روسيا والورقة النووية... استعراض القوة في زمن الفوضى الاستراتيجية

مخاطر "العصر النووي الجديد"

أ.ب
أ.ب
بحار من البحرية الروسية يشارك في تدريبات للقوات النووية الروسية، وفقا لما نشرته وزارة الدفاع الروسية في 21 مايو 2026

روسيا والورقة النووية... استعراض القوة في زمن الفوضى الاستراتيجية

أجرت روسيا، في التاسع عشر من مايو/أيار 2026، مناورات نووية واسعة النطاق امتدت ثلاثة أيام، تضمّنت نقل ذخائر نووية إلى مخازن ميدانية على الأراضي البيلاروسية، في خطوة جاءت تتويجاً لتمارين مشتركة بين موسكو ومينسك. وقد أكد الرئيس فلاديمير بوتين خلالها أن "الثالوث النووي"- المتمثل في القاذفات الاستراتيجية والصواريخ الباليستية وصواريخ الغواصات- يمثل الضمانة الجوهرية للسيادة الروسية.

وقد تزامنت انطلاقة المناورة مع جملة من المعطيات المتشابكة: زيارة بوتين للصين، والتجاذب الدولي المتصاعد حول الملف النووي الإيراني، وحالة الاستعصاء في الحرب الأوكرانية، فضلاً عن تصاعد التوتر في منطقة البلطيق على خلفية حوادث متكررة تتعلق بالطائرات المسيّرة. وليس التلويح الروسي بالورقة النووية جديداً؛ إذ تكرّر التهديد باللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي في محطات حرجة من عمر الحرب الأوكرانية، لا سيما على لسان نائب رئيس مجلس الأمن القومي، الرئيس الأسبق ديمتري مدفيديف. غير أن هذه المناورة تبقى غير مسبوقة في حجمها ودلالاتها، إذ تمثل رسالة مزدوجة موجّهة إلى الأوروبيين والأميركيين في آنٍ واحد، وتسلّط الضوء على عمق التوتر بين موسكو وبروكسل حول مستقبل الأمن الأوروبي وموقعه الجيوسياسي. وكما أفضت "العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا" منذ 2022 إلى إعادة الحرب إلى القارة الأوروبية، فإن هذا الاستعراض النووي قد يُعجّل بانخراط أوروبي أعمق وأوسع في هذا الصراع.

دخل العالم عصراً نووياً جديداً منذ تسعينات القرن الماضي، حين اخترقت الهند وباكستان النادي النووي الذي ظلّ حكراً على القوى الخمس المنتصرة في الحرب العالمية الثانية- وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا- إلى جانب إسرائيل التي اعتمدت سياسة الغموض المتعمد منذ نهاية الخمسينات، وكوريا الشمالية التي أجرت تجربتها النووية الأولى عام 2006. وقد ضُبط هذا الانتشار في مرحلة من المراحل عبر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبتخلٍّ طوعي من دول مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل، إضافة إلى دول كانت في كنف الاتحاد السوفياتي، أبرزها أوكرانيا.

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشرف على التدريبات النووية الروسية البيلاروسية المشتركة مع الرئيس البيلاروسي، عبر رابط فيديو في موسكو في 21 مايو 2026

بيد أن عودة الصراع الدولي المحتدم و"الفوضى الاستراتيجية" منذ منتصف العقد الماضي أعاد إشعال الشهية للتسلّح النووي. والأخطر من ذلك أن عولمة التكنولوجيا والتطور الرقمي باتا يهدّدان بتآكل الحواجز التي تحول دون حصول الدول المارقة أو المنظمات الإرهابية والشبكات الإجرامية على أسلحة دمار شامل أو ما يُعرف بـ"القنابل القذرة".

وإن كانت إيران تستأثر اليوم بالاهتمام الدولي، فإن الهاجس النووي لا يقتصر على الشرق الأوسط أو كوريا الشمالية، بل يمتد ليطال منظومة أشمل من ملفات الانتشار النووي التي تعاني من إهمال متراكم ورضا مُخِلّ بالوضع الراهن الهش.

