ليلى مراد اليهودية المسلمة على خطوط التجاذبات السياسية

أول "سندريلا" في السينما العربية

AFP
AFP
الممثلة المصرية ليلى مراد

ليلى مراد اليهودية المسلمة على خطوط التجاذبات السياسية

منذ الفصل الأول من كتاب "الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة" (الكتب خان 2025، ترجمة بسمة ناجي)، تلفت مؤلفته حنان حماد، الأنظار إلى جهد النجوم والنجمات في صناعة صورتهم العامة، وإلى تناقضات هذه الصورة في أزمنة مختلفة. فهي تستشهد بقولين منشورين في الصحف نقلا عن المغنية النجمة السينمائية المصرية الشهيرة ذات الأصل المغربي: في الأول تقول "بسبب ميولي، كان من الطبيعي أن أصير مغنية، لكن والدي قاوم رغبتي في البداية" (1948)، بينما بعد بضع سنوات تقول "لم أرد أن أكون مغنية ولا ممثلة. وكنت أمني نفسي بأن أصير مدرسة أو زوجة (...) فقذف أبي بي كورقة أخيرة في يده على مائدة الحياة لكسب القوت له ولإخوتي" (1954).

هكذا تنتقل رغبة ليلى مراد من صورة الفنانة المحاربة، التي انطلقت في مسيرة الفن رغما عن أهلها، كما كان شأن كثير من حكايات الفنانين والفنانات آنذاك (كعبد الوهاب الذي ضربه والده، أو يوسف وهبي الذي تبرأت منه عائلته)، إلى صوغ صورة المرأة التي كانت تفضل أن تكون زوجة أو عاملة في مجال مقبول اجتماعيا لولا ظروف والدها التي فرضت عليها امتهان الفن مبكرا. تتشابك عناصر كثيرة لفهم انتقال هذه الرغبة من صورة إلى صورة، وكلتاهما ربما غير حقيقيتين تماما، منها الوضع العائلي لليلى مراد واختلافه بين هذه الأعوام، فضلا عن الوضع السياسي في الاقليم (قيام اسرائيل) وانعكاسه على ليلى مراد نفسها (اليهودية المسلمة، المتهمة والمقاطعة في سوريا بسبب ذلك) والوضع السياسي في مصر نفسها بعد انتقال السلطة من الملكية وتقاليدها الليبيرالية إلى أيدي ضباط شبان، محافظين، ومتحمسين لممارسة سلطتهم الجديدة، على ما توضح حماد.

الصحافة الصفراء

يحلل الكتاب قصة صعود ليلى مراد، ثم شبه اعتزالها المطول، بالاعتماد على مصادر كثيرة لا سيما من صحافة تلك الفترة وما نشر فيها من "مذكرات" كتبها صحافيون، ليسوا دوما بالأمينين على الحقيقة قدر حرصهم على مساعدة النجوم في صناعة صورتهم وخطابهم. وبهذا تولي حماد أهمية كبيرة للصحافة الفنية والمجلات المخصصة لأخبار النجوم والنجمات وصورهم. فهذه الصحافة، التي لم تكن تعتبر صحافة صفراء آنذاك، كانت واسعة الانتشار بين الطبقات المختلفة، لا سيما الوسطى وطبقة العمال، ومساهمة كبيرة في إنشاء خطاب عام حول الاخلاق والفن والموضة وما هو مقبول أو لا في الحيز العام. كما جرى استعمالها من قبل هؤلاء النجوم أنفسهم في معاركهم الخاصة وفي صورتهم العامة.

