فن الرسومات والجداريات التي تحتفي بالحجاج العائدين

حضور الكعبة والقبة الخضراء وأشجار النخيل

REUTERS/Hayam Adel
REUTERS/Hayam Adel
الفنان عيد الصلعاوي يرسم جداريات عن الكعبة ومناسك الحج في القاهرة، 2019

فن الرسومات والجداريات التي تحتفي بالحجاج العائدين

يتجذر فن الرسم على الجدران في أعماق الحضارة المصرية منذ غابر الأزمان، بداية من النقوش التي زينت جدران المعابد والمقابر، إلى اللوحات الجصية التي صورت السيدة العذراء والسيد المسيح والقديسين في مغارات الأديرة، مرورا بمشاهد الحياة اليومية كخبز العيش وحلب الأبقار في قرية القرنة بالأقصر، وصولا إلى رسوم الطيور والأسماك والتماسيح على بيوت النوبة، وحتى تصوير مقتنيات الحياة اليومية على شواهد القبور في جبانة هو بقنا.

في خضم هذا التنوع الهائل للفن الجداري الممتد عبر جغرافيا مصر وتاريخها، تبرز الجداريات المرتبطة برحلة الحج كظاهرة فنية متفردة، إذ تجسد مشاهد هذه الجداريات عادة تفاصيل الرحلة، والمناسك، والأماكن المقدسة المرتبطة بهذه الفريضة. وترافق هذه الرسوم خطوط عربية تتنوع بين آيات من القرآن الكريم، أو أدعية، أو عبارات تهنئة للحاج، أو مزيج من ذلك كله.

كانت جدارايات الحج عادة مصرية متوارثة في تزيين منازل الحجاج العائدين إلى بيوتهم احتفاء بإتمام المناسك، وإعلام المارة وغيرهم بأن أحد سكان هذا البيت قد أدى فريضة الحج إلى بيت الله، كما أنها وسيلة لإظهار الفخر بالمكانة الجديدة التي نالها الحاج، ومشاركة البهجة مع الأهل والأصدقاء. وهو تقليد يتجاوز الحدود الجغرافية المصرية، ويمتد أثره إلى أجزاء من ليبيا وسوريا ولبنان وفلسطين، معبرا عن وحدة الوجدان الشعبي في الاحتفاء بهذه الرحلة المقدسة، لكنه برز بشدة في مصر.

تضرب هذه العادة بجذورها في عمق التاريخ بعد دخول الإسلام في مصر. ففي المؤلفات القديمة ما يحتفي بها ويبرز وجودها، ومنها ما دوّنه الرحالة العثماني مصطفى علي الذي زار مصر مرتين، ودون ما رآه في مظاهر للحياة الاجتماعية المصرية في خلال القرن السادس عشر في كتابه "سياحتنامه مصر"، فوصف كتابة الآيات القرآنية على أبواب الحجاج بأنها "عادة لطيفة" تبهج الناظرين، كما حظي هذا التقليد باهتمام المستشرق إدوارد ويليام لين في القرن التاسع عشر (1825-1835)، حين قدم وصفا دقيقا للمشهد الجمالي آنذاك، مشيرا إلى أن العادة جرت أن يزين مدخل بيت الحاج قبل قدومه بيوم أو أكثر، فيصبغ الباب، وتطلى واجهة البيت بالغراء والكلس على التعاقب، بخطوط أفقية عريضة بالأحمر والأبيض، قبل تزيينها برسوم الجمال والأشجار، مما يبرز تطور هذا الفن الشعبي وقدرته على الصمود والاستمرار عبر القرون.

بلاغة الرمز وتقديس المكان

كانت هذه اللوحات ترسم عادة على الواجهة الرئيسة للمنزل وحول الباب، وأحيانا تمتد لتغطي أكثر من واجهة، بل قد ترسم في بعض الأحيان داخل البيت نفسه، بأساليب وتفضيلات متباينة في رسم المعالم المقدسة كالكعبة المشرفة والمسجد النبوي، وكذلك في أحجام وأشكال الأشخاص. فتارة نجد رسوما لأشكال تجريدية، وتارة أخرى نجد تصويرا أكثر تفصيلا لهيئة الشخص وملابسه. وعلى الرغم من أن رسوم الحج قد انطلقت من المناطق الريفية، إلا أنها انتقلت إلى جدران المباني في المدن، ولعل ذلك قد حدث بفعل الهجرة من القرى إلى الحواضر.

يزين مدخل بيت الحاج، فيصبغ الباب، وتطلى واجهة البيت بالغراء والكلس على التعاقب، قبل تزيينها برسوم الجمال والأشجار

لكن عند تتبع هذه الرسوم ومحاولة فهمها، نجد في الحقيقة أن الرؤية العلمية لهذا الفن تستند على ثلاث ركائز بحثية كبرى، قدمت كل منها زاوية تحليلية فريدة تعين على فهم الأبعاد النفسية العميقة وراء هذا التقليد، وما يحمله من دلالات تتجاوز مجرد كونه زينة جدارية.