وتتجلى خطورة هذا الوضع في الفشل الذريع الذي مُنيت به المفاوضات التي استضافتها الأمم المتحدة في مايو الجاري، في محاولة لتعزيز التزامات معاهدة عدم الانتشار، بعد أربعة أسابيع من المحادثات التي جرت في ظل مخاوف متصاعدة من انطلاق سباق تسلح نووي جديد. ويُعدّ هذا الإخفاق الثالث على التوالي، إثر فشل مراجعتَي 2015 و2022، مما يكشف عمق الانقسام بين القوى النووية الكبرى حول نزع السلاح والحد من الانتشار.

ويُضاف إلى ذلك فراغ خطير في منظومة الحد من التسلح العالمي، في أعقاب انتهاء صلاحية آخر معاهدة للحد من الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير/شباط الماضي، وذلك في وقت بلغ فيه التوتر الدولي ذروته منذ عقود بفعل حربَي أوكرانيا وإيران. وكانت موسكو قد علّقت رسمياً مشاركتها في المعاهدة في فبراير 2023، محتجّةً باستحالة عمليات التفتيش والوضع الجيوسياسي المتدهور. في المقابل، أبدت واشنطن رغبتها في صياغة اتفاق "أكثر ملاءمة" يشمل الصين، دون أن تُتخذ خطوات ملموسة لتمديد المعاهدة القائمة بصيغتها الحالية.

وتتفاقم مخاطر "العصر النووي الجديد" في ظل نظام تنافسي متعدد الأقطاب، يتوزع فيه النفوذ والمسؤوليات دون أن تتمتع أي قوة كبرى بالقدرة على فرض هيمنة كاملة أو رسم قواعد ملزمة للجميع.

إن كانت إيران تستأثر اليوم بالاهتمام الدولي، فإن الهاجس النووي لا يقتصر على الشرق الأوسط أو كوريا الشمالية، بل يمتد ليطال منظومة أشمل من ملفات الانتشار النووي التي تعاني من إهمال متراكم ورضا مُخِلّ بالوضع الراهن الهش

دواعي الاستعراض النووي الروسي وخلفياته

استعرضت روسيا قدراتها في مناورات غير مسبوقة شارك فيها عشرات الآلاف من الجنود من عدة أفرع عسكرية، امتدت من منطقة لينينغراد إلى وسط البلاد، وشملت سفن الصواريخ وعمليات إطلاق الصواريخ الباليستية. وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن التمرين ضمّ أكثر من 200 قاذفة صواريخ، و140 طائرة، و73 سفينة، و13 غواصة، من بينها ثماني غواصات نووية استراتيجية، معرّفةً هذه التمارين بأنها "استعداد لاستخدام القوة النووية في حال حدوث تصعيد أمني".

ولم تكن المناورة في حدّ ذاتها مفاجأة للمراقبين المتخصصين، فروسيا القوة النووية الأولى في العالم تمتلك أكبر مخزون نووي على وجه الأرض، إذ يبلغ 5459 رأساً نووياً، أي ما يعادل نحو 44.5 في المئة من إجمالي الرؤوس النووية عالمياً، وتتوزع بين أسلحة استراتيجية وتكتيكية.

تسعى روسيا من خلال هذا الاستعراض إلى إعادة تأكيد مكانتها بوصفها قوة عظمى عالمية، ودفع أي إيحاء بالضعف بعد خمس سنوات من الصراع المُضني في أوكرانيا. ويُرجَّح أن إلغاء جزء كبير من عرض ذكرى النصر على النازية في التاسع من مايو، بسبب مخاوف من هجمات أوكرانية، دفع موسكو إلى توظيف المناورة رسالةَ قوة تعويضية، لا سيما بعد أسبوع على إعلانها إجراء تجربة ناجحة لإطلاق الصاروخ الباليستي العابر للقارات "سارمات".

وإلى جانب دافع إثبات الوجود وصرف الأنظار عن تعثّر الحسم العسكري في أوكرانيا، أرادت روسيا توجيه رسائل في عدة اتجاهات متزامنة.