حتى دخول شخصيات نسائية مهمة عالمي الصحافة والسينما لم يغير شيئا في هذا الإطار الأخلاقي الذي يدور باستمرار حول تحميل المرأة عبء حماية الشرف

كان من الطبيعي في مصر الناهضة في النصف الأول من القرن العشرين أن يكون الجنس محورا أخلاقيا في الفن وفي الخطاب المحيط بالفنانين، إذ كان الخطاب الأخلاقي الحذر أو حتى المندد بخروج المرأة إلى سوق العمل وإلى مقاعد الدراسة، يوازن متطلبات الحياة العصرية ويؤطرها بما لا يصدم التقاليد المحافظة. حتى دخول شخصيات نسائية مهمة عالمي الصحافة والسينما (مثل روز اليوسف وبهيجة حافظ وآسيا داغر وغيرهن) لم يغير شيئا في هذا الإطار الأخلاقي الذي يدور باستمرار حول تحميل المرأة عبء حماية الشرف. الأمر في الواقع يتخطى الجنسانية وإن استعملها، فهو في نهاية التحليل يسعى إلى تعزيز ما يعتبر "أصالتنا وقيمنا" وجعل التعليم الحديث والتقنية المعاصرة في خدمتها، لا أن يكونا مجالا لتحدي هذه القيم الموروثة.

أخّر هذا الإطار الأخلاقي ظهور المواهب النسائية المصرية على المسرح أولا، فكان أبو خليل القباني مثلا يأتي بالمغنيات لمسرحياته من بلاد الشام. وكانت منيرة المهدية أول امرأة مسلمة تظهر في المسرح الغنائي في مصر، وأدت بعض أدوار الرجال أحيانا، في حين كانت أم كلثوم تخفي أنوثتها مطولا في لباس العباءة الفضفاضة والعقال، محاطة بأبيها وأخيها. ولفترة طويلة كانت المواهب النسائية في معظمها من الشوام أو من الأقليات الدينية في مصر. واستمر ذلك في بدايات مجال السينما أيضا، مع أمثال نادرة أمين ذات الأصول الشامية، أو أسمهان، أو ليلى مراد نفسها، ثم تواصل مع صباح ونور الهدى وغيرهما.

السندريلا الأولى

لمعت ليلى مراد كبطلة في فيلم "يحيا الحب" (1938) مع محمد عبد الوهاب، المطرب الأشهر في حينه، بعدما عاد والدها المطرب القديم زكي مراد خاوي اليدين من رحلته المطولة في بلاد المهجر ليرى أن الذائقة العامة قد هجرت أسلوبه الفني. لكنه استعان بعلاقاته لتدريب ابنته ولتأمين عدد من الحفلات التي كانت انطلاقتها الأولى. وتشير صاحبة الكتاب إلى أن ليلى مراد، أول من لقبت بالسندريلا في السينما المصرية، كانت ذات شخصية قوية واكتسبت قدرة عالية على التفاوض التجاري على أجرها في السينما وفي الحفلات، ولم تكن في الحقيقة تشبه البنت الضعيفة المغلوبة على أمرها، كما كانت صورتها السينمائية في عدد من الأفلام.

Imdb
محمد عبد الوهاب وليلى مراد في فيلم "يحيا الحب" (1938)

لا تتوقف الكاتبة كثيرا مع الأسف عند صناعة السينما نفسها هذه وأصولها. وإذ تشير إلى جمال الاستعراضات والبذخ الذي كان علامة أنور وجدي (زوج ليلى مراد) وإضافته إلى عالم السينما، فإنها لا تتبع أصول هذه الاستعراضات، التي تبدو على قطيعة مع تراث المسرح الغنائي كما نعرفه والذي بدأ مع أبي خليل القباني ومارون النقاش وانطلق مع الشيخ سلامة حجازي ثم اغتنى كثيرا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى على أيدي سيد درويش وكامل الخلعي وداود حسني ثم زكريا أحمد وجيلهم. بل يبدو إن المصدر البصري والمفهومي لهذه "التابلوهات" الاستعراضية، كما نجدها في أفلام ليلى مراد وفريد الأطرش ومحمد فوزي، إنما كان عالم الكازينو، مثل كازينو بديعة مصابني والعروض التي كانت تقدمها منذ فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها والتي نتج منها اكتشاف مثل هذه الأسماء الكبيرة التي انتقلت لاحقا إلى عالم السينما.

