هل يتمكن كيفن وارش من تقديم نهج مختلف عن جيروم باول في قيادة "الفيديرالي"؟

من مدرسة بول فولكر الى مدرسة "وول ستريت" قراءة في الاختلاف بين الرجلين

إدوارد رامون
إدوارد رامون

هل يتمكن كيفن وارش من تقديم نهج مختلف عن جيروم باول في قيادة "الفيديرالي"؟

ينتظر الموافقة النهائية لمجلس الشيوخ الأميركي بالغالبية البسيطة على تعيين كيفن وارش خلفا لجيروم باول على رأس الاحتياطي الفيديرالي، وذلك بعد مصادقة لجنة الشؤون المصرفية والإسكان والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ على عضويته في مجلس "الفيديرالي"، وتثبيته صار في حكم المؤكد. وقرار اللجنة ما كان ليصدر لولا إعلان جانين بيرو، المدعية العام لمنطقة كولومبيا (واشنطن العاصمة)، إحالة التهم الموجهة ضد باول في شأن تجاوزات في تكاليف تجديدات عقارين تابعين للاحتياطي الفيديرالي إلى المفتش العام لدى الأخير، بعد إسقاط وزارة العدل تحقيقها الجنائي مؤقتا.

إذ اعتبر قرار الإحالة تجميدا أو حتى إسقاطا لهذه التهم، مما أزال تحفط السيناتور الجمهوري، توم تيليس الذي سبق له أن صرح علنا بأنه سيرفض التصويت لصالح وارش طالما بقي باول خاضعا لتحقيق يعتبره غير مبرر. يعتبر تيليس صوتا مؤثرا في لجنة الشؤون المصرفية، بسبب الهامش الضيق للغالبية الجمهورية في هذه اللجنة (13 صوتا للجمهوريين في مقابل 11 للديمقراطيين)، مما يجعل أي انشقاق جمهوري قادرا على تعطيل تمرير الترشيحات. وبدون دعمه يتخوف الجمهوريون من الوصول إلى طريق مسدود، خصوصا أنه لن يترشح لإعادة انتخابه السنة الجارية، مما يجعله أقل عرضة للضغوط السياسية من قبل جناح "لنجعل أميركا عظيمة مجددا".

أثارت سيرة وارش الاستثنائية حماسة كبيرة في جلسة استماع لجنة الشؤون المصرفية للمصادقة على ترشيحه، إذ ينظر إليه كثير من الجمهوريين ودوائر "وول ستريت" باعتباره مرشحا يتمتع بخبرة واسعة في السياسة النقدية والأسواق المالية، بحكم عضويته السابقة في مجلس الاحتياطي الفيديرالي وخلفيته في القطاع المالي، مما عزز الانطباع بأنه يمتلك المؤهلات التقليدية المتوقعة لرئاسة البنك المركزي الأميركي. تضاهي مسيرته الأكاديمية مسيرة النخبة الأميركية العريقة: شهادة في السياسة العامة، ثم دراسة القانون. من بعدها، انضم إلى حيث ترقى إلى منصب نائب الرئيس في قسم عمليات الاندماج والاستحواذ.

وفي عام 2002، ترك وارش "وول ستريت" لينضم إلى إدارة جورج دبليو بوش كمستشار اقتصادي في البيت الأبيض، متخصصا في تدفقات رأس المال والأسواق المالية. وعمل مساعدا خاصا للرئيس للشؤون الاقتصادية في البيت الأبيض بين عامي 2002 و2006. وفي عام 2006، عينه بوش عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفيديرالي عن عمر 35 عاما، ليصبح أصغر محافظ في تاريخ مجلس الاحتياطي الفيديرالي.

يؤيد كيفن وارش خفض موازنة الاحتياطي الفيديرالي، التي كانت نحو تريليون دولار قبل أزمة 2008 وتبلغ حاليا 6.7 تريليونات دولار، بشكل كبير لتقليص جزء من السيولة المتداولة في الأسواق

استمر وارش في منصبه داخل مجلس الاحتياطي الفيديرالي حتى عام 2011، ولعب خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 دورا بارزا في إدارة الاتصالات بين الاحتياطي الفيديرالي والأسواق، بما في ذلك المشاركة في الجهود التي رافقت استحواذ مصرف "جيه. بي. مورغان تشيس" (JPMorgan Chase) على شركات "بير ستيرنز" (Bear Stearns) بدعم من الاحتياطي الفيديرالي. وقد تم تصنيفه من بين "الصقور"، إذ عرف داخل المؤسسة النقدية الأميركية بمواقفه المتشددة نسبيا تجاه التضخم، وكان من الأصوات المتحفظة عن برامج التيسير الكمي الواسعة النطاق.

