ذات يوم، كان الإرهابيون يحتكرون مهمة اغتيال الشخصيات البارزة. فبين عامي 1894 و1901، أقدم أفراد تحركوا باسم "الأناركية" (أو الفوضوية) على اغتيال رئيس فرنسا، ورئيس وزراء إسبانيا، وإمبراطورة النمسا، وملك إيطاليا، وصولا إلى الاغتيال الأشد دويا: اغتيال رئيس الولايات المتحدة.
وعقب اغتيال الرئيس ويليام ماكينلي في بوفالو بولاية نيويورك عام 1901، قادت حكومة الولايات المتحدة ما يمكن عده أول جهد دولي منظم لمكافحة الإرهاب. كما عملت واشنطن ودول أخرى على تشديد الإجراءات الأمنية حول القادة السياسيين البارزين. وفي الولايات المتحدة، بدأت الخدمة السرية حراسة الرؤساء بصورة دائمة عام 1902.
إلا أن حماية الشخصيات البارزة لم تجعل الاغتيالات التي تنفذها جهات غير حكومية أمرا مستحيلا. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1934، وفي حادثة وثقتها الكاميرات في حينها، قتل شخص مسلح الملك ألكسندر الأول، ملك يوغوسلافيا، ووزير الخارجية الفرنسي لويس بارثو في مرسيليا بفرنسا، (يمكن مشاهدة التسجيل هنا). وبعد ذلك بعقود، اغتال لي هارفي أوزوالد الرئيس جون إف كينيدي في دالاس بولاية تكساس في نوفمبر/تشرين الثاني 1963.
غير أن الموارد الأكبر التي كرستها الدول لحماية قادتها جعلت تنفيذ هذا النوع من الهجمات على يد جهات غير حكومية أشد صعوبة بكثير. والمفارقة أن الجهات الأقدر على اغتيال الشخصيات ذات الثقل السياسي كانت الدول نفسها، بما تمتلكه من موارد ونفوذ وخبرة يمكن تسخيرها لملاحقة خصومها. ومنذ القرن العشرين حتى اليوم، برز نمطان رئيسان من الاغتيالات التي تقف وراءها الدول. في النمط الأول، يجري قتل زعيم أو شخصية سياسية بارزة بصورة علنية على يد أجهزة دولة، فتكون المسؤولية واضحة، بل قد يكون الهدف منها أصلا إيصال رسالة سياسية. أما النمط الثاني، فتتداخل فيه غالبا الحدود بين فعل الدولة وفعل الجهات غير الحكومية، أحيانا بهدف طمس المسؤولية وإبعادها عن الجهة التي تقف وراء العملية.
ويندرج الاغتيال الأشد أثرا في القرن العشرين ضمن هذا النمط الأخير، وهو اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته في سراييفو في يونيو/حزيران 1914، الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى. ورغم أن غافريلو برينسيب، أحد القوميين البوسنيين الستة الذين كانوا في المدينة ذلك اليوم لتنفيذ العملية، هو من أطلق الرصاصات القاتلة، فإنّه وفريقه تلقوا دعما كبيرا من أجهزة الدولة الصربية.

