بعد أحداث هزيمة "حزب العمال" في الانتخابات المحلية وما لحق بسلطة كير ستارمر من ضرر، يمكن القول إن البلاد تقترب من لحظة كبرى في تاريخها. غير أن هذه اللحظة، خلافا لكثير من محطات الماضي، لن تكون تتويجا ملكيا أو جنازة عاهل. فهذا الحدث التاريخي لن يحظى بكل ذلك الصخب والاستعراض والمواكب التي اعتادت عليها لندن.
والواقع أنه لن يقع في لندن أصلا، وإنما في مكان لم يكن قد سمع به، حتى هذا الأسبوع، سوى من يعيشون فيه، اسمه ميكرفيلد، ويقع في مكان ما على أطراف مانشستر. بالطبع، كانت ميكرفيلد هناك طوال الوقت، ولم تكن غافلة عن بلد كان غافلا عن وجودها. كل ما في الأمر أنها أجرت انتخاباتها المحلية الخاصة.
شهدت الانتخابات المحلية في السابع من مايو/أيار، تقدما كبيرا للأحزاب الصغيرة، "الخضر" و"حزب الإصلاح" البريطاني، بينما تعرض حزبا "العمال" و"المحافظين" لرفض واسع في مساحات شاسعة من المملكة المتحدة. ففي ويلز، رفض الناخبون "حزب العمال"، بعد عقود من الهيمنة، وفضلوا عليه "حزب بلايد كامري". وفي اسكتلندا، احتفظ القوميون بالسلطة رغم هيمنتهم الطويلة والمضطربة. أما في إنكلترا، ولا سيما في الشمال، فتلقى "حزب العمال" ضربات موجعة من اليسار واليمين معا.
وفي ميكرفيلد، التي لم تكن معروفة تقريبا حتى وقت قريب، ذهب كل جناح انتخابي إلى "حزب الإصلاح". فقد تحدى سكان ميكرفيلد، الذين كانوا يوما أوفياء لحركة العمال، العرف الموروث، وصوتوا لحزب يميني يقوده نايجل فاراج، تعززت صفوفه أخيرا بانضمام عدد من نواب "المحافظين" الساخطين.
هل كانت الانتخابات المحلية في أي وقت أشد وقعا على الحزب الحاكم؟ حتى الآن، ألقت هذه الانتخابات بذلك الحزب في ما يشبه حربا أهلية، ويبدو أنها أصابت رئيس وزرائه إصابة قاتلة سياسيا. والجدير بالتأمل أن أمرا كهذا لم يحدث لـ"حزب العمال" من قبل. فالإطاحة بالزعماء وهم في السلطة ظلت تقليدا محافظا خالصا.
لا توجد، حرفيا، سابقة لما جرى خلال الأسابيع الماضية. فالسير كير ستارمر لم يُكمل في منصبه العامين بعد. لقد وصل إلى الحكم بأغلبية كاسحة بعدما اعتمد تكتيكا يقوم على السير بحذر شديد، وكأنه يحمل مزهرية ثمينة من أسرة مينغ بين يديه الآمنتين ويمشي على أرضية ملساء. كان يمكن أن يكون فرط الحذر شعاره السياسي.
لكن حكومته أظهرت، منذ البداية، افتقارا إلى هذا الحذر. فقد حاصرتها مشكلات كثيرة، من الهدايا المجانية التي قدمها أحد الأثرياء من أعضاء مجلس اللوردات، إلى التراجعات المتكررة، والنمو الاقتصادي الهزيل. أضيف إلى ذلك أداء باهت لرئيس الوزراء، واتصال سياسي رديء، والأسوأ من ذلك كله، اختيار كارثي لمنصب السفير في واشنطن. ولفترة من الوقت، قفزت فضيحة إبستين كلها فوق الأطلسي متجسدة في اللورد ماندلسون. وإذا كان ستارمر قد نجح في إبقاء المزهرية سليمة حتى بلغ داونينغ ستريت، فإنه أسقطها بقرار تعيين واحد سيئ التقدير.
ثم جاءت الانتخابات المحلية، التي تعامل معها كثير من الناخبين بوصفها فرصة لإنزال عقاب مستحق بحكومة أدمنت خيبات الأمل. كانت كارثة معلنة سلفا. لم يشك أحد في أن "حزب العمال" سيتلقى ضربة موجعة. أما المفاجئ فكان ما أعقبها. فخلال أيام بدأت الأحاديث تدور حول قدرة ستارمر على النجاة. وألقى خطابا كان يفترض أن يحسم مصير رئاسته للحكومة، فجاء مثقلا بذلك الترهل الذي كان البلد قد رد عليه للتو بازدراء، وبالكاد حمل أي سياسة جديدة.
بدأت طيور الجيفة تحوم. وتريث معظمها بالقدر الذي يتيح للملك إلقاء الخطاب الذي يرسم أجندة البرلمان المقبل. في بريطانيا، حتى هذه الطيور تحترم اللياقة الدستورية، إلى حد ما. لكن ما إن غادر الملك في عربته المذهبة حتى بدا كأن ضبط النفس لم يعد ممكنا، إذ صار عبق الجيفة أقوى من أن يتجاهلوه.
وحين تقرر عقد اجتماع للحكومة لمناقشة الوضع، اصطف المعلقون ومذيعو قنوات الأخبار في "داونينغ ستريت". وما إن يظهر وزير حتى يبدأوا بالصراخ بالأسئلة، ويواصلوا الصراخ إلى أن يتمكن الوزير المرتبك من الانزلاق عبر عتبة الرقم عشرة: "هل هذه نهاية رئيس الوزراء، سيد لامي؟"، "هل بدأت تجهز مكتبك في داونينغ ستريت يا سيد ستريتينغ؟". وحين نجحت رايتشل ريفز، وزيرة الخزانة، بطريقة ما في تفادي هذا القصف، واسوا أنفسهم بفكرة أنهم سيتركونها للتحلية. وكانت بيث ريغبي من "سكاي نيوز" توقف تحليلها كلما ظهر وزير آخر، وتبدأ بالصراخ مع بقية الصحافيين. ثم علقت قائلة: "سيظن الناس أننا مجانين".


