سباق عالمي نحو السلاح النووي... ملاذ أخير في عالم مضطرب

العقيدة النووية الجديدة

أ ف ب
أ ف ب
نموذج جديد من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBM)، وهو صاروخ هواسونغ-18، نشرته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية في 28 يوليو 2023

سباق عالمي نحو السلاح النووي... ملاذ أخير في عالم مضطرب

بعد نحو عشرين عاما على دخول كوريا الشمالية في النادي النووي، تنتشر حمى الحصول على السلاح النووي، أو الاحتماء بمظلة نووية في مختلف قارات العالم. وفي حين أثارت الحرب الروسية على أوكرانيا مخاوف من الانزلاق إلى حرب نووية، أججت سياسات وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف الحلفاء حول العالم من تخلي الولايات المتحدة عن دورها الضامن لأمن أوروبا وشرق آسيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أطلقت تصريحات- خلط فيها بين استئناف تجارب الرؤوس النووية وتجارب تطوير الصواريخ- موجة خوف من العودة إلى أجواء الحرب الباردة.

وشهد العالم في السنوات الأخيرة موجة غير مسبوقة من زيادة النفقات الدفاعية، ولكن القناعة بضرورة الحصول على سلاح ردع إضافة إلى الأسلحة التقليدية، أطلقت سباقا مركبا، فالدول النووية عملت على تطوير وتحديث أسلحتها النووية، وبدأت الدول الأخرى التفكير جديا في حيازة السلاح النووي، وهرعت دول أخرى لتأمين "مظلة نووية" إضافية خوفا من حليف متقلب المزاج قد لا يهب لنجدتهم، وعدو يلوح بالسلاح النووي لفرض القبول بتغير الخريطة السياسية في أوروبا بالقوة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ويطور أنظمة صاروخية قادرة على توجيه ضربات نووية تكتيكية هدفها الأساسي غرب أوروبا.

وكشفت صحيفة "فايننشيال تايمز" أن واشنطن تدرس توسيع نشر أسلحتها النووية داخل حلف "الناتو"، عبر استضافة دول أوروبية جديدة لطائرات ذات قدرات مزدوجة، تقليدية ونووية. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد التهديدات الروسية وتزايد القلق الأوروبي من موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية، رغم أن أي اتفاق لا يبدو وشيكا.

ومما يعزز التوجه إلى اقتناء السلاح النووي طرق التعامل المزدوجة من القوى العظمى مع البلدان حسب امتلاكها أسلحة ردع. ويتشارك الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين مع ترمب في مبدأ "السلام عبر القوة". واستبعد كثير من المسؤولين والمحللين السياسيين إقدام بوتين على ضم القرم في 2014، أو غزوها في 2022 لو أنها احتفظت بسلاحها النووي ولم تتخل عنه بعد توقيع مذكرة بودابست في 1994، والتي نصت على ضمان وحدة وسلامة أراضيها من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا مقابل التخلص من أسلحتها النووية. وفي المقلب الآخر، فإن ترمب ذهب إلى مفاوضات في ولايته الأولى مع كيم جون أون، متجاهلا التجارب النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. وفي ولايته الحالية لم يمارس أي ضغوط على بيونغ يانغ أحد أهم داعمي روسيا في حربها على أوكرانيا ومصدر التهديد الأساسي لحليفتها كوريا الجنوبية واليابان في شرق آسيا، وبدا أن امتلاك السلاح النووي منح بيونغ يانع وكيم حصانة، بينما لم يتردد ترمب في ضرب إيران صيف العام الماضي، وقتل "المرشد" الإيراني علي خامنئي والصف القيادي في إيران في بداية حرب العام الحالي.

ومن المؤكد أن الضربات الأميركية والإسرائيلية أخرت المشروع النووي الإيراني لسنوات، لكنها في الوقت ذاته، فتحت الباب واسعا أمام صف من الراغبين بالحصول على السلاح النووي لأسباب مختلفة.

من المؤكد أن الضربات الأميركية والإسرائيلية أخرت المشروع النووي الإيراني لسنوات، لكنها في الوقت ذاته، فتحت الباب واسعا أمام صف من الراغبين في الحصول على السلاح النووي لأسباب مختلفة

سلاح نووي أم مظلة جديدة؟

تزايدت النقاشات العلنية في البلدان الحليفة للولايات المتحدة حول مزايا ومخاطر امتلاك سلاح نووي. وفي أوروبا، يدور الحديث عن إنشاء ردع نووي خاص بـ"الاتحاد". وفي كوريا الجنوبية، بلغ الدعم الشعبي لامتلاك سلاح نووي أعلى مستوياته المسجلة، وحتى في اليابان بدأ بعض السياسيين يطرحون موضوعا كان يُعد من المحرمات سابقا.

