يتجذر فن الرسم على الجدران في أعماق الحضارة المصرية منذ غابر الأزمان، بداية من النقوش التي زينت جدران المعابد والمقابر، إلى اللوحات الجصية التي صورت السيدة العذراء والسيد المسيح والقديسين في مغارات الأديرة، مرورا بمشاهد الحياة اليومية كخبز العيش وحلب الأبقار في قرية القرنة بالأقصر، وصولا إلى رسوم الطيور والأسماك والتماسيح على بيوت النوبة، وحتى تصوير مقتنيات الحياة اليومية على شواهد القبور في جبانة هو بقنا.
في خضم هذا التنوع الهائل للفن الجداري الممتد عبر جغرافيا مصر وتاريخها، تبرز الجداريات المرتبطة برحلة الحج كظاهرة فنية متفردة، إذ تجسد مشاهد هذه الجداريات عادة تفاصيل الرحلة، والمناسك، والأماكن المقدسة المرتبطة بهذه الفريضة. وترافق هذه الرسوم خطوط عربية تتنوع بين آيات من القرآن الكريم، أو أدعية، أو عبارات تهنئة للحاج، أو مزيج من ذلك كله.
كانت جدارايات الحج عادة مصرية متوارثة في تزيين منازل الحجاج العائدين إلى بيوتهم احتفاء بإتمام المناسك، وإعلام المارة وغيرهم بأن أحد سكان هذا البيت قد أدى فريضة الحج إلى بيت الله، كما أنها وسيلة لإظهار الفخر بالمكانة الجديدة التي نالها الحاج، ومشاركة البهجة مع الأهل والأصدقاء. وهو تقليد يتجاوز الحدود الجغرافية المصرية، ويمتد أثره إلى أجزاء من ليبيا وسوريا ولبنان وفلسطين، معبرا عن وحدة الوجدان الشعبي في الاحتفاء بهذه الرحلة المقدسة، لكنه برز بشدة في مصر.
تضرب هذه العادة بجذورها في عمق التاريخ بعد دخول الإسلام في مصر. ففي المؤلفات القديمة ما يحتفي بها ويبرز وجودها، ومنها ما دوّنه الرحالة العثماني مصطفى علي الذي زار مصر مرتين، ودون ما رآه في مظاهر للحياة الاجتماعية المصرية في خلال القرن السادس عشر في كتابه "سياحتنامه مصر"، فوصف كتابة الآيات القرآنية على أبواب الحجاج بأنها "عادة لطيفة" تبهج الناظرين، كما حظي هذا التقليد باهتمام المستشرق إدوارد ويليام لين في القرن التاسع عشر (1825-1835)، حين قدم وصفا دقيقا للمشهد الجمالي آنذاك، مشيرا إلى أن العادة جرت أن يزين مدخل بيت الحاج قبل قدومه بيوم أو أكثر، فيصبغ الباب، وتطلى واجهة البيت بالغراء والكلس على التعاقب، بخطوط أفقية عريضة بالأحمر والأبيض، قبل تزيينها برسوم الجمال والأشجار، مما يبرز تطور هذا الفن الشعبي وقدرته على الصمود والاستمرار عبر القرون.
بلاغة الرمز وتقديس المكان
كانت هذه اللوحات ترسم عادة على الواجهة الرئيسة للمنزل وحول الباب، وأحيانا تمتد لتغطي أكثر من واجهة، بل قد ترسم في بعض الأحيان داخل البيت نفسه، بأساليب وتفضيلات متباينة في رسم المعالم المقدسة كالكعبة المشرفة والمسجد النبوي، وكذلك في أحجام وأشكال الأشخاص. فتارة نجد رسوما لأشكال تجريدية، وتارة أخرى نجد تصويرا أكثر تفصيلا لهيئة الشخص وملابسه. وعلى الرغم من أن رسوم الحج قد انطلقت من المناطق الريفية، إلا أنها انتقلت إلى جدران المباني في المدن، ولعل ذلك قد حدث بفعل الهجرة من القرى إلى الحواضر.




