لا أعتقد أن العملية الانتخابية المقبلة في إسرائيل، التي ينتظرها كثر من المهتمين بالتطورات التي تمرّ بها هذه الدولة، ستتمخّض عن أي جديد. إذ إنها ستظلّ، على الأرجح، كسابقاتها، منذ قرابة عقدين.
ثمة سمتان تتحكّمان بتلك العملية. الأولى، احتكار اليمين القومي والديني للسياسة الإسرائيلية، كنتاج لانزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتعصّب والتطرّف، مع أفول "اليسار الإسرائيلي"، بكل تفرعاته، تقريبا. والثانية، تحكم بنيامين نتنياهو بتوجهات السياسة الإسرائيلية، داخليا وخارجيا، وهو الذي هيمن عليها منذ عام 2009، إذا استثنينا فترة في العامين 2021-2022، التي خسر نتنياهو فيها الانتخابات، لكن لصالح منافسيه في اليمين الإسرائيلي.
سؤال الانتخابات القادمة
على ذلك يفترض أن يسقط من المراهنات على الانتخابات القادمة في إسرائيل، في المدى المنظور، أي احتمال ينبني على عودة يسار الوسط إلى سدة السلطة. إذ إن أي انتخابات قادمة، مبكرة، أو عادية، ستجدد لليمين القومي الإسرائيلي، الذي التحق به تيار يسار الوسط، أيضا، بحيث لم يعد ثمة ما يميز بينهما سياسيا، بخاصة في ما يتعلق بالفلسطينيين، وبمكانة إسرائيل في المنطقة، بدلالة توجهات حزب "هناك مستقبل" (24 مقعدا)، لزعيمه يائير لابيد، مع ملاحظة اختفاء تيار اليسار الإسرائيلي من مجمل الخريطة السياسية الإسرائيلية تقريبا.
هكذا، بديهي أن السؤال عن الانتخابات القادمة بات يتمحور، في الأغلب، حول إمكان نجاح بنيامين نتنياهو في البقاء في سدة السلطة، من عدم ذلك، علما أن الرجل مكث في منصبه كرئيس للحكومة أكثر من أي شخص آخر، وحتى أكثر من المؤسّس بن غوريون نفسه (19 مقابل 14 عاما)، إضافة إلى أنه أثّر في إسرائيل، وفي سياساتها الداخلية والخارجية، بذات الأثر الذي تركه بن غوريون.
مصادر تميّز نتنياهو
في هذا الإطار، يتميّز نتنياهو بأنه رئيس الحكومة الذي تعامل مع إسرائيل بوصفها دولة يهودية أساسا، أي إنه تعامل معها على حقيقتها، دون مواربة، باعتبارها دولة قومية لليهود، ففي عهده تم تشريع "قانون-أساس"، أي الدستور، باعتبار إسرائيل دولة للشعب اليهودي (2018)، أساسا، وفي ذلك تم تغليب طابعها اليهودي على طابعها الديمقراطي، دون الالتفات إلى ما حاولته إسرائيل سابقا في اعتبار نفسها كدولة مواطنين، وكدولة ديمقراطية في الشرق الأوسط، على مثال حلفائها من الدول الليبرالية-الديمقراطية في الغرب.
أيضا، تميز نتنياهو بترجمة توجهاته السياسية بتشكيل حكوماته بائتلاف من التيارات القومية والدينية، وهذا ما حرص عليه، في حقبته الأولى (1996-1999)، ثم الثانية والثالثة (2009 حتى الآن)، ما يعني أنه طابق بين الدين اليهودي وطبيعة إسرائيل، بحيث لم يعد الدين مجرد وسيلة، كما كان في عهد بن غوريون، وحكومات "حزب العمل"، وإنما بات بمثابة جزء من طبيعة إسرائيل، من دون مبالاة بمخالفة ذلك مع اعتبار إسرائيل دولة علمانية، وليبرالية، على غرار الدول الغربية، أيضا.

الوضع الاقتصادي هو عامل تميز لصالح نتنياهو ففي عهده، أو في الفترة من 2010-2025، تزايد حجم الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل من 240 مليارا إلى 600 مليار دولار، وتضاعف نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي من 31 ألف دولار إلى 60 ألف دولار في السنة. وفي عهده باتت إسرائيل قوة تكنولوجية كبيرة بين دول العالم، وبنت شراكات مع الدول الكبرى غير الغربية، مثل الهند والصين وروسيا، أكثر من أية فترة سابقة. وتؤكد ارتفاع قيمة الصادرات الإسرائيلية المعطيات السابقة، ففي حين بقيت الصادرات من السلع على حالها، بمقدار 60 مليار دولار سنويا، في الأعوام المذكورة، ازدادت صادرات إسرائيل في مجال الخدمات والتكنولوجيا من 25 مليار دولار إلى 85 مليار دولار في عام 2025، بحيث ازداد إجمالي صادرات إسرائيل من السلع والخدمات من 85 مليار دولار في عام 2010 إلى 145-150 مليار دولار في عام 2025.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين، وهي مسألة داخلية في إسرائيل، أيضا، يعتبر نتنياهو الشخص الذي قوّض اتفاق أوسلو (1993)، جملة وتفصيلا، وفي عهده تم تجميد عملية التسوية، وفتح مسار تآكل الكيان السياسي للفلسطينيين، الناجم عن ذلك الاتفاق، وبات ينازع الفلسطينيين على كل شبر في الضفة الغربية، كما بات ينازع السلطة الفلسطينية على الأرض والموارد وحتى على إدارة الفلسطينيين، في إطار فهمه لما يسميه "أرض إسرائيل الكاملة" بين النهر والبحر.