ومع تزايد الشكوك حول مصداقية ما يُعرف بـ"المظلة النووية الأميركية"، التي شكّلت لعقود مبررا لعدم السعي نحو امتلاك السلاح النووي. ومع القلق من سياسات إدارة ترمب، بدأت بعض الدول تدرس تطوير برامج نووية وطنية أو البحث عن ضمانات ردع بديلة.

ورغم أن الشكوك حول مصداقية هذه المظلة موجودة منذ سنوات وتسبق إدارة ترمب، فإن انتقادات المسؤولين الأميركيين لحلف "الناتو"، والتركيز على تقاسم الأعباء، والمواقف المتعلقة بأوكرانيا، جعلت الحلفاء يعيدون تقييم الاعتماد على الضمانات الأميركية.

ومع هذا التحول، أصبحت قائمة الدول المرشحة لامتلاك السلاح النووي أكثر اتساعا من أي وقت مضى. وفي أوروبا، تركزت النقاشات على فكرة إنشاء ردع نووي مشترك تحت مظلة فرنسا.

أ ف ب
استعراض لصاروخ Hyunmoo-5 الكوري الجنوبي خلال يوم القوات المسلحة في 1 أكتوبر 2024

كما تتزايد التكهنات بشأن احتمال تفكير بولندا وألمانيا في تطوير قدرات نووية. وفي مطلع مارس/آذار، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أمام البرلمان إن بولندا "يجب أن تصل إلى أكثر الحلول حداثة المتعلقة بالأسلحة النووية".

وتصاعدت نقاشات مشابهة بين مسؤولين حاليين وسابقين في شرق آسيا. وفي اليابان التي تعهدت منذ عام 1967، بعدم إنتاج أو امتلاك أو استضافة أسلحة نووية على أراضيها ضمن ما يُعرف بـ"المبادئ الثلاثة غير النووية"، فإن الحديث عن امتلاك أسلحة نووية لم يعد محظورا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أفادت وسائل إعلام يابانية بأن مسؤولا حكوميا رفيعا مقرّبا من رئيسة الوزراء تاكايتشي ساناي صرّح لصحافيين بأن اليابان ينبغي أن تمتلك أسلحة نووية. ونظرا إلى مكانة اليابان بوصفها الدولة الوحيدة التي تعرّضت لهجمات نووية خلال الحروب، أحدث هذا التصريح صدمة واسعة في المجتمع الياباني.

وشهدت كوريا الجنوبية مؤخرا نقاشا أكثر وضوحا وحدّة بشأن الأسلحة النووية. ففي عام 2023، قال الرئيس آنذاك يون سوك يول إن كوريا الجنوبية قد تحتاج إلى "نشر أسلحة نووية تكتيكية أو تطويرها بقدراتها الذاتية". أما خلفه، لي جاي ميونغ، فقد تبنّى لهجة أكثر حذرا، إلا أن المجتمع الكوري ما زال يؤيد هذا التوجه. وأظهر استطلاع رأي أجراه "معهد آسان" في أبريل/نيسان 2025 أن نسبة قياسية بلغت 76.2 في المئة من المشاركين الكوريين الجنوبيين تؤيد امتلاك البلاد أسلحة نووية محلية الصنع.

وشكّلت التحالفات الثنائية مع الولايات المتحدة حجر الزاوية في أمن كل من اليابان وكوريا الجنوبية، لكن الضمانة الأمنية الأميركية لم تعد كما كانت في السابق. فقد تراجعت القوة العسكرية الأميركية في المنطقة مقارنة بالصين. كما أثار استخفاف ترمب بالتحالفات، كما ظهر في تهديده في أبريل/نيسان الماضي بالانسحاب من "الناتو"، مخاوف من احتمال تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها.

شكّلت التحالفات الثنائية مع الولايات المتحدة حجر الزاوية في أمن كل من اليابان وكوريا الجنوبية، لكن الضمانة الأمنية الأميركية لم تعد كما كانت في السابق

وفاقمت الصين هذا الشعور بانعدام الأمن من خلال