أوروبا… شريان المال الذي لا يزال يغذي "حزب الله"

شبكات غسل الأموال الناعمة تعبر الحدود وتتيح تمويلا مستمرا من اللوحات الفنية والألماس الى العملات المشفرة

إدواردو رامون
إدواردو رامون

أوروبا… شريان المال الذي لا يزال يغذي "حزب الله"

قد يخسر "حزب الله" مقاتلين وقادة ونفوذا ميدانيا وممرات إمداد، لكنه يبقى قادرا على الصمود ما دامت شبكاته المالية تعمل بكفاءة. من هنا تبرز حقيقة مقلقة ينبغي لأوروبا أن تدركها، فالانتكاسات الأخيرة التي تعرض لها هذا الحزب لا تكفي لإضعافه، ما دامت مصادر تمويله ونشاطاته الاقتصادية لا تزال قائمة. يؤكد ذلك تقرير معمق صدر حديثا بعنوان "العمليات المالية لـحزب الله في أوروبا"، صادر عن "مركز توثيق الإسلام السياسي" في النمسا.

أضعفت الحرب مع إسرائيل في عامي 2023 و2024 "حزب الله" على المستويين العسكري والسياسي، كما حدت من قدرة إيران على تمويله بالوتيرة المعتادة سابقا. أما في لبنان، فقد ضيقت التحولات التي تلت الحرب هامش الامتيازات التي ظل "حزب الله" يتمتع بها لسنوات طويلة في مرفأ بيروت والمطار.

من ثم، جاء سقوط نظام الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الاول 2024 ليضاعف الضغط عليه، بعدما أطاح بيئة حليفة طالما وفّرت له دعما استراتيجيا ومصادر تمويل متعددة، خصوصا عبر تجارة الكبتاغون. غير أن أيا من هذه الضربات لم يصل إلى الشبكات المالية العالمية التي يستند إليها "الحزب".

لا يقتصر "حزب الله" على كونه جماعة مسلحة تتلقى تمويلا غير مشروع، بل يعمل كمنظومة مالية عابرة للحدود، تمتلك جهازا متخصصا لإدارة أنشطتها التجارية والإجرامية عالميا. وفي قلب هذه المنظومة تقع "وحدة الشؤون التجارية" التي أسسها عماد مغنية

فقد قدرت الولايات المتحدة ميزانيته السنوية بأكثر من مليار دولار، يأتي نحو 700 مليون دولار منها من إيران كل عام، مما يعني أن ما لا يقل عن 30 في المئة من موارده يتأتى من أنشطته غير المشروعة أو شبه المشروعة. ولا تزال هذه الشبكات فاعلة ومتشعبة ومتغلغلة بعمق في مسارات التجارة اليومية.

أوروبا في قلب منظومة "حزب الله"

لا يقتصر "حزب الله" على كونه جماعة مسلحة تتلقى تمويلا غير مشروع، بل يعمل كمنظومة مالية عابرة للحدود، لها جهاز متخصص لإدارة أنشطتها التجارية والإجرامية حول العالم. وفي قلب هذه المنظومة تقع "وحدة الشؤون التجارية"، وهي جزء من "منظمة الأمن الخارجي" التابعة لـ"حزب الله"، وقد أسسها عماد مغنية (أحد أبرز قيادات "حزب الله"، الذي اغتيل في سوريا عام 2008). وتضطلع هذه الوحدة بتنسيق ارتباط شبكات "الحزب"، بصورة منهجية، بتهريب المخدرات والأسلحة وعمليات غسل الأموال دوليا.

رويترز
صورة جوية لميناء روتردام، هولندا، 9 يوليو 2026

ولهذا، لا يقوم تمويل "حزب الله" على طهران وحدها، ولا على أساليب بدائية من قبيل نقل الأموال في حقائب. فـ"الحزب" يجمع الأموال وينقلها عبر تجارة الكوكايين والكابتاغون، وتجارة السيارات المستعملة وغيرها من السلع المرتفعة القيمة، والجمعيات الخيرية، ومحال الصرافة، بما فيها أنظمة الحوالة، وصولا اليوم إلى العملات المشفرة. وتمتد عمليات غسل الأموال عبر هذه النشاطات كلها.

