تكشف التطورات الأخيرة في قطاع التكنولوجيا أن العلاقة بين الصين ووادي السيليكون لم تعد مجرد علاقة تنافسية عادية بين قوتين اقتصاديتين، بل أصبحت ساحة إعادة فرز عميقة لنظام التكنولوجيا العالمي كله.
فالعالم الذي كان يقوم قبل عقد واحد على تدفق رأس المال الأميركي إلى الشركات الصينية الواعدة، وعلى انتقال المؤسسين والمهندسين والخبرات بين كاليفورنيا وبكين وشنغهاي وشنتشن، يتجه اليوم إلى نموذج أكثر انغلاقا وحذرا، إذ باتت التكنولوجيا تعامل باعتبارها أصلا استراتيجيا حساسا لا مجرد منتج تجاري قابل للتوسع عبر الحدود.
في العقدين الأول والثاني من القرن الحالي، كانت العلاقة بين وادي السيليكون والصين تبدو وكأنها قصة تكامل مثالية. رأس المال والخبرة الإدارية وشبكات النمو تأتي من الولايات المتحدة، والسوق الضخمة وسرعة التنفيذ وقدرة التصنيع والتوسع تأتي من الصين.
لذا، لم يكن غريبا أن تكون شركات استثمار أميركية كبرى من أوائل الداعمين لعمالقة صينيين مثل "علي بابا"، وأن تنظر صناديق رأس المال المغامر إلى الصين باعتبارها واحدة من أهم ساحات النمو العالمي.
ولم تكن زيارة دونالد ترمب إلى بكين، مصحوبا برؤساء شركات مثل "تسلا" و"آبل" و"إنفيديا" و"ميكرون" و"كوالكوم"، مجرد مشهد بروتوكولي أو رسالة ديبلوماسية عابرة، إذ كانت في جوهرها تذكيرا بأن هناك فجوة واسعة بين اللغة المستخدمة في السياسة العامة وبين الحسابات الحقيقية للشركات الكبرى.
ففي الوقت الذي يسمع فيه المستثمرون والمؤسسون ورواد الأعمال خطابا متكررا عن الانفصال عن الصين وتقليل الاعتماد عليها، يبدو أن الشركات الأقدر على قراءة ميزان القوة التكنولوجية لا تتعامل مع الصين كعدو ينبغي الهروب منه، بل كقوة موازية يجب فهمها والتعامل معها ببراغماتية طويلة النفس.