في طليعة هذه الدراسات، تأتي سنة 1975 وهي تحمل رؤية جيوفاني كانوفا، الباحث والمصور الإيطالي الذي تخصص في اللغة العربية وآدابها، واشتهر بأبحاثه الميدانية الواسعة في العالم العربي، فعكف على توثيق الممارسات الثقافية التقليدية، والموروث السردي، وتفاصيل الحياة اليومية من خلال الدراسات الأكاديمية والإثنوغرافيا البصرية، الذي تعامل مع الجدارية بوصفها "لغة إشارة" بصرية بليغة ومختصرة. فالمجتمع، في نظره، يمتلك قاموسا بصريا مشتركا يسمح لرمز بسيط كالكعبة المشرفة أن يختزل في عقل المشاهد تفاصيل رحلة مقدسة وشاقة، وما يتبعها من نجاح في نيل القبول الإلهي. وهنا يصبح العنصر الواحد كافيا لاستدعاء المعنى الكلي للحج، دون حاجة لفيض من الكلمات.

أما الباحث الفرنسي جان ميشو، فقد انصرف في دراسته سنة 1978 إلى الجانب الاجتماعي والإنساني، مبرزا الجدارية كحالة من "المشاركة الوجدانية". فالحاج لا يرسم جداريته بيده في الغالب، بل يبدعها الأهل والأصدقاء احتفاء به، لتصبح عملية التزيين وسيلة للأقارب لتهنئة الحاج، وأيضا ليعيشوا التجربة الروحية مع مسافرهم، ويشاركونه ثوابه وفرحته عبر تجسيد تصوراتهم الخاصة لتلك الرحلة المقدسة على جدران منزله.

ثم جاء العام 1991 وقدم خوان إدواردو كامبو أطروحته العميقة، أنثروبولوجيا حول تقديس المكان، التي تحمل اسم The metamorphosis of domestic space in the pilgrimage murals of Egypt، والتي فيها يرى كامبو أن العودة بلقب "حاج" تمنح الشخص مكانة دينية واجتماعية، لا يليق معها أن يظل مسكنه بيتا عاديا، لذا تعمل الجداريات على تحويل الحيز المنزلي إلى مساحة مقدسة تشبه الأضرحة والمزارات. كما أشار إلى وظيفة أخرى للجداريات في القاهرة ووادي النيل، وهي الحماية من الحسد عبر رسم رموز وقائية كالعيون والأكف والأسود، والتي تعمل كرموز شعبية للحماية من الحسد.

لكن في حين كان التركيز البحثي منصبا على جداريات الحج في الريف والمدن، كان هناك العديد من اللوحات الجدارية المرتبطة بالحج في غرب مصر، بالتحديد في واحة الداخلة، تنتظر الاستكشاف.

 REUTERS/Hayam Adel
الفنان عيد الصلعاوي يرسم جداريات عن الكعبة ومناسك الحج في القاهرة، 2019

التراث الفني لرحلة الحج في الداخلة المصرية

في ورقة بحثية معنونة باسم جداريات الحج في واحة الداخلة مصر = Hajj Murals in Dakhla Oasis، أعدها ريمكي كروك، وفرانس أورت عام 2015 كجزء من كتاب أكبر حول التفاعلات العالمية من خلال الحج ، استطاع الباحثان الوقوف على رسوم الحج في هذا الجزء الهادئ وشبه الغامض من مصر.

وشمل النطاق الجغرافي لهذه الدراسة مسحا ميدانيا دقيقا امتد عبر أربعة عشر موقعا في واحة الداخلة، فتنقل الباحثون بين ربوعها من القصر وموط والجديدة، وصولا إلى القلمون وأسمنت وبلاط وتنيدة، وغيرها من القرى والبلدات التي تحتضن هذا التراث الفني. وقد أجريت هذه الزيارات الاستقصائية في الفترة ما بين عامي 2004 و2006، لرصد واقع الجداريات وتوثيق ملامحها في تلك الآونة.

يملك المجتمع قاموسا بصريا مشتركا يسمح لرمز بسيط كالكعبة المشرفة بأن يختزل في عقل المشاهد تفاصيل رحلة مقدسة وشاقة، وما يتبعها من رجاء في القبول الإلهي

وقد أسفر هذا المسح عن دراسة وتحليل عينة قوامها نحو 120 جدارية للحج، تبرز فيها الكعبة المشرفة كعنصر بصري جوهري ومتكرر، إذ ظهرت صورها في 110 جدارية منها. أما من الناحية الزمنية، فقد غطت الجداريات المسجلة حقبة تمتد لنحو ثلاثة عقود، إذ تعود أقدم النماذج التي رصدتها الدراسة إلى عام 1977، بينما تمثل أحدثها في تلك الفترة جداريات نفذت في عام 2005، مما سمح برصد التطور الجمالي والأسلوبي لهذا الفن عبر الأجيال.