وتنبع قوة "الحزب" المالية من أن جانبا واسعا من هذه العمليات لا يجري في عالم خفي منفصل تماما عن الاقتصاد المشروع، بل في المساحة التي يتداخل فيها القانوني بغير القانوني. وفي هذا السياق، يمكن معاملة تجارية عادية، أو شحنة بضائع، أو تبرعا خيريا، أن يصبح جزءا من منظومة تغسل عائدات الجريمة وتسند جماعة مسلحة قوية.

منظومة غسيل أموال متطورة

لا تزال أوروبا تمثل مركزا رئيسا لغسل الأموال التي يجنيها "حزب الله" حول العالم، وعقدة محورية في الطرق التجارية التي تمر عبرها هذه الأموال وتخفى آثارها. تمنح القارة العجوز "حزب الله" بيئة مؤاتية لأسباب عملية. فأسواقها الثرية، وأنظمتها المصرفية المتقدمة، ومرافئها الكبرى، والقطاعات التي يغدو فيها الغموض أمرا مألوفا في كثير من الأحيان، تفتح كلها هامشا يتحرك فيه "الحزب" بمرونة. وقد برزت أنشطة مالية مرتبطة به في عدد من الدول الأوروبية، بينها النمسا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة.

تتيح الاقتصادات الأوروبية الثرية لـ"حزب الله" سوقا واسعة لتصريف الكوكايين، كما تمنحه بيئة يسهل فيها التلاعب بقيمة السلع لغسل الأموال

وتتيح الاقتصادات الأوروبية الثرية لـ"حزب الله" سوقا واسعة لتصريف الكوكايين، كما تمنحه بيئة يسهل فيها التلاعب بقيمة السلع لغسل الأموال. كما أن البضائع في أوروبا تعبر الحدود مع احتمال محدود للتفتيش، وتمرر المعاملات عبر دول وأنظمة مالية متعددة، إلى أن يصبح تتبع مصدرها الإجرامي الأصلي مهمة شديدة التعقيد. ويقدر مكتب الشرطة الأوروبية "يوروبول" أن ما بين 2 و10 في المئة فقط من الحاويات التي يتخطى عددها 90 مليون حاوية سنويا في المرافئ الأوروبية تخضع للتفتيش.

وتزداد خطورة ثغرة كهذه لأن "حزب الله" يتعامل مع أوروبا بوصفها سوقا نهائية وممرا للعبور في آن واحد. ففي عام 2021 سلطت قضية كشفتها السلطات النمسوية الضوء على شبكة كانت تستعد لتهريب 30 طنا من الكبتاغون عبر أوروبا في اتجاه السعودية.

رويترز
سيارات فارهة يتم شحنها من مدينة ميونخ، ألمانيا 7 أكتوبر 2018

وغالبا ما تحركت العمليات التي وجّهتها "وحدة الشؤون التجارية" نحو أوروبا تحت مظلة "شبكة الأرز"، وهي أبرز نموذج عملي لآليات التمويل الدولي لدى "حزب الله". وقد كشفت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية هذه الشبكة عام 2016 ضمن "مشروع كاساندرا،" باعتبارها بنية تابعة لـ"وحدة الشؤون التجارية" تركز نشاطها على أوروبا، وترتبط بتهريب الكوكايين وغسل الأموال عبر التجارة وشراء الأسلحة.

