محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي، سلسلة الاسم الطويل هذا، الذي لا ينم عن شيء حتى الآن، سيختصره حامله وهو على أعتاب تقرير مستقبله الحياتي والمهني، قبيل دخول الجامعة، باسم مختصر قصير هو صلاح جاهين، الاسم الذي صار يعني الكثير لاحقا، لانطوائه على باقة مواهب وإمكانات إبداعية لا تتاح لشخص واحد، إلا نادرا. فصلاح جاهين، كما بات يعرف، هو الشاعر والرسام والممثل والكاتب والصحافي والموسيقي. هذا ما يخبرنا به بدءا كتاب "العصفور الحزين ـ سيرة درامية"، الصادر حديثا بالتزامن مع الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر (1930-1986)، عن "دار ريشة للنشر والتوزيع" في مصر (2026) للكاتب المصري ماهر زهدي.
يوثق زهدي في كتابه بالكلمة والصورة، عبر ستة أبواب وأربعة وعشرين فصلا، وبأسلوب انسيابي مشوق ومادة غزيرة، سيرة فنان وإنسان استثنائي برزت مواهبة واستعداده للتعلم في سن مبكرة، وكثيرا ما أدهش بذكائه والديه وجده لوالده أحمد حلمي الصحافي والكاتب الذي أحاط حفيده البكر بمحبته ورعايته مما جعل صلاح الصغير شديد التعلق به وملازما له. وكان هذا قد زرع وغذى فيه حب مصر، حيث كان يقرأ له وهو في سنوات عمره الأولى حكايات من تاريخ مصر الحديث ونضال رجالاتها، إلى الحد الذي جعله يقول، ردا على سؤال الجد، أنه سيكتب بعد تعلمه الكتابة "تحيا مصر". فيسعد الجد بجوابه ويقول، أنا واثق أن مصر ستحيا طالما تنجب أولادا مثلك.
كثيرون في واحد
ولم يكن تنبؤ الجد أو تفاؤله بحفيده في غير محله، بل لو كان عاش وشهد ما صار عليه، لاعترف بأنه قد فاق توقعاته في كل ما كان يتوخاه فيه، بدءا من حب مصر وعشق ترابها وناسها، خاصة الفقراء، وانتهاء ببراعته في الكتابة والرسم والموسيقى والتمثيل وسوى ذلك. مقابل نبوءة الجد كانت أيضا لصلاح وهو ابن الرابعة نبوءته بنفسه، كما يتبين من الحوار الذي دار بينه وبين جده وقد عبر فيه عن تطلعه المهني. كان وقتها الجد أحمد حلمي يواصل عمله في الكتابة من البيت وكان صلاح دائما بقربه، فيسأله عن الذي يشتغل بالكتابة أين يكون مكان شغله؟ فيكون جوابه له بأن الذي يكتب للصحافة يكون شغله في الصحيفة التي يكتب بها. فيسأل الطفل "يعني إيه صحيفة؟"، فيقول الجد "الجرنال اسمه صحيفة، واللي بيشتغلوا فيه وبيكتبوا الكلام دا اسمهم صحافيين". فينبري الطفل قائلا بعد تفكر: "طب أنا عايز لما أكبر أشتغل ’صحافيين’".