 DeAgostini/Getty Images
جدارية لقباب ومآذن على منزل أحد الحجاج في قرية بشندي في واحة الداخلة في الصحراء الغربية المصرية

ترانيم اللون وبلاغة الإعلان

تمثل جداريات الحج في واحة الداخلة لونا من ألوان الفن الشعبي الذي ينضح بالبساطة والعفوية، حيث تنبثق غايتها الأسمى من الرغبة في الاحتفاء بعودة الحاج ومشاركة هذه البهجة مع الجيران والمارة، وإعلان إتمام الركن الخامس من أركان الإسلام. وتتفرد هذه الجداريات في واحة الداخلة بسمت هادئ ورصين يميل إلى الإيجاز والتركيز على النصوص المكتوبة أكثر من المبالغة في الزخارف، مما يمنحها خصوصية تختلف عن تلك السائدة في وادي النيل أو الأقصر، ومن اللفتات الفريدة التي استوقفت الباحثين في واحة الداخلة، وجود مساحات بيضاء خالية طليت بعناية فوق أبواب بعض المنازل، وكأنها تنتظر شيئا ما. وبالتقصي لدى الأهالي، اتضح أن هذه المساحات ليست مجرد فراغ، بل هي موضع معد لاستقبال جدارية حج جديدة في القادم من الأيام. فهي تعمل كإشهار صامت للنية أمام الجيران والمارة، وإعلان لرجاء صاحب البيت وتخطيطه لنيل شرف الرحلة المقدسة في العام المقبل.

REUTERS/Heba Fouad
جدارية على منزل في الأقصر تُظهر طائرة وآية قرآنية في إشارة إلى عودة أحد السكان من الحج، 2025

ويعد النص الكتابي هو القلب النابض لهذه الجداريات، إذ يبدأ عادة بـإعلان يوثق توفيق الله لصاحب البيت في أداء الفريضة، متبوعا باسم الحاج بدقة، مع ذكر مرافقيه من الزوجة أو الوالدة بألقاب التوقير المعتادة لديهم في الواحة، ولا تغيب التواريخ عن هذا السجل الجداري، حيث تدون السنة بالتقويمين الهجري والميلادي، وغالبا ما يحدد يوم الوقوف بعرفة. وتكتمل قدسية النص بالبسملة والآيات القرآنية، وصيغ التلبية والصلاة على النبي الكريم، مع الإشارة أحيانا إلى نيل شرف زيارة المدينة المنورة.

أما اللغة البصرية في هذه الجداريات، فتعتمد على رموز غنية بالدلالات، تتصدرها الكعبة المشرفة كعنصر جوهري يرسم بأشكال تتراوح بين التجريد المحض والتفاصيل الدقيقة لأستار الكعبة المشرفة أو مشهد الطواف. وتتجسد رحلة السفر عبر تصوير وسائل المواصلات، فتظهر الطائرات كرمز عصري طاغ، والسفن التي قد تتخذ شكل الفلوكة النيلية، بينما يتراجع حضور الجمال التي كانت يوما رمزا للرحلة التاريخية، ويستعاض عن معالم المدينة المنورة أحيانا برسم القبة الخضراء للمسجد النبوي، أو أشجار النخيل التي ترمز للمدينة في الوجدان الشعبي، في حين يظل تصوير الأشخاص نادرا، وإذا ظهر فإنه يصور الحاج بملابس الإحرام البيضاء في خشوع الصلاة، محاطا بعناصر طبيعية رقيقة كالورود والحمام.

الأبعاد الإنسانية والتحولات الجمالية لجداريات الحج

وترتبط هذه الجداريات ارتباطا وثيقا بقيم كرم الضيافة المتأصلة في نفوس أهل واحة الداخلة. ففي إحدى اللوحات بمنطقة "ماصرة"، يبرز رسم رقيق لإبريق وفنجان قهوة، ترافقه عبارة صريحة تدعو المارة لشرب شربات الحاج، ويعكس هذا المشهد دور الجدارية بوصفها إعلانا بهيجا لبدء مراسم الاستقبال وبذل الولائم، حيث يتحول جدار المنزل إلى دعوة مفتوحة تشيع أجواء الحفاوة والترحيب بالعائد من رحاب بيت الله، ولا يكتفي البعض بتزيين الجدران من الخارج فحسب، بل يمد هذا الاحتفاء إلى أروقة المنزل الداخلية، حيث تزين المجالس المخصصة لاستقبال الضيوف بنقوش من الآيات القرآنية، وفي مقدمتها الآية الكريمة "وأذن في الناس بالحج". وتضفي هذه النصوص ظلالا من السكينة والروحانية على جلسات المهنئين، لتجعل من المكان حيزا عامرا بالذكر والدعاء احتفاء بعودة الحاج.

