الاقتصاد السوري بين ضغوط المعيشة وفرص التعاون العربي

تكامل النقل والطاقة مع السعودية والخليج كمدخل للحلول وإصلاح سياسات الأسعار المحلية

"المجلة"
"المجلة"

الاقتصاد السوري بين ضغوط المعيشة وفرص التعاون العربي

في خضم الأزمات والقضايا الاقتصادية التي تشهدها مختلف دول العالم، تزداد الحاجة الى مناقشة عدد من الظواهر المطروحة، مع تسجيل التفاوت الواضح بين الدول في حجم التأثر بالأزمات.

تختلف الدول الغنية عن الدول الفقيرة أو النامية، سواء من حيث المداخيل والإمكانات المتاحة أو مستوى الحماية الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي من حيث مدى انعكاسها على المواطنين والمجتمع عموما. ومن هنا تبرز أهمية دراسة المداخيل الحقيقية للدول ومدى انعكاسها على مستوى معيشة المواطنين والمجتمع عموما. ذلك أن الدول المستقرة اقتصاديا وتنمويا، تعتمد مؤشرات دقيقة لقياس مستويات ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، ومدى ارتباطها بمؤشرات الدخل ارتفاعا أو تراجعا.

تستند الدول المتقدمة الى دراسات موثقة للوصول الى خلاصات واضحة، تتناول جوانب الاقتصاد ومؤشرات الاستهلاك والأسعار، وفق آليات معتمدة تملك القدرة على الاستنباط ومراعاة الفوارق الجوهرية داخل المجتمع، وضمن مسارات التدرج الاقتصادي، وتفاوت مستويات الدخل لدى الأفراد والمجتمعات.

في العالم العربي، وعلى الرغم من الكتلة السكانية الوازنة والأسواق الكبيرة وإنتاجها الضخم من النفط والغاز، لا يزال الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي يحتاج الى مزيد من التوسع في أسواق جديدة

وفي معظم الدول التي تنتهج الاقتصاد الحر، تتدخل الدولة ضمن حدود، تفرضها طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعتمد، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. فمسألة الربح والاستثمار تعتبر غاية ووسيلة، ولكن ضمن الدستور والقوانين المعتمدة، والأعراف السائدة.

توسيع دائرة النمو وتعزيز المنافسة

من هنا كان التركيز دائما على النمو من خلال توسيع الأسواق وتنشيط حركتها الداخلية والخارجية، لتحقق المنافسة توسيع دائرة انتشار المنفعة العامة على أوسع نطاق، على اعتبار أن السوق تتسع للجميع. ولذلك شهد العالم انتشارا واسعا للشركات الأميركية والغربية عموما في مختلف الأسواق كون رأس المال يبحث باستمرار عن فرص وأسواق جديدة.

وعلى مستوى العالم، خارج إطار الولايات المتحدة وأوروبا، برزت الأسواق المنتجة في أميركا اللاتينية، كالمكسيك والبرازيل وتشيلي والأرجنتين، وفي أفريقيا، كما في جنوب أفريقيا ورواندا ونيجيريا، وشمال القارة، لا سيما مصر، وفي أوقيانيا، كأوستراليا ونيوزيلندا، وفي أندونيسيا وتايوان وسنغافورة والصين، واليابان، وكوريا، وماليزيا، والنمور الآسيوية السبعة، وإن تعرضت لنكسات، إلا أنها عملت على تصحيح مسارها الاقتصادي.

أ.ف.ب.
ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، في جدة 21أبريل 2026

في العالم العربي، وعلى الرغم من الكتلة السكانية الوازنة والأسواق الكبيرة وإنتاجها الضخم لمواد النفط والغاز، لا يزال الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي يحتاج الى مزيد من التوسع في أسواق جديدة، كما حدث في دول "النمور السبعة" الاسيوية، في الثمانينيات والتسعينيات، إذ وظفت العائدات النفطية داخل دولها وخارجها.

