء جدة الإسلامي على الساحل الغربي للبحر الأحمر بالمملكة العربية السعودية، 1 مارس 2022

وأشار بيرول إلى أن أخطار تركز الإمدادات بدأت تظهر أيضا في سلاسل طاقة أخرى، خصوصا في تكرير ومعالجة المعادن الحيوية، قائلا: "نحن نتعامل اليوم مع هرمز واحد، وقد يكون هناك عدة "هرمزات" أخرى في الانتظار، إذا لم يتم تنويع سلاسل إمداد هذه المعادن، مشددا على أنه على الرغم من الإجراءات التي تتخذها الحكومات لتخفيف حدة الأزمة، فإن "الحل الأهم على الإطلاق يبقى ضمان التدفق الحر للنفط والغاز عبر مضيق هرمز".

لا شك أن "أرامكو" تملك أفضل القدرات التقنية والامكانات التفاوضية مع المشترين من مختلف دول العالم

عملت حكومة المملكة على مواجهة الاعتداءات الإيرانية من خلال توثيق تلك الاعتداءات وتقديم كل ما يتوفر من أدلة إلى مجلس الأمن الدولي. كذلك أبرزت أهمية التنسيق الخليجي والعربي لتعزيز الموقف الخليجي والعربي الموحد، ضد الاعتداءات الإيرانية والابتزاز الذي تمارسه عبر إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الحرة. وعلى الرغم من المواقف المتخاذلة من جامعة الدول العربية وعدد من الحكومات العربية، إلا أن السعودية ظلت تؤكد أهمية لعب دور حيوي على المستوى الدولي والعربي من أجل وضع حد لكل الأخطار. في الوقت نفسه، أكدت السعودية أهمية التوصل لحلول سلمية وديبلوماسية للصراع الراهن وأهمية احترام إيران سيادة دول الخليج والتوافق مع المطالب الدولية لوقف برامج التسلح النووي ووضع حد لبرامج الصواريخ البالستية وقطع العلاقات الإيرانية مع الميليشيات في العراق ولبنان واليمن.

آفاق ما بعد الحرب

لم يعد الحديث عن التكامل الاقتصادي الخليجي ترفا يتداوله المثقفون والنخب، بل بات مسألة وجودية لا بد من وضع الخطط والاستراتيجيات لبلوغه. فالتكامل يعني تطوير الصناعات النفطية بما يؤدي إلى التكامل في عمليات الإنتاج والتكرير والصناعات البتروكيماوية وخطوط التصدير. كذلك لا بد من التوافق على سياسات تسويقية تعزز القدرات التفاوضية للشركات النفطية الوطنية.

رويترز
تعمل السعودية منذ بداية الحرب على تعزيز دورها القيادي وتأسيس منظومة أمنية خليجية. كانت هناك آمال لتوسيع هذه المنظومة لتشمل دولا عربية

لا شك أن "أرامكو" تملك أفضل القدرات التقنية والامكانات التفاوضية مع المشترين من مختلف دول العالم. وتعلم الدول الآسيوية أن الخليج يمثل لها مصدرا رئيسا للنفط الخام والمكرر والأسمدة والمنتجات الكيماوية الأخرى. وتملك السعودية قدرات إنتاجية واسعة تمكنها من أن تكون مصدرا رئيسا لهذه المنتجات. كما يمكن المملكة التنسيق مع الشركات الوطنية في دول الخليج الأخرى للاتفاق في خصوص أسواق النفط وتحصين حصص منتجاتها في الدول المستهلكة. لا يعني ذلك التوقف عند الشأن النفطي، بل لا بد من تطوير التكامل الخليجي في الصناعات والخدمات الأخرى وتوسيع فرص الشراكة بين مؤسسات القطاع الخاص وإنجاز عمليات التمويل المشترك من قبل المصارف الخليجية. وغني عن البيان أن السعودية تملك مؤسسات في مختلف القطاعات تمكنها من القيام بأدوار ريادية.

الدور الجيوسياسي والأمني للمملكة

تشكل العناية بالاقتصاد الخليجي أهمية استراتيجية في المستقبل لكن لا بد أن يوازي ذلك ضبط الملفات الأمنية والسياسية. وتعمل السعودية منذ بداية الحرب على تعزيز دورها القيادي وتأسيس منظومة أمنية خليجية. كانت هناك آمال لتوسيع هذه المنظومة لتشمل دولا عربية أخرى لكن الحرب بينت تقاعس بعض الدول العربية في حماية أمن الخليج. لذلك، يتعين تطوير المنظومة العسكرية الخليجية المتمثلة بـ"درع الجزيرة" وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي وتوحيد الأسلحة والمعدات العسكرية بالتنسيق مع الحلفاء التقليديين لدول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تطوير الأنظمة الأمنية لحماية المجتمعات الخليجية من الاختراقات المحتملة من الخلايا النائمة وعناصر الإرهاب.

font change

مقالات ذات صلة