تنبثق غاية الجداريات الأسمى من الرغبة في الاحتفاء بعودة الحاج ومشاركة هذه البهجة مع الجيران والمارة، وإعلان إتمام الركن الخامس من أركان الإسلام

وقد استوقفت الباحثين ملاحظة اجتماعية تفيض بالدلالات الإنسانية، تتعلق بتقديم فريضة الحج على الرفاهية المادية ومتطلبات الدنيا، فقد رصدوا جداريات حج لنساء (أمهات) تزين واجهات بيوت لم يكتمل بناؤها بعد، حيث لا تزال قائمة على الطوب الأحمر والخرسانة. ويشير هذا المشهد بوضوح إلى أن الأسرة في الداخلة قد تعطي الأولوية القصوى لإرسال الأم لأداء الحج، مفضلة استثمار مدخراتها في هذه الرحلة المقدسة على إتمام تشييد المنزل، تقديرا لمكانتها وسعيا لنيل البركة قبل أي متاع مادي.

REUTERS/Hayam Adel
الفنان عيد الصلعاوي يرسم جداريات عن الكعبة ومناسك الحج في القاهرة، 2019

ما يميز فن جداريات واحة الداخلة هو غياب الرموز الوقائية المعتادة في مناطق أخرى، مثل "الخمسة وخميسة" أو التمائم ضد الحسد، حيث يسود نظام جمالي رصين يضع الرسومات داخل إطارات هندسية تشبه المحاريب. وقد تحول هذا الفن بمرور الوقت إلى مهنة يمارسها خطاطون محترفون، غالبا ما يكونون من مدرسي الرسم المحليين الذين يوقعون أسماءهم على أعمالهم، لكن في الآونة الأخيرة، بدأ البعض يميل إلى اقتناء لوحات خشبية جاهزة تعلق فوق الأبواب كبديل عصري للرسم المباشر على الجدران، وهو ما ينظر إليه كنوع من الرقي التنظيمي، وإن كان يفقد طقس الاحتفاء بالحاج عبر الرسم بعضا من حميميته ودفئه، ويعكس هذا التوجه تغيرا في النظرة الجمالية والاجتماعية، إذ بات ينظر إلى الرسومات اليدوية البسيطة بوصفها نمطا "بلديا" قديما، بينما تعتبر اللوحات الخشبية رمزا للحداثة والرقي ومواكبة العصر.

 DeAgostini/Getty Images
جدارية للكعبة على منزل أحد الحجاج في قرية القصر في واحة الداخلة في الصحراء الغربية المصرية

أما عن مصير هذه الأعمال الفنية بعد انقضاء الاحتفالات، فمن التقاليد الضمنية المستقرة ألا يتم ترميمها أو صيانة ألوانها، فبمجرد أن تنتهي مراسم الاستقبال وتنقضي بهجة العودة، تترك الجدارية لتواجه مصيرها أمام الرياح والرمال التي تذروها بمرور الزمن. ولا يتم تجديد هذه الرسوم أو إحياؤها إلا في حال رزق فرد آخر من العائلة ذاتها بنعمة الحج، لتبدأ من جديد قصة توثيق رحلة أخرى على ذات الجدار.

رغم أن هذه الألوان قد تذروها الرياح أو تتلاشى بفعل العواصف الرملية بمرور السنين، إلا أن قيمتها تظل باقية في الذاكرة الجمعية

وبجانب العادات والتقاليد الدافئة، فإن هذه الجداريات تعتبر سجلا مؤقتا لتغير الزمن، فعند تتبع هذه الجداريات، يمكننا رصد تطور وسائل السفر التي استخدمها الناس للوصول إلى الأراضي المقدسة، ففي البداية ظهرت الجمال في الرسوم، ثم تلتها القطارات والسفن، وصولا إلى الطائرات في العصر الحديث.

إن هذه الممارسة الفنية والاجتماعية تحول المسكن الخاص إلى مساحة روحية تستقبل العائد من رحلته المقدسة، محملة الفخر والمكانة الرفيعة. ورغم أن هذه الألوان قد تذروها الرياح أو تتلاشى بفعل العواصف الرملية بمرور السنين، إلا أن قيمتها تظل باقية في الذاكرة الجمعية لأهل الواحة، كشاهد حي على رحلة العمر التي أدت غرضها الروحي والاجتماعي في لحظة العودة وما تلاها من أيام العيد.

font change

مقالات ذات صلة