وتفيد وثائق حكومية أميركية بأن أدهم حسين طباجة وعبد الله صفي الدين توليا قيادة "وحدة الشؤون التجارية." وطباجة ممول بارز لـ"حزب الله" صنفته الولايات المتحدة إرهابيا عالميا، وقد رصدت واشنطن مكافأة مقدارها 10 ملايين دولار في مقابل معلومات تقود إليه. أما صفي الدين، فكان ممثل "حزب الله" لدى إيران، وأدى دورا محوريا كوسيط مالي مع طهران. وتحت إشرافهما، تولى محمد نور الدين إدارة حركة الأموال من مكتب في بورصة بيروت، حيث نسق عمليات غسل الأموال عبر أوروبا وغرب أفريقيا، ورتب مدفوعات لمصلحة كيانات مرتبطة بـ"حزب الله"، وأدار تحويلات مالية مرتبطة بمهربين كولومبيين.

كيف يغطى "حزب الله" نشاطاته؟

تكشف آلية عمل هذه الشبكة كيف نجح "حزب الله" في تطوير قدرته على العمل داخل النظام الإجرامي العالمي. فقد كان الكوكايين الذي تُشتَرى كمياته من كارتيلات أميركا اللاتينية يباع في أوروبا والولايات المتحدة، ثم تستخدم الأموال النقدية المتأتية من تلك المبيعات داخل أوروبا لشراء سلع مشروعة، مثل السيارات الفاخرة والساعات. وبعد ذلك، تصدر هذه السلع إلى غرب أفريقيا وتباع هناك، قبل أن تنقل عائداتها لاحقا إلى لبنان أو إلى وجهات أخرى. وهكذا يُعاد تدوير المال غير المشروع: من عائدات مخدرات إلى تجارة تبدو اعتيادية، ثم إلى أرباح إعادة بيع، قبل أن يصبح مالا قابلا للاستخدام. وكان "حزب الله" يقتطع حصته من هذه العملية، وفي بعض الحالات كان يوجه جزءا من الأموال لشراء أسلحة له ولحلفائه في سوريا والعراق.

استغلال سوق الفنون لغسل الأموال، لأن تسعير الأعمال الفنية يقوم على التقدير، ولأن الملكية يمكن حجبها، ولأن الصفقات كثيرا ما تعبر الحدود في بيئة يغلب عليها التكتم

وفي تحرك أمني متصل، أسفرت "عملية الأرز" عن اعتقال 16 شخصا في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا، للاشتباه في تورطهم في غسل أموال عبر التجارة الدولية بالسلع الفاخرة. وفي ذروة نشاطها، كانت هذه الشبكة تغسل نحو مليون يورو أسبوعيا، معظمها عبر ألمانيا. بل إنها مضت أبعد من ذلك، فعرضت خدمات غسل الأموال على شبكات إجرامية أخرى في مقابل عمولات.

العلاقات العائلية عصب الشبكة

ما يجعل هذه الشبكات عصية على التفكيك هو أنها لا تتوزع بين قطاعات مختلفة فحسب، بل تضرب جذورها أيضا في بيئة اجتماعية متماسكة. فالعمليات المالية لـ"حزب الله" تقوم غالبا على مؤيدين أيديولوجيين موثوق بهم، وعلى شبكات قديمة بين الجاليات اللبنانية في الخارج، كثيرا ما تضم أفرادا من العائلة نفسها. ويمنح هذا الترابط المنظومة قدرة على الاستمرار حتى إذا تعرض أحد عناصرها للعقوبات أو الاعتقال، أو خرج من دائرة العمل لأي سبب.

رويترز
مكتب للصرافة، لندن، 27 سبتمبر 2022

فالعلاقات القائمة على الثقة يصعب على أجهزة إنفاذ القانون اختراقها. كما يستطيع أفراد الأسرة والمقربون ووكلاء الأعمال تبادل الأدوار والحلول بعضهم محل بعض، سواء كوكلاء أو وسطاء أو رسل، بما يتيح للشبكة أن تواصل عملها حتى تحت الضغط.

