نادرا ما بدا بيدرو سانشيز سياسيا كتب له البقاء طويلا، فقد دأب خصومه على وصفه بالانتهازية، أو التهور الاستراتيجي، أو الاعتماد على تحالفات هشة. غير أن رئيس الوزراء الإسباني صار واحدا من أكثر زعماء الديمقراطية الاجتماعية ثباتا في أوروبا، بعدما تجاوز تمردا داخل حزبه، ونكسات انتخابية، واضطرابا ائتلافيا، وهجمات متواصلة من اليمين الإسباني، ولا تتحدد ملامحه السياسية بالنقاء الأيديولوجي، بقدر ما تتحدد بالغريزة، والقدرة على التكيف، وتحويل الهشاشة إلى مصدر سلطة.
وتفسر هذه الغريزة، بروز سانشيز واحدا من أكثر زعماء أوروبا الغربية جهرا بدعم الدولة الفلسطينية. ففي 28 مايو/أيار 2024، اعترفت إسبانيا بدولة فلسطين بالتنسيق مع النرويج وأيرلندا، وقدمت الخطوة بوصفها إسهاما في السلام، ودفاعا عن القانون الدولي، ورفضا للشلل الدبلوماسي. وشدد سانشيز على أن الاعتراف لا يستهدف إسرائيل، ولا يمثل تأييدا لـ"حماس"، وإنما يشكل خطوة نحو حل الدولتين القابل للتحقق.
تجاوزت فلسطين، في حسابات سانشيز، حدود الملف الخارجي التقليدي. فقد صارت اختبارا لاتساق الغرب. وحجته في ذلك واضحة: إذا كانت أوروبا تستدعي القانون الدولي للدفاع عن أوكرانيا، فلا يمكنها التخلي عن اللغة نفسها في غزة. وفي يوليو/تموز 2024، حذر من ازدواجية المعايير، مؤكدا أن تطبيق القانون الدولي لا ينبغي أن يخضع لاعتبارات الملاءمة الجيوسياسية.
لهذا الموقف جذور أعمق. فسانشيز، المولود في مدريد عام 1972، انضم إلى "حزب العمال الاشتراكي" الإسباني عام 1993. وتقدمه سيرته الرسمية بوصفه اقتصاديا، وقائدا حزبيا، ورئيسا للوزراء منذ يونيو/حزيران 2018. غير أن القصة الأبلغ، تكمن في الكيفية التي صعد بها داخل "حزب" حاول لاحقا إقصاءه.
تولى سانشيز قيادة "حزب العمال الاشتراكي" الإسباني للمرة الأولى عام 2014، في لحظة كانت الديمقراطية الاجتماعية الإسبانية تمر فيها بأزمة عميقة. فقد أنهكت الحزب تبعات الأزمة المالية، وسياسات التقشف، وتآكل الثقة بفعل قضايا الفساد، فضلا عن صعود "بوديموس"، الحزب المناهض للتقشف الذي زاحم الاشتراكيين من يسارهم. في الوقت نفسه، كان النظام الحزبي الثنائي في إسبانيا، الذي ظل لعقود قائما على التنافس بين "حزب العمال الاشتراكي" و"حزب الشعب المحافظ"، آخذا في التصدع. وبعد انتخابات 2015 و2016 التي لم تمنح أي طرف تفويضا حاسما، رفض سانشيز تمهيد الطريق أمام حكومة محافظة بقيادة ماريانو راخوي، رئيس الوزراء آنذاك وزعيم "حزب الشعب". وأثار موقفه رفضا واسعا داخل قيادة "الحزب الاشتراكي"، فانتهى به الأمر إلى الاستقالة من زعامته عام 2016، تاركا انطباعا بأنه خرج من المشهد السياسي.
لكنه لم يخرج. ففي واحدة من اللحظات الفاصلة في السياسة الإسبانية الحديثة، توجه سانشيز مباشرة إلى أعضاء الحزب، واستعاد قيادته عام 2017، عائدا بوصفه تجسيدا لتمرد قواعد الحزب على هرميته القيادية. وقد صقلت تلك التجربة أسلوبه السياسي، فهو يقدم نفسه مدافعا عن الديمقراطية في مواجهة القوى الرجعية، فيما يتحرك في الوقت نفسه بمرونة غير مألوفة.
وفي 2018، صار رئيسا للوزراء بعد حجب الثقة عن راخوي على خلفية فضيحة فساد طالت "حزب الشعب". وقد تولى منصبه بقاعدة برلمانية ضئيلة، لكنه حول الضعف إلى فرصة، ومنذ ذلك الحين، حكم عبر ترتيبات الأقلية، وصفقات الائتلاف، وحسابات برلمانية كان من شأنها أن تطيح بغيره.