تسعى المملكة العربية السعودية للتركيز على توطين الصناعات وتطوير مراكز الأبحاث والانخراط في الاقتصاد الرقمي. وتجسد "رؤية 2030" بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التوجه الاستراتيجي للمملكة للحاق بالدول المتطورة وتنويع مصادر الدخل الوطني ورفع مستويات المعيشة للمواطن، بهدف إعادة تأهيل الاقتصاد لكي يكون أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة والتقدم.

ضرورة التوسع والانطلاق من الخليج العربي إلى الدول العربية لتوسيع آفاق التعاون والاستثمار، بما فيه منفعة للجميع، لما في ذلك من خيرات وخبرات ينبغي استثمارها واستخدامها

تحذو دول الخليج العربي حذو السعودية، مثل قطر والإمارات والكويت وعمان والبحرين، وهي دول ذات مداخيل كبيرة، وكتلة بشرية مهمة إذا ما توحدت، وتتمتع بمستوى تأهيل رفيع للكوادر الوطنية مما يسهل الدخول في عجلة التطور والتمكين. فالثروة البشرية المؤهلة هي مفتاح الدخول إلى العالم المتقدم.

من هنا ضرورة التوسع والانطلاق من الخليج العربي إلى الدول العربية لتوسيع آفاق التعاون والاستثمار، بما فيه منفعة للجميع، لما في ذلك من خيرات وخبرات كثيرة ينبغي استثمارها واستخدامها. ففي مصر إمكانات عملية، وفي السودان أراض واسعة صالحة للزراعة.

عقدة المواصلات والربط بين الدول العربية

وكذلك الأمر في المغرب العربي، ففي الجزائر وليبيا ثروات نفطية وغازية، وفي المشرق العربي وبلاد الشام والعراق نجد مؤهلات بشرية علمية وزراعية وخدمية، وثروات نفطية، وعقدة للمواصلات والربط بين دول العالم العربي وتركيا وأوروبا والشرق. ففي سوريا طريق الحرير، وملتقى القارات الثلاث للوصول إلى الشرق الأقصى ووسط آسيا وروسيا وأوروبا الشرقية والغربية، وفي المياه الإقليمية ثروات تبحث عمن يكتشفها.

هذه التطلعات تحتاج لمن يطلق لها العنان بعيدا من التنمية القطرية المحدودة التي لم تحقق خلال السنوات الخمسين الفائتة أي نتائج تذكر. ويعزى ذلك إلى الحذر وعدم الثقة والتحوط من الغرب والانفتاح على الخارج وسيطرة التوجهات القطرية.

إن اتساع رقعة الفقر والعوز، وغياب المبادرات الاستراتيجية الكفيلة بمعالجة الاختلالات البنيوية، يأتي في وقت تزخر فيه المنطقة بمقومات كبيرة للتقدم والتطور، وبإمكانات تؤهلها للتخلص من أعباء التبعية والتواكل.

يُعدّ تطوير شبكات السكك الحديد والطرق وربطها من أبرز الأولويات، لما له من دور في تقريب المسافات وتسهيل نقل السلع والبضائع ورؤوس الأموال، بما يخدم مسارات التكامل الاقتصادي العربي

ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في سبل توظيف هذه الإمكانات، وتعزيز البحث في المصالح المشتركة داخل الوطن العربي، بما تحمله دول عديدة من مجالات تعاون واسعة وفرص واعدة.

تغليب المصالح العربية المشتركة

ولعلنا قد وصلنا إلى اقتناع بضرورة إيلاء المصالح المشتركة لدولنا وشعوبنا الأولوية على ما سواها. ومن هذا المنطلق، يُعدّ تطوير شبكات السكك الحديد والطرق وربطها من أبرز الأولويات، لما له من دور في تقريب المسافات وتسهيل نقل السلع والبضائع ورؤوس الأموال، بما يخدم مسارات التكامل الاقتصادي. وفي هذا السياق، يشكل الربط القائم والمخطط له للسكك الحديد بين المملكة العربية السعودية وبلاد الشام وصولا إلى تركيا وأوروبا خطوة أولى في هذا الاتجاه، إلى جانب تطوير الطرق البرية الدولية بوصفها مسارات داعمة لهذا التكامل.