نشاطات في سوق الفنون والألماس للتمويل غير المشروع

يتكرر هذا النمط في قطاعات لا يزال كثير من صناع القرار لا يربطونها تلقائيا بتمويل الإرهاب. وتأتي سوق الأعمال الفنية في مقدمة هذه القطاعات. فقد استخدم ناظم سعيد أحمد، وهو ممول لـ"حزب الله" فرضت عليه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات، أسماء مستعارة وأفرادا من عائلته ومعارفه وشركات واجهة لإخفاء دوره في صفقات شملت الفن والألماس في أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط. ويقال إنه استحوذ منذ عام 2012 على أعمال فنية تتجاوز قيمتها 54 مليون دولار، عبر دور مزادات وصالات عرض ومعارض ومشاغل فنانين. 

وتكمن دلالة ذلك في الأسلوب، لا في القطاع وحده. فالفن يصلح لغسل الأموال لأن تسعير الأعمال الفنية يقوم على التقدير، ولأن الملكية يمكن حجبها، ولأن الصفقات كثيرا ما تعبر الحدود في بيئة يغلب عليها التكتم. فقد تبالغ جهة ما في تقييم لوحة أو تخفض قيمتها، ويمكن إخفاء المشتري الحقيقي خلف شركة أو قريب، كما يمكن تمرير العمل الفني عبر الحدود من دون تدقيق كبير نسبيا. وما يبدو في الظاهر تجارة نخبوية عالمية، قد يتحول، في الواقع، إلى وسيلة لنقل الثروة غير المشروعة وإخفاء أثرها.

تكمن هشاشة أوروبا في قصور تنفيذ القوانين فحسب، بل كذلك في افتراض ساذج مفاده أن الأسواق المحترمة أنقى مما هي عليه في الواقع

وفرضت الولايات المتحدة أيضا عقوبات على فراس وهند، نجلي أحمد، بسبب دورهما في حماية الشبكة من المساءلة القانونية والمساعدة في ترتيبات للتحايل على العقوبات لصالح والدهما. كما اعتمدت شبكة أحمد الأوسع على وكلاء وشركات واجهة لتحريك الألماس عبر مسارات التقييم والتصدير، بما يساعد في إضفاء مظهر مشروع على قيمته. ووفقا للتقرير، استخدمت شركات واجهة غير أميركية لإرسال 482 طردا من الألماس، بإجمالي يقارب 1,546 قيراطا، إلى شركة أميركية متخصصة في التقييم، قبل إعادة الأحجار إلى لبنان. وبلغت قيمة إحدى قطع الألماس، ووزنها 45 قيراطا، 80 مليون دولار.

يوضح هذا المثل كيف يمكن استغلال شهادات الألماس وإجراءات تقييمه وتنقله عبر الحدود لإضفاء مظهر مشروع على الأصول وطمس المصدر الحقيقي للأموال. فأنشطة "حزب الله" المالية لا تقتصر على هوامش الاقتصاد، بل تمتد أيضا إلى قطاعات ذات واجهات محترمة، تستفيد من ثقافة التكتم التي تحيط بصفقاتها. وهنا لا تكمن هشاشة أوروبا في قصور تنفيذ القوانين فحسب، بل كذلك في افتراض ساذج مفاده أن الأسواق المحترمة أنقى مما هي عليه في الواقع. وعلى الرغم من العقوبات المفروضة عليه، لا يزال أحمد طليقا.

علاقة "الحزب" الوثيقة بالجمعيات الخيرية

يمتد هذا التستر في العلن إلى صلات "حزب الله" بالجمعيات الخيرية في أوروبا. فقد اتُهمت جمعيات في ألمانيا والمملكة المتحدة بجمع الأموال أو غسلها لصالح كيانات مرتبطة بالحزب. وفي ألمانيا، جمعت جمعية "فايسنكيندر برويكت ليبانون" أو "مشروع الأيتام في لبنان" وحدها 4.5 ملايين دولار من التبرعات بين عامي 2007 و2013 لصالح "مؤسسة الشهيد" في لبنان، وهي جزء من منظومة "حزب الله"، قبل أن تُحظر.