لم تكن في الحقيقة تشبه البنت الضعيفة المغلوبة على أمرها كما كانت صورتها السينمائية في عدد من الأفلام

كان فيلم "الحبيب المجهول" (1955) آخر أفلام ليلى مراد وآخر أعمالها الشهيرة. يكشف الكتاب أن ليلى مراد، التي كانت آنذاك في قمة شهرتها وفي سن السابعة والثلاثين فقط، لم تعتزل حقا. بل حاولت مرارا العودة إلى السينما، وفشلت، وقدمت العديد من الأعمال الغنائية في الإذاعات في مصر والدول العربية إلا إنها لم تحظ بالمستوى نفسه من الانتشار، بل حظر بعضها السياسي (كالذي غنته أثناء فترة حكم محمد نجيب وقد حظر في عهد عبد النصر، أو أثناء حرب الاستنزاف ضد اسرائيل وقد حظر لاحقا في عهد السادات).

يبدو الكتاب أساسا محاولة لفهم شبه الاعتزال الذي أحاط بليلى مراد، وعلاقة ذلك بفشل زواجها من أنور وجدي ثم علاقتها في نحو عام 1954 بالضابط وجيه أباظة الذي أنجبت منه طفلا، وبموقعها كامرأة في هذه الإطار المتغير اجتماعيا وسياسيا، كما علاقة ذلك بكونها من أصول يهودية وإن تكن أشهرت إسلامها قبل حرب 1948، وبأثر ذلك على امكانات توزيع أعمالها السينمائية (لا سيما في سوريا التي كان نظامها آنذاك يمنع أعمال ليلى مراد متهما اياها دون دليل بدعم إسرائيل). ويتعلق ذلك أيضا بالنظرة الذكورية ومتطلباتها من الجسد الأنثوي الذي ينبغي أن يراعي معايير قاسية لا تتلاءم بالضرورة مع السن والأمومة والاهتمام بالأطفال.

هكذا تلوح أزمة ليلى مراد عند نقطة تقاطع الأنوثة مع الأصل الديني والنظرة الذكورية والخطاب المحافظ والمتغيرات السياسية، ولا يبدو أن سببا وحيدا يكفي بمفرده لتبرير ما حصل لها. وهذا التقاطع هو ما يستوقف صاحبة الكتاب مطولا.

Wikimedia Commons
ليلى مراد وأنور وجدي في فيلم "حبيب الروح"

عالم الشائعات

فبعدما كانت ليلى مراد أشهر النجمات السينمائيات ومن أعلاهن أجرا، استمر هذا النجاح مع زواجها من انور وجدي، فعملا معا في بعض أكثر الأفلام نجاحا (مثل "غزل البنات"). وتدحض حماد شائعات بخل أنور وجدي وحرمانه ليلى مراد من الأجر ملتمسة له العذر في مصاريف السفر والإجازات والهدايا والثياب الغالية التي كان يقدمها لزوجته. في المقابل، هي تلاحظ كيفية استغلال انور وجدي للشائعات والأخبار الكاذبة لزيادة الدعاية للأفلام وضمان نجاحها.  مثلما تلاحظ في المقابل كيف كانت الصورة الزائفة المقدمة إلى الجمهور في فترات خلافه مع ليلى مراد تعتمد على الخطاب العام المحافظ وتعززه بدل أن تتحداه، بأن يقدم نفسه حريصا على الانجاب الذي تحرمه منه زوجته التي لا تهتم إلا بالمال، بينما كانت هي تقدم نفسها في صورة المرأة الهشة الضحية والرقيقة الحالمة الخجولة التي لم تكن تحلم إلا بالحياة الزوجية الهانئة.