رويترز
مقر المجلس الاحتياطي الفيدرالي، في واشنطن 22 أغسطس 2018

إلا إنه انحاز أخيرا إلى ترمب بتأييده في مطالباته بخفض أسعار الفائدة. وكتب في مقال رأي نشر في صحيفة "وول ستريت جورنال" الخريف الماضي: " يتسم سجل الاحتياطي الفيديرالي في عهد باول بخيارات سيئة غير حكيمة". وكان قبل ذلك من بين المرشحين النهائيين لرئاسة الاحتياطي الفيديرالي خلال ولاية ترمب الأولى، وهو المنصب الذي منح في النهاية لباول الذي هو، مثل وارش، محام في الأساس ولا يحمل شهادة عليا في الاقتصاد.

ما هي رؤية وارش الاقتصادية؟

يحمل وارش إدارة الاحتياطي الفيديرالي مسؤولية الأزمة التضخمية التي أعقبت جائحة "كوفيد-19"، والتي لا تزال تثقل كاهل الأسر الأميركية. ويرى أن الاحتياطي الفيديرالي بحاجة إلى "تغيير في مسار سياسته النقدية". فالتضخم في نظره خيار سياسي، ينشأ عندما تنفق الحكومة أكثر من اللازم ويقوم الاحتياطي الفيديرالي بإصدار النقود بشكل مفرط. ونتيجة لذلك، فانه سيولي اهتماما بالغا بالمسار المالي لإدارة ترمب، التي تهيئ عجوزاتها الكبيرة، وفقا لإطاره التحليلي، بيئة خصبة للتضخم.

وتطور موقف وارش في ما يتعلق بأسعار الفائدة، إذ بات يعتبر معدلاتها نوعا من إعادة التوزيع بدلا من التيسير الكمي. ورأى ان صدمة الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وغيره من الابتكارات التكنولوجية تبرر خفضها، إذ تحفز الأخيرة النمو وتخفض التضخم مما يسمح بالتالي بخفض أسعار الفائدة. وهو تحليل يجادل فيه عدد من الاقتصاديين الذين يعتقدون بأن ازدهار الإنتاجية يولد المزيد من الاستثمار، وبالتالي تظهر حاجة أكبر للادخار، مما سيضغط في اتجاه رفع أسعار الفائدة. جدير بالذكر أن النقاش السابق طغى عليه التأزم النووي الإيراني الأخير وما نتج منه من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.

وفي ما يتعلق بموازنة الاحتياطي الفيديرالي، التي كانت نحو  تريليون دولار قبل أزمة 2008 وتبلغ حاليا 6.7 تريليونات دولار، يؤيد وارش خفضها بشكل كبير لتقليص جزء من السيولة المتداولة في الأسواق. من شأن ذلك تصحيح التشوهات الناجمة عن التيسير الكمي، وأهمها تفاقم عدم المساواة في الثروة وقصور في تخصيص الموارد في مختلف قطاعات الاقتصاد، فضلا عن تخفيف توقعات التضخم والسماح للاحتياطي الفيديرالي بخفض النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيديرالية، بحيث تستفيد الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة من هذا الخفض.

ينتقد وارش انحراف الاحتياطي الفيديرالي بتدخله في أمور لا تدخل ضمن مهامه التقليدية مثل قضايا المناخ ومعالجة فجوات التفاوت الاجتماعي

من جهة أخرى يعتبر وارش تضخم موازنة الاحتياطي الفيديرالي "مؤشرا الى تزايد نفوذه على الاقتصاد". فهو يرى أن سياسة التيسير الكمي "طمست" الحدود بين السياسة النقدية والمالية، مما أضعف استقلاليته. وكانت هذه المسألة محورية بالنسبة لوارش خلال فترة ولايته السابقة في لجنة السوق المفتوحة، وقراره الاستقالة عام 2011  نابع، جزئيا، من معارضته للجولة الثانية من التيسير الكمي.