رويترز
اختبار إطلاق للصاروخ الباليستي الروسي العابر للقارات سارمات في موقع غير محدد، في هذه الصورة الثابتة المأخوذة من مقطع فيديو صدر في 12 مايو 2026

تُجري روسيا عادةً مناوراتها النووية مرةً واحدةً سنوياً في أكتوبر/تشرين الأول، بتخطيط دقيق ومسبق. ولذا فإن الإعلان عن مناورات ضخمة في مايو، خارج البروتوكول المعتاد، يحمل في طياته رسالةً متعمدة. ويبدو أن هذه المناورات، التي جرت "في توقيت غير متوقع وعلى نطاق غير مسبوق"، تُمثّل تحذيراً صريحاً لحلف "الناتو" وأوروبا، مفادُه أنه مهما بلغت الصعوبات التي تواجهها روسيا في أوكرانيا، فإنها لا تزال قوة عظمى لا يُستهان بها.

وتجدر الإشارة إلى أن موسكو ظلّت على مدى أكثر من أربع سنوات تلوّح بالتهديد النووي في خضم الحرب الأوكرانية، مخاطرةً بتآكل مصداقيتها. وفي هذا السياق، يكشف مصدر أوروبي مطلع في بروكسل رفض الإفصاح عن هويته أن "التهديد لم يكن دائماً من قبيل التهويل"، وأن "موسكو كادت تلجأ مرة إلى الخيار النووي التكتيكي ضد أوكرانيا"، مضيفاً أن "الصين تدخّلت لدى الكرملين لمنع الانزلاق نحو الهاوية". ويزيد من خطورة هذا الوضع أن الفراغ الراهن في معاهدات الحد من التسلح وآليات التواصل يُضعف هوامش الأمان التي كانت تحول دون التحوّل من إنذار خاطئ إلى كارثة فعلية.

وقد اتصل توقيت المناورة النووية بموجة الهجمات الأوكرانية الواسعة، بما فيها ضربة غير مسبوقة اقتربت من موسكو ذاتها، إذ تعرّضت روسيا في ليلة السادس عشر والسابع عشر من مايو لهجوم شنّته نحو 600 طائرة مسيّرة أوكرانية، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. ولا شك أن بوتين يسعى إلى طمأنة مواطنيه وهو لا يودّ الاعتراف بأن قوة متوسطة كأوكرانيا، تخوض حرباً غير متكافئة لا سيما عبر المسيّرات، يمكن أن تُنهك قوة عظمى كروسيا بترسانتها الهائلة. ولم تكتفِ موسكو بالاستعراض، فأطلقت هجمات كثيفة وأمطرت كييف في الخامس والعشرين من مايو بصاروخ "أوريشنيك" الفرط صوتي القادر على حمل رأس نووي، في ما وصفته وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بأنه سياسة "ترهيب ممنهج لأوكرانيا".

موسكو ظلّت على مدى أكثر من أربع سنوات تلوّح بالتهديد النووي في خضم الحرب الأوكرانية، مخاطرةً بتآكل مصداقيتها


وليس من المستبعد أن تكون روسيا قد انتهزت فرصة تفكك الحلف الغربي إزاء "حرب إيران الثانية" وانشغال الرئيس ترمب، لمحاولة كبح استعادة أوكرانيا لأنفاسها، خاصة أن قوات كييف استردّت 480 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المحتلة عند نقطة تلتقي عندها ثلاث محافظات استراتيجية هي دنيبروبتروفسك وزابوريجيا ودونيتسك. وإن كان ذلك لا يمثل سوى 0.5 في المئة من الأراضي الأوكرانية المحتلة، فإنه يُوقف الزحف الروسي ويُشكّل إشارة رمزية بالغة الدلالة. ومن ثَمّ جاءت المناورات والضربات على كييف في سياق احتواء واضح المعالم.