ولئن كانت ليلى مراد قد تحولت إلى الإسلام منذ العام 1947 ثم أعلنت ذلك لاحقا، فإن الإعلان نفسه لا يبدو بريئا تماما من ردود الأفعال العامة على قيام اسرائيل وتبعات حرب 1948، بل هو محاولة لتوكيد الانتماء إلى بلدها وكأن مثل هذا الانتماء بات متعارضا مع اصولها الدينية. وبالفعل، فإن النظام السوري سوف يحظر لاحقا أفلام ليلى مراد، متهما إياها دون دليل بدعم اسرائيل والتبرع لها، رغم التحقيقات التي أجراها النظام المصري بعد 1952 واحتفائه بليلى مراد علنا، إذ غنت لمحمد نجيب، ثم بعد انتصار عبد الناصر عليه دعيت مجددا للغناء في حفلات الثورة. ولم يرفع الحظر رسميا من الجانب السوري، بل سقط عمليا في النسيان في أعقاب إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958. كذلك لا تدعم صاحبة الكتاب رواية أن أنور وجدي كان وراء هذه الاتهامات، في ذيول خلافاته الزوجية وطلاقه المتكرر من ليلى مراد، مشيرة إلى دعمه لليلى في هذه المعركة في الوقت نفسه الذي يبدو فيه أن ليلى مراد تسافر إلى باريس حيث كان يتابع العلاج وتدعمه، رغم طلاقهما، في معركته الصحية.

تلوح أزمة ليلى مراد عند نقطة تقاطع الأنوثة مع الأصل الديني والنظرة الذكورية والخطاب المحافظ والمتغيرات السياسية

لا يبدو إذن أن النظام المصري، على الأقل حتى منتصف الخمسينات، كان وراء فرض نوع من الاعتزال على ليلى مراد، لأسباب سياسية. فقد جرى تجاوز مسألة غنائها لمحمد نجيب، مثل كثير من المطربين آنذاك، كذلك دعم النظام ليلى مراد في قضية اتهامها بدعم اسرائيل. في المقابل، يبدو إن صاحبة الكتاب تبالغ في مسألة أثر الحظر السوري على المنتجين الذين خافوا تاليا من إنتاج أفلام لليلى مراد: في الواقع، إن فيلمها الأخير كان عام 1955، قريبا من انتهاء الحظر فعليا سنة 1958، فضلا عن خبرة ليلى مراد في الإنتاج ورغبتها المتكررة في العودة إلى السينما وإن بأجر أقل، وفي الأخص فإن السوق السورية لم تكن تساهم بأكثر من نحو عشرة في المئة من العائدات.

عبد الناصر وضباطه

يبدو العامل الأهم في أمكنة أخرى: فنحو العام 1954 ربطت علاقة عاطفية ليلى مراد بالضابط وجيه أباظة، الذي امتلك نفوذا كبيرا في النظام، مثلما ربطت علاقات عاطفية كثيرة الضباط الشبان الناهضين بنجمات كثيرات أو بأميرات وبنات العائلات الكبيرة في النظام السابق. وتفترض حماد أن زواجا عرفيا جمعهما، ونتج منه ابنها أشرف الذي عانت ليلى مراد مطولا قبل أن ينسب إلى والده الذي رفض النسب بداية ورفض حتى اللقاء به (يورد الكتاب أن لقاء وحيدا جمع بينهما بالمصادفة في حادث سير طفيف بين سيارتي الأب والابن). والضابط، المنتمي إلى عائلة محافظة كبيرة والمتزوج أصلا من قريبته، لا بد أنه أنكر هذا الوضع متحرجا منه، إذ استغله بعض منافسيه ليحاربوه به. وتضيف حماد أن عبد الناصر تدخل شخصيا في مثل هذه الحالات لوضع حد لاستغلال الضباط لنفوذهم من أجل أغراض جنسية وعاطفية، فتبرئه كشخص فيما تدين نظامه.