رويترز
عامل سوري يقف بجانب أنابيب للنفط، في منطقة طرطوس، سوريا 1 سبتمبر 2025

كما أن التوجه الجديد القديم للربط بين مواقع إنتاج النفط والغاز بين دول الخليج والسعودية، وبلاد الشام، بالبحر المتوسط، بادرة مشجعة لعدم وضع هذه الثروات تحت سيطرة الممر الأوحد في مضيق هرمز والتحرر من السيطرة عليه سواء من القوى الدولية أو إيران، والمساهمة في رفع القدرة الإنتاجية من النفط والغاز وتعزيز استفادة دول الترانزيت كالأردن وسوريا ولبنان من مرور هذه الخطوط. وهي قضية ليست بجديدة وتعود إلى خمسينيات القرن الماضي عبر مشروع خط الـ"تابلاين" بين بقيق في السعودية ومرفأ الزهراني في لبنان، الذي توقف بعد حرب 1967 بسبب مرور هذا الخط في الجولان السورية المحتلة، ونتيجة الحروب في لبنان.

 بات من الضروري أن تعيد الجهات المعنية بسياسات الأسعار في سوريا النظر في توجهاتها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد والموازنة والبعد الاجتماعي

وهناك أيضا خطا نقل النفط، الأول من كركوك إلى بانياس، والثاني إلى طرابلس في لبنان. وصارت ملحة إعادة تجديد هذه الخطوط بإضافة خطوط من حقول البصرة إلى بانياس السورية، ورفع قدرة تحميل النفط السعودي والخليجي عبر الأردن وسوريا إلى 8 ملايين برميل يوميا.

تنمية مصادر الدخل مدخل للاستقرار

وإذا ما توسعنا في هذا السياق، يتضح أن هناك فجوة ملحوظة في بعض الدول العربية بين الدخل القومي الإجمالي أو الصافي وبين مستوى الدخل الفردي للمواطن، كما في الأردن وسوريا، خصوصا في أسعار السلع الأساس، مثل الكهرباء والمنتجات النفطية، وهو ما يعيد إرباك المشهد العام بين المواطن والدولة. فالدولة لها حساباتها، في وقت يتساءل المواطن كيف يؤمن الحد الأدنى من احتياجاته ضمن المداخيل المتواضعة.

أ.ف.ب.
سوق البزورية في دمشق القديمة، 16 يناير 2026

بناء على ما تقدم، فإن معاناة الاقتصاد السوري في ظل ضغوط المعيشة، واتساع فجوة الدخل، وضعف القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار في سياق التحولات الاقتصادية الراهنة، تفرض ضرورة تعزيز مسارات التعاون العربي المشترك بوصفه مدخلا مهما لمجموعة من الحلول الممكنة. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى إعطاء الأولوية لتحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدود، الذين يشكلون نحو 95 في المئة من المجتمع السوري، وذلك لتمكينهم من مواجهة ارتفاع الأسعار التي تستنزف مداخيلهم المتواضعة. كما يبرز في هذا السياق دور الدولة في إعادة تقييم الإمكانات المتاحة والبحث عن بدائل اقتصادية أكثر فاعلية، تحقق أثرا مباشرا على المواطن والاستقرار الاجتماعي على حد سواء.

إن تنمية مصادر الدخل في أي دولة ينعكس بصورة مباشرة على تعزيز الدخل القومي الإجمالي وتحسين مستوى الدخل الفردي. كما بات من الضروري أن تعيد الجهات المعنية بسياسات الأسعار في سوريا النظر في توجهاتها، لتأمين احتياجات المواطن الأساسية، بما يحقق التوازن بين متطلبات السوق والاقتصاد والبعد الاجتماعي، ويصب في مصلحة المواطن بوصفه الهدف الأساس لأي عملية تنموية.

font change