ويبقى هذا استعراضاً للقوة في المقام الأول؛ إذ تنفرد كلٌّ من الولايات المتحدة وروسيا والصين بامتلاك "الثالوث النووي الكامل" دون سائر الدول الموقّعة على معاهدة عدم الانتشار، ومن ثَمّ أرادت موسكو أن تُثبت أنها لا تزال قادرة على إجراء مناورات نووية واسعة النطاق رغم الاستنزاف الذي خلّفته حرب أوكرانيا. وفي تجاوزٍ للضغوط الاقتصادية والعسكرية المتراكمة، وتراجع النفوذ في فنزويلا ومالي وسوريا، تستعرض روسيا قوّتها النووية في توقيت تسوده الفوضى الدولية، حين يعجز رئيس أميركي عن انتزاع تعهد إيراني بالتخلي عن برنامجها النووي. ويندرج هذا الاستعراض أيضاً في سياق حاجة بوتين إلى توطيد موقفه التفاوضي مع بكين.

اختبار القوة بين روسيا وأوروبا

يُطرح السؤال بإلحاح: هل دفع احتمال انتقال الحرب في أوكرانيا نحو "مواجهة عالية الكثافة" روسيا إلى اختبار صواريخها النووية في إطار مواجهة موسّعة مع أوروبا الداعمة لكييف، في ظل تراجع الغطاء الأميركي؟

والمؤكد أن تمارين الفترة الممتدة بين التاسع عشر والحادي والعشرين من مايو تُعدّ جزءاً من منظومة ردع أشمل بالشراكة مع بيلاروسيا، حيث نشرت موسكو أسلحة نووية على أراضيها. وحرصت مينسك على التأكيد بأن المناورة "ليست موجهة ضد دول أخرى ولا تشكل تهديداً للأمن الإقليمي". بيد أن كييف حذّرت الأوروبيين من الرضوخ للابتزاز، مُلمّحةً إلى مخاوفها من انخراط بيلاروسي مباشر في الحرب، في حين تعتبر الأوساط الفرنسية أن بوتين يواصل سياسة "الهروب إلى الأمام"، وأن "أوروبا ستبقى راسخة إلى جانب أوكرانيا".

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في موسكو لحضور العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في 9 مايو 2026

ويتجلّى التوتر الروسي-الأوروبي ميدانياً في رصد متبادل ومناوشات شبه دورية في الفضاء البحري والجوي. وتفاقم هذا التوتر حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس الماضي عن خطط لتوسيع الترسانة النووية الفرنسية، مُلمّحاً إلى إمكانية السماح للشركاء الأوروبيين باستضافة طائرات فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات نشر مؤقتة، في إطار مساعي الأعضاء الأوروبيين في "الناتو" لتحمّل قدر أكبر من مسؤولية دفاعهم الذاتي. وسارعت روسيا إلى التحذير من أن أي دولة أوروبية تقبل باستضافة قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستُحوّل نفسها إلى هدف عسكري في أي صراع مقبل. ووصف ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، ذلك بأنه جزء من "توسع غير منضبط" للقدرات النووية لـ"الناتو" يُهدد الأمن الاستراتيجي الروسي. ولا يُخفي الجانب الروسي كذلك قلقه من اقتراح المستشار الألماني فريدريش ميرتس منح أوكرانيا صفة العضو المرتبط بالاتحاد الأوروبي، باعتبار أن الانضمام الكامل سيستلزم وقتاً طويلاً.

وفي مواجهة الاستعصاء الميداني في أوكرانيا وتبدّل موازين الأرض، شنّ مدفيديف قبل أسابيع هجوماً لفظياً حاداً، محذّراً من أن "الاتحاد الأوروبي يتحوّل بسرعة إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أشد خطراً على روسيا من حلف شمال الأطلسي". وإن كان في هذا التقييم مبالغة واضحة، فإنه يُشير إلى أن موسكو باتت تأخذ بجدية متصاعدة حجم التهديدات على حدودها الغربية، في تحوّل قد يُعيد رسم طبيعة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي برمّتها على المدى البعيد. في المقابل، يظل تشكّل استراتيجية أوروبية موحّدة تجاه روسيا على المدى المتوسط أمراً غير مضمون، في ظل انتظار الطرفين الدائم لـ"غودو" الأميركي الذي يتأخر دوره ولا يغيب.

font change

مقالات ذات صلة