تبدو هذه العلاقة المفصل الأهم ربما في إنهاء مسيرة ليلى مراد، فاثر الضغط النفسي والاجتماعي الناتج من اخفاء الحمل ثم الابن في مرحلة أولى، ثم ضمان اندراجه في حياتها العامة بعد زواجها السريع من المخرج فطين عبد الوهاب عام 1956 وإنجابها ابنا ثانيا، عانت ليلى مراد من أزمات أبعدتها لنحو عامين عن النشاط العام وأدخلتها إلى المصحة عام 1957. وأثر ذلك أيضا على وزنها وقوامها، في حين كان أغلب المخرجين والعاملين في الصناعة حرصاء على معايير مصطنعة لا تتوافق مع حقائق الأمومة والتقدم في السن. ولئن سعت ليلى مراد للعودة إلى السينما، فإن مشهد هذه الصناعة كان يمر بتغييرات كبيرة، إذ أمسكت الدولة بمعظم الانتاج، وكان عبد الحميد جودة السحار المسؤول الأبرز عن الانتاج السينمائي وكان أيضا صديقا لوجيه اباظة. وقد كانت صناعة السينما آنذاك تشهد محاربة للكثير من الفنانات (لا سيما ذوات الاصول الشامية مثل نور الهدى وسعاد محمد اللتين اضطرتا للعودة إلى لبنان، بينما رفض دخول المطربة العراقية عفيفة اسكندر إلى مصر)، مثلما كانت تشهد انحسارا نسبيا في عدد الأفلام الغنائية، التي كانت الأفلام الأهم والأبرز لنحو عقدين من منتصف الثلاثينيات إلى منتصف الخمسينات.

تدخل عبد الناصر شخصيا لوضع حد لاستغلال الضباط لنفوذهم من أجل أغراض جنسية وعاطفية

وينبغي أن نتوقف قليلا عند مسألة السن وطول المسيرة الفنية السينمائية. فباستثناء صباح التي استمرت طويلا منتقلة بين المشهد المصري والمشهد اللبناني، فإن المسيرة المهنية للمطربات اللواتي عملن أيضا في السينما لم تكن ممتدة كثيرا (مثل نور الهدى التي مثلت في مصر لعشر سنوات، وأسمهان التي توفيت باكرا، وأم كلثوم التي قامت ببطولة ستة أفلام في نحو عشر سنوات، وشادية التي تحولت أكثر في اتجاه التمثيل مع انحسار الافلام الغنائية) بينما طالت مسيرة ليلى مراد السينمائية إلى نحو سبعة وعشرين فيلما (باستثناء ظهورها العابر في فيلم "الضحايا" سنة 1935) في ما يقرب من ثمانية عشر عاما (من 1938 إلى 1955)، وهي إحدى أطول المسيرات الغنائية السينمائية النسائية.

غلاف "الماضي المجهول، ليلى مراد نجمة مصر اليهودية المسلمة"

اجتماع هذه العوامل كلها قد يفسر سبب توقف ليلى مراد عن العمل السينمائي، واقتصارها على غناء بعض الأعمال في الإذاعات. لكنه لا يفسر في المقابل اصرارها على العودة إلى هذا المجال، وقلة الحفلات الحية التي شاركت بها. ورغم عدم وجود تفسير كاف لهذين الأمرين، فإن شعبية ليلى مراد استمرت عالية في كل مرة كان التلفزيون يعرض فيها أفلامها القديمة، وقد استضافها لاحقا في ظل التوجه الجديد لنظام أنور السادات.

ولعل الأمر يتعلق في الواقع بالأمر الأساس الذي لم تتوقف صاحبة الكتاب عنده، أي صوت ليلى مراد نفسه وذائقتها الموسيقية. وهو المأخذ الأساس على الكتاب، إذ لم تتعرض حماد للجوانب الفنية في صوت ليلى مراد وما طرأ عليه ربما من تغييرات لا سيما بعد أزمتها الصحية. وكذلك لم تتعرض إلا في شكل عابر سريع لتفضيلات ليلى مراد الشخصية، فتذكر أن ليلى مراد "أصبحت أكثر توترا في العروض العامة وتجنبت الحفلات عمدا"، وتعزو ذلك إلى السمنة ربما. ما لم يترك لها مجالا للحضور الفعلي إلا من خلال السينما، بينما كان المشهد الغنائي الإذاعي أيضا يتغير.