ومن أبرز الانتقادات التي طالت توجه وارش هي أن موازنة الاحتياطي الفيديرالي الضخمة أصبحت في نظر كثير من الاقتصاديين والأسواق، جزءا أساسا من البنية الحالية للنظام المالي الأميركي، مما يجعل تقليصها السريع محفوفا بالأخطار. ويشير هؤلاء إلى أن خفض حيازات الاحتياطي الفيديرالي من السندات والأوراق المالية قد يدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى الارتفاع، وبالتالي يزيد تكلفة الائتمان على الشركات والأسر والحكومة الأميركية.

.أ.ف.ب
كيفن وارش رئيس الاحتياطي الفيدرالي، يحضر جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي بعد تعينه من قبل ترمب، 21 أبريل 2026

تتعارض هذه النتيجة مع طموح الرئيس ترمب في خفض أسعار الفائدة على الرهن العقاري. كما أن الخفض الحاد في أصول الاحتياطي الفيديرالي من شأنه أن يهدد بتجفيف أسواق المال وفقدان السيطرة على أسعار الفائدة القصيرة الأجل، وأيضا بتدمير الاحتياطيات التي تحتفظ بها المصارف لمتطلبات السيولة التنظيمية منذ تطبيق اتفاقية "بازل 3"، مما سيقلص قدرتها على تلبية طلبات السيولة في الأوقات الحرجة، الأمر الذي سيجبر الاحتياطي الفيديرالي على إعادة توسيع ميزانيته العمومية مرة أخرى لضخ السيولة المطلوبة. جدير بالذكر أن أي تجاهل من قبل الولايات المتحدة لتوصيات لجنة "بازل"، من شأنه تقويض الجهود المبذولة لتنسيق الأطر الاحترازية الدولية، ومفاقمة تشوهات المنافسة بين المصارف الأميركية والأوروبية.

ما هي انتقادات وارش وتوجهاته لدور "الفيديرالي"؟

بالإضافة إلى ذلك، يتحفظ وارش عن دور الاحتياطي الفيديرالي كجهة تنظيمية وإشرافية على القطاع المصرفي ويعتبره غير مجد من منظور الحفاظ على استقلاليته. ويؤيد ميشيل بومان، نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي لشؤون الرقابة المصرفية، باعتماد رقابة أقل تدخلا، تركز بشكل أكبر على الأخطار المالية مع تخفيف بعض متطلبات رأس المال وشروط الائتمان، حتى لو كان ذلك على حساب خطر تغذية فقاعات الائتمان والأصول. علاوة على ذلك، انتقد وارش اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على الأطر والقواعد التنظيمية الدولية، التي يرى أنها وضعت قواعد تتعارض مع المصالح الأميركية.

كذلك، ينتقد وارش "انحراف" الاحتياطي الفيديرالي بتدخله في أمور لا تدخل ضمن مهامه التقليدية مثل قضايا المناخ ومعالجة فجوات التفاوت الاجتماعي. وهو يرغب بتعديل أسلوب تواصل الفيديرالي مع الغير، حيث الكثير من الإعلانات والتصريحات التي تفضي الى توقعات سلبية. ويدعو في المقابل إلى مزيد من التكتم واتخاذ القرارات، خلال الاجتماعات لا قبلها، مما يمثل تحولا جذريا في مؤسسة أصبحت فيها التوجيهات المستقبلية أداة أساسية للسياسة النقدية منذ عهد بن بيرنانكي .

باستقلالية السياسة النقدية بحسب وارش هي أمرٌ جوهري. ويجب أن تكون قرارات المسؤولين النقديين نتاجا لتحليل دقيق ومداولات جادة وقرارات واضحة لا لبس فيها ولا شائبة

وأخيرا، لا يبدو وارش معارضا لفكرة تعزيز التنسيق بين الاحتياطي الفيديرالي ووزارة الخزانة الأميركية، معتبرا أن قدرا أكبر من التنسيق المؤسسي لا يتعارض بالضرورة مع استقلالية البنك المركزي. وقد أشار في أكثر من مناسبة إلى نماذج أجنبية، بينها النموذج البريطاني، حيث توجد قنوات تواصل أوثق بين الحكومة والبنك المركزي مقارنة بالنموذج الأميركي التقليدي. إلا أن هذا الطرح يثير تحفظات لدى المدافعين عن الاستقلالية الصارمة للاحتياطي الفيديرالي، في ظل المبدأ الأميركي الراسخ القائم على إبقاء السياسة النقدية بعيدة عن التأثير المباشر للسلطة التنفيذية.