الموقع الإلكتروني لجميعة للقرض الحسن
"عنا فيك تفتح حساب" نموذج عن ترويج "القرض الحسن" في وقت لا تفتح المصارف اللبنانية حسابات جديدة للعملاء

وقد تتخذ الواجهات المالية لـ"حزب الله" مظهرا محترما، وتندمج في أنشطة مدنية أو تجارية مألوفة، بما يتيح لها العمل لسنوات في بيئات متساهلة. ويتضح ذلك خصوصا في السياقات التي تخشى فيها الدول أن تُفسر سياساتها على أنها معادية للإسلام، فتؤدي هذه الحساسية إلى تخفيف التدقيق في أنشطة إشكالية تُمارس باسم العمل الخيري الإسلامي.

العملات المشفرة تتوج نشاط "الحزب" المالي

تأتي العملات المشفرة بوصفها طبقة إضافية في منظومة التمويل، لا بديلا من الأساليب القديمة. فقد ازداد استخدام "حزب الله" لشبكة "ترون" وعملة "تيثر" المستقرة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن أجهزة إنفاذ القانون أكثر تمرسا في تتبع "بيتكوين" منها في ملاحقة هذه المسارات الرقمية الأحدث والأقل خضوعا للتدقيق.

تأخرت أوروبا في إدراك الحقيقة، ولا تزال بعض دولها تميز بين "الجناح العسكري" و"الجناح السياسي" لـ"حزب الله"، رغم تصنيفها الأول فقط تنظيما إرهابيا

وتبرز في هذا السياق قضية توفيق محمد سعيد اللو، وهو وسيط حوالات مقيم في سوريا، وفر محافظ رقمية لـ"حزب الله" وأدار تحويلات مرتبطة بمبيعات سلع إيرانية. وفي عام 2023، صادرت السلطات الإسرائيلية 1.7 مليون دولار من العملات المشفرة من 40 محفظة مرتبطة بهذه الشبكة.

يتقن "حزب الله" اليوم الجمع بين القديم والجديد: الحوالة مع العملات المشفرة، وشركات الواجهة مع المحافظ الرقمية، ومبيعات السلع مع التحويلات العابرة للحدود. ويصعب عزل جماعة تتكيف ماليا بهذه السرعة. ولا ينفرد "حزب الله" بهذا المسار، إذ تتجه شبكات إجرامية كثيرة حول العالم إلى العملات المشفرة لنقل الأموال. غير أن استخدامها يثبت مجددا قدرته على إدخال أدوات جديدة في منظومات قائمة ومتينة أصلا.

خطأ "البراغماتية الديبلوماسية" الأوروبية

تأخرت الاستجابة السياسية الأوروبية عن إدراك هذه الحقيقة. وتكمن المشكلة الأبرز في تمسك بعض الدول الأوروبية بالفصل بين "الجناح العسكري" لـ"حزب الله" و"الجناح السياسي،" إذ أنها تصنف "الجناح العسكري" فقط كتنظيم إرهابي. وفي دول مثل فرنسا، غالبا ما يقدَّم هذا الفصل بوصفه نهجا من البراغماتية الديبلوماسية، لكنه في الواقع يترك ثغرة في إنفاذ القانون.

رويترز
مدينة أنتويرب، بلجيكا 7 نوفمبر 2025



فعندما يقتصر الحظر على الجناح العسكري، يصبح إثبات أن الأموال ذهبت تحديدا إلى ذلك الجناح شرطا حاسما، لكنه بالغ الصعوبة. وقد أقر مكتب الشرطة الأوروبية "يوروبول" بهذه المشكلة تحديدا.

ومع ذلك، فإن هياكل "حزب الله" متشابكة ماليا. فأي تبرع أو تحويل تجاري أو مساهمة خيرية تدخل في استدامة المنظومة بأكملها. وينسحب الإشكال نفسه على تصنيف "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية، إذ يعمل "فيلق القدس" التابع له بالتنسيق مع "حزب الله" في عملياته المالية العالمية. ويمنح تصنيف الاتحاد الأوروبي الأخير لـ"الحرس الثوري" كمنظمة إرهابية أوروبا أدوات إضافية لتعطيل هذه الشبكات. إلا أن المملكة المتحدة تبقى استثناء لافتا، إذ أن حكومتها لم تف بعد بوعودها في تصنيف "الحرس الثوري". وهذا يترك فجوة في إنفاذ القانون عبر الحدود.