تغير الذائقة

وبالفعل، فإن أحدا تقريبا لا يذكر الغالبية العظمى من الأغنيات التي غنتها خارج إطار الأفلام، ولا ما غنته بعد منتصف الخمسينيات. والكتاب لا يساعد في ذلك، إذ حتى حين تذكر أداء ليلى مراد لبعض الأغاني لكبار الملحنين، فهي لا تذكر أسماء هؤلاء ولا عناوين الأغاني، ولا يبدو إنها أغان قد تركت أثرا مذكورا لدى السامعين. فالمرحلة منذ منتصف الخمسينيات استتبعت تغييرات كثيرة في الذائقة العامة، كان من بينها بروز ملحنين جدد (محمد الموجي وكمال الطويل، ثم بليغ حمدي) وأساليب جديدة في التوزيع الموسيقي، وأصوات جديدة ذات طابع رومنسي (مثل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة)، بينما حلت شادية في موقع الفتاة الشقية والممثلة الممتازة والمطربة الجميلة، بحيث لم يعد هنالك من مساحة بالضرورة لليلى مراد، بتدريبها الصوتي كما التمثيلي، كي تستمر في أداء نوعية الأدوار السابقة نفسها. لذا قد ينبغي أن نضيف إلى ما سبق من أسباب توقف ليلى مراد هذه العوامل الأخرى (الصوت وتغييراته، وتحورات ذائقة الجمهور، ومساحة الأدوار واختلاف نوعيتها، وتفضيل التسجيل على الحفلات الحية المرهقة).

كانت ليلى مراد مثلا على الحد ما بين الأصل اليهودي المغربي والانتماء المصري المسلم، والزيجات المتعددة وشروط النجومية السينمائية وإغراءاتها ومتطلبات الزوجية والأمومة

يتوقف الكتاب أيضا عند محاولات أطراف عديدة الاستيلاء على قصة ليلى مراد لاحقا: السلطة التي أرادت، بعد مبادرة السادات تجاه إسرائيل، اعادة احياء نجومية ليلى مراد كدليل على تعاملها السمح مع اليهود في المجتمع المصري، والإسلاميون الذين أرادوا تأكيد إسلامها ودور الشيخ الشعراوي، والعلمانيون الذين فشل معظمهم في الخروج من فخ التناقض الموهوم بين كون المرء يهوديا (أو من أصول يهودية) وكونه وطنيا. ويبدو موقع ليلى مراد، كامرأة تحولت إلى الإسلام كما تمسكت بمصريتها، أكثر قابلية لمحاولات الاستيلاء هذه، كقصة نجاح مشرق للجانب الإسلامي والمصري ضد التطبيع مع الدولة اليهودية (في مقابل تجاهل قصص مثل راقية ابراهيم مثلا كقصة فشل لهذه الناحية). بينما لم يتعرض منير مراد، اخوها الذي أشهر أيضا اسلامه مبكرا، لحملات مشابهة بل كان نجما وموضع تقدير حتى أثناء العهد الناصري.

تبدو كل حياة آخر الأمر موضع تجاذب ما بين رغبة المرء في صوغ صورته، وبين تقاطع مواقعه المختلفة من مجالات الحياة وما يتيحه هذا التقاطع من احتمالات، وبين محاولات الآخرين للهيمنة على هذه الصورة. كانت ليلى مراد نفسها مثلا على ذلك، على الحد ما بين الأصل اليهودي المغربي والانتماء المصري المسلم، والزيجات المتعددة من فنان وضابط ومخرج، وعلى الحد ما بين شروط النجومية السينمائية وإغراءاتها وبين متطلبات الزوجية والأمومة، وما بين التحولات السياسية والتغيرات الموسيقية الفنية. فتأرجحت صورتها مرارا، ولعل الأمر بات يتطلب الآن العودة إلى ما يبقى، بعدما سقطت مبررات الصراع على الصورة، أي العودة إلى صوتها الفريد وابتسامتها السينمائية الاخاذة في زمن المرح بالأبيض والأسود، قبل أن تشوهه محاولات التلوين الفاشلة المدعمة بالذكاء الاصطناعي.

font change