هل كيفن وارش "دمية" في يد ترامب؟

وقبيل جلسة لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ الخاصة بترشيح وارش، ألمح ترمب في مقابلات إعلامية إلى أنه يتوقع نهجا أكثر ميلا إلى خفض أسعار الفائدة في حال تولي وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، مواصلا انتقاداته لسياسات جيروم باول النقدية. وهذه التلميحات استندت إليها السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن وآخرون للقول بإن وارش سيكون "دمية في يد ترامب".

أ.ف.ب.

وأضافت وارن أن مجلس الشيوخ "لا ينبغي له أن يساعد أو يشجع الاستيلاء غير القانوني على الاحتياطي الفيديرالي". وكانت الفكرة أنه لا يجب أن تكون هناك استجابة لمطالب خفض أسعار الفائدة إلى مستويات منخفضة فقط لتقديم صورة إيجابية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي تعتبر استفتاء على أداء الرئيس الأميركي وحزبه خلال النصف الأول من ولايته. وقد رفض وارش هذا الاتهام قائلا "إنه لم يبرم أي اتفاقيات سرية مع البيت الأبيض في شأن سياسة أسعار الفائدة" مدافعا بذلك عن نزاهته المهنية، نافيا ان يكون الرئيس قد طلب منه التزام مسار محدد لأسعار الفائدة، وأنه ما كان ليوافق على كل حال على مثل هذا الطلب.

وأضاف أن "استقلالية السياسة النقدية أمر جوهري. فيجب أن تكون قرارات المسؤولين النقديين نتاجا لتحليل دقيق ومداولات جادة وقرارات واضحة لا لبس فيها ولا شائبة"، مشددا على أن تكون الأخيرة مبنية على البيانات الآنية المتاحة بفضل الثورة الرقمية لا السياسة.

جيروم باول يقرر البقاء عضوا في مجلس محافظي الفيديرالي ولجنة السوق المفتوحة بعد انتهاء ولايته، في توجه واضح لمواجهة ترمب من الداخل حتى الرمق الأخير. وهو يعتبر ثاني رئيس يبقى في المجلس بعد انتهاء رئاسته له منذ أكثر من 70 عاما

وفي خصوص تصريحات الرئيس ترمب ذكر "أن الرؤساء يميلون عموما إلى تفضيل خفض أسعار الفائدة، والرئيس ترمب يعبر عن ذلك بوضوح تام، لكنه لا يعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة عندما يعبّر المسؤولون المنتخبون، رؤساء أو أعضاء مجلس الشيوخ أو النواب، عن آرائهم في خصوص الفائدة".

جدير بالذكر أن رؤساء عدة مارسوا في السابق، على غرار ترمب، ضغوطا متنوعة على إدارات الاحتياطي الفيديرالي في خصوص الفائدة، منهم الرئيسان ليندون جونسون وريتشارد نيكسون، اللذان سعيا إلى سياسات نقدية أكثر دعما للنمو قبيل الاستحقاقات السياسية. كما تشير بعض الروايات التاريخية وكتابات عن فترة الثمانينيات إلى أن إدارة رونالد ريغان كانت تفضل تجنب أي تشديد نقدي إضافي قبل انتخابات عام 1984، وسط نقاشات حول الضغوط السياسية التي تعرض لها بول فولكر خلال تلك المرحلة، من دون وجود دليل علني على صدور توجيه رسمي مباشر له.

جيروم باول يواصل مواجهة ترمب من الداخل

من جهة أخرى، قرر جيروم باول البقاء عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفيديرالي ولجنة السوق المفتوحة الفيديرالية بعد انتهاء ولايته كرئيس للمجلس الأخير في 15 مايو/ أيار 2026 وذلك الى حين انتهاء مدة عضويته فيه والبالغة 14 عاما في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2028. وهو أمر تنص عليه المادة 10 (الفقرتان 1و2) من قانون الاحتياطي الفيديرالي. والهدف من ذلك الدفاع حتى الرمق الاخير عن استقلالية الاحتياطي الفيديرالي بعدم تمكين ترمب من تعيين عضو مكانه مما سيمنح الأخير غالبية في مجلس الاحتياطي الفيديرالي تضغط للأخذ بإملاءاته.

أ.ف.ب.
جيروم باول الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي ، في مؤتمر صحافي في مقر البنك 18 مارس 2026

وبهذا يعتبر باول ثاني رئيس يبقى في مجلس الاحتياطي الفيديرالي بعد انتهاء رئاسته له منذ أكثر من 70 عاما. والحالة الوحيدة السابقة كانت لمارينر إيكلز، الذي استُبدل كرئيس لمجلس محافظي الاحتياطي الفيديرالي من قبل الرئيس ترومان عام 1948، لكنه استمر في العمل كعضو في مجلس المحافظين حتى عام 1951.