لبنان الثقب الأسود على "اللائحة الرمادية"

تتسع ثغرة إنفاذ القانون أكثر كلما انتقلت الأموال إلى دول ذات رقابة متساهلة. ويبقى لبنان الثقب الأسود الأبرز في هذه السلسلة. فما إن تصل الأموال إليه حتى يصبح تتبعها أكثر صعوبة، بفعل ضعف الرقابة، والتدخل السياسي، ونفوذ "حزب الله" المتجذر داخل هياكل الدولة. وقد عكس إدراج مجموعة العمل المالي لبنان على "اللائحة الرمادية" منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 هذه الاختلالات البنيوية. ويستشهد التقرير بنتيجة لبنان على مؤشر السيطرة على الدولة، إذ بلغت 80.5 من 100. 

على أوروبا أن ترى "حزب الله" لا بوصفه حركة مسلحة فحسب، بل بوصفه منظومة مالية أيضا. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الحزب قادرا على امتصاص الخسائر العسكرية مع الاحتفاظ بالمرونة المالية التي تتيح له التعافي

وعلى نطاق عالمي أوسع، لا يزال نظام مكافحة غسل الأموال ضعيفا، ويُقدَّر حجم الأموال المغسولة عالميا خلال عام واحد بنحو 2 إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل 800 مليار دولار إلى تريليوني دولار. إلا أنه لا يجري ضبط أو تجميد سوى أقل من 1 في المئة من هذه الأموال داخل النظام المالي الدولي.

رويترز
منطقة " لاديفاس" للأعمال في العاصمة باريس، 19 سبتمبر 2019

ولذلك، لا يقتصر التحدي الذي تواجهه أوروبا على احتمال نشوء التمويل المرتبط بـ"حزب الله" أو غسله على أراضيها، بل يتعداه إلى كونها حلقة في سلسلة أوسع تشمل جمع الأموال أو "غسلها" في أوروبا، ثم مرورها عبر دول وأنظمة مالية عدة، قبل أن تختفي داخل بيئات يضعف فيها التدقيق وتشتد فيها الحماية السياسية.

كيف يمكن أوروبا أن تضعف "حزب الله"؟

إذا أرادت أوروبا إضعاف "حزب الله" بشكل فعلي، فعليها أن تكف عن حصر مقاربتها في الصواريخ والاشتباكات الحدودية والديبلوماسية الإقليمية. ينبغي أن تلتفت أيضا إلى "وحدة الشؤون التجارية" التي تحرك الأموال عبر بورصة بيروت، وإلى وكالة سيارات في ألمانيا تستخدم لشراء مركبات بأموال المخدرات، وإلى مسار إعادة البيع عبر غرب أفريقيا، وإلى اقتناء أعمال فنية عبر شركات واجهة، وإلى فرد من العائلة يعمل كوكيل، وإلى جمعية خيرية تمرر المال تحت غطاء قانوني، وإلى محفظة مشفرة تستند إلى "شبكة حوالات"، وإلى الحيلة القانونية التي تقسم تنظيما واحدا إلى جناحين سياسي وعسكري، وكأنهما كيانان منفصلان.

في عبارة أخرى، على أوروبا أن ترى "حزب الله" لا بوصفه حركة مسلحة فحسب، بل بوصفه منظومة مالية لها ممارسات غير شرعية أيضا. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الحزب قادرا على امتصاص الخسائر العسكرية مع الاحتفاظ بالمرونة المالية التي تتيح له التعافي. وستبقى أوروبا، ولو من غير قصد، جزءا من البنية التي تبقيه قائما.

font change

مقالات ذات صلة