جدير بالذكر أن باول تولى منصب رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفيديرالي للمرة الأولى في 5 فبراير / شباط 2018، لمدة أربع سنوات. وأُعيد تعيينه في المنصب في 23 مايو/ أيار 2022 لمدة أربع سنوات جديدة تنتهي في 15 مايو/أيار 2026. وكان باول قد عين لأول مرة في عضوية مجلس المحافظين في 25 مايو/ أيار 2012، لإكمال فترة عضوية فريدريك ميشكين. وأُعيد تعيينه في المجلس في 16 يونيو/ حزيران 2014 لولاية تنتهي في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2028.

مخاوف من تنصيب أغنى شخصية تاريخيا على رأس الفيدرالي

ورد في الوثيقة التي قدمها وارش قبل مثوله في جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية أن حجم ثروته الشخصية يزيد على 192 مليون دولار من دون حديث عن ثروة زوجته، جين لودر، حفيدة إستي لودر ووارثة إمبراطورية مستحضرات التجميل التي تحمل الاسم نفسه، والتي تزيد قيمتها على 1.5 مليار دولار. مما يعني أن مصادقة مجلس الشيوخ على التعيين تحمل في طياتها موافقة على سابقة تنصيب أغنى شخص حتى تاريخه على رأس الاحتياطي الفيديرالي.

وقد أثارت ثروته وتشعب استثماراته في الشركات الناشئة، من بينها "فريند" (التي اشتهرت بقلادة الذكاء الاصطناعي) والعملات الرقمية ("سولانا"، "ليمون كاش"، و"فلاش نت") ومنصة سوق التنبؤ وتطبيق "بارتيفول"، مخاوف مشروعة بشأن تضارب المصالح المحتمل.

سيكون من غير المؤكد التوصل إلى إجماع حول طموحه بإجراء تقليص كبير في موازنة الاحتياطي الفيديرالي. فعلى ضوء التوترات الأخيرة التي شهدتها أسواق السندات سيكون الحل المناسب حصول الأمر بوتيرة أبطأ مقارنةً بالحجم الحالي البالغ 40 مليار دولار

 إلا أن القواعد الداخلية للاحتياطي الفيدرالي تمنع مسؤوليه من امتلاك حصص كبيرة في العملات الرقمية. وقد وعد وارش بالتقيد بهذا الموجب وبيع أسهمه في استثماراته السرية التي تبلغ العشرات إذا أصبح رئيسا للاحتياطي الفيدرالي. ويخشى البعض من سياسة نقدية تميل بشدة إلى السوق، وتركز أكثر على تقييم الأصول المالية بدلا من مهام الاحتياطي الفيدرالي التاريخية والتي هي التوظيف الكامل واستقرار الأسعار.

ما هي التحديات التي تنتظر كيفن وارش؟

سيتعيّن على وارش التعامل خلال ولايته مع تحديات عدة متنوعة وصعبة. أولها الموازنة بين ثقة ترمب الذي اختاره، وبين طمأنة الأسواق المالية التي تخشى تسييس "الاحتياطي الفيديرالي"، المؤسسة الأكثر نفوذا في العالم. فاستقلاليته هي حجر الزاوية في استقرار الدولار والاقتصاد العالمي، وأي اهتزاز في هذه الاستقلالية قد يعني تقلبات حادة في الأسواق. وسيكون على وارش أيضا الاختيار بين نهجين استراتيجيين لهذه المؤسسة: الهيمنة المالية، حيث تتكيف السياسة النقدية مع السياسة المالية، أو الهيمنة النقدية، حيث توجه السياسة النقدية الاقتصاد. والنقاش في هذا الإطار يتفرع إلى جدال حول مضمون الديمقراطية. إذ يعتبر فريق من الاقتصاديين "غير التقليديين" أن منح السياسة والهيمنة النقدية لجهة غير منتخبة بمثابة "سرقة للديمقراطية". في المقابل يرى فريق آخر من الاقتصاديين "التقليديين" ومحافظي المصارف المركزية ان الأمر المعترَض عليه هو الحل المفضل على "ترك وعاء الكريمة برعاية القط"، حتى لو كان للقط شرعية ديمقراطية، على حد تعبير الاقتصادي فريدريك حايك.

كذلك لن يكون في إمكان وارش تغيير السياسة النقدية بشكل جذري كما يطمح بمفرده . فهو "الأول بين متساوين" في لجنة السوق المفتوحة الفيديرالية التي يعود اليها الموافقة على هذا التغيير . ومن المرجح أن يؤدي تبنيه لسياسة متساهلة إلى مقاومة شديدة من بقية أعضاء هذه اللجنة. فإذا دعا فور توليه رئاسة الاحتياطي الفيديرالي إلى خفض فوري مهم لسعر الفائدة لتحفيز النمو وحماية سوق العمل، فمن المحتمل أن يفقد دعم بقية أعضاء اللجنة الذين يفضلون إبقاء أسعار الفائدة الحالية لتجنب المزيد من التضخم، مما يحد من نفوذه، خصوصا أن الأمور تدهورت بشكل ملحوظ منذ الأزمة في الشرق الأوسط مع بلوغ التضخم 3.5 في المئة في مارس/ آذار الماضي، وهو أعلى مستوى له في عامين مما يجعل هدف الـ 2% المحدد من قبل الاحتياطي الفيديرالي بعيد المنال.

أ.ف.ب.
كيفن وارش رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، يؤدي اليمين في مجلس الشيوخ أمام لجنة المصارف والإسكان، 21 أبريل 2026

أيضا سيكون من غير المؤكد التوصل إلى إجماع حول طموحه بإجراء تقليص كبير في ميزانية الاحتياطي الفيديرالي. فعلى ضوء التوترات الأخيرة التي شهدتها أسواق السندات سيكون الحل المناسب حصول الأمر بوتيرة أبطأ مقارنةً بالحجم الحالي البالغ 40 مليار دولار

اخيرا سيكون من الملح بالنسبة لوارش، وضع الخطط والبرامج الناجعة للتعامل مع التراجع والركود الذي بدأ يسيطر على قطاع الائتمان وهو وضع "أسوأ بكثير مما يتخيله البعض" بحسب التحذير المتشائم لجيمي دايمون، رئيس "جي بي مورغان".

هل يصمد وارش أمام ترمب ويتمسك بالقواعد النقدية؟

ليس بالأمر الأكيد أن وارش سيعمد فور تقلده زمام قيادة الاحتياطي الفيديرالي إلى سلوك النهج الذي يفترض أن الرئيس ترمب قد أشار إليه به، وهو خفض أسعار الفائدة، ومن الممكن تصور أن تعود ميول وارش التقييدية إلى الظهور سريعا بإعطاء الأولوية لمنع التضخم الجامح على حساب ضمان التوظيف الكامل خلال الأزمات. فإذا بقي التضخم قريبا من 3 في المئة، فالتوقع أن وارش سيكون أقل حماسة لمواصلة استرضاء ترمب وأكثر اهتماما بتقييم التاريخ لسجله لحجز مقعد له إلى جانب قادة تمسكوا بقناعاتهم ولم يزيحوا عنها مقابل الإغراءات أو الضغوط. ويشمل أمثال من سيخلفه أي جيروم باول وسلفهما بول فولكر، الرئيس الثاني عشر للاحتياطي الفيديرالي الذي يؤثر عنه تحذيره من محاولة أي كان ادخال ولو رجل واحدة إلى حلبة المؤسسة الأخيرة في وجوده. والألماني هيالمار شاخت (Hjalmar Schacht) الذي عينه الزعيم النازي أدولف هتلر وزيرا للاقتصاد عام 1937 ثم على رأس "الرايخ سبنك" عام 1939.

فعمل بسابقة غير مألوفة على تسليح القوة العسكرية للفوهرر من دون أي عوارض تضخمية. لكن اصطدم مع الأخير ومستشاريه لاحقا عام 1938 على خلفية قرار اتخذه الزعيم الألماني شخصيا بتثبيت سعر صرف مرتفع للشلن النمسوي في مقابل المارك من دون أي مبرر اقتصادي لقيمة الأول، وذلك لتحفيز النمسويين للانضمام إلى ألمانيا. وقد عارض شاخت بضراوة هذا القرار وقرارات تضخمية لاحقة مستندا إلى القول المتداول "روما من فوق تختلف عن روما من تحت"، وانتهى الأمر بإقالة هتلر له مطلع عام 1939.

font change

مقالات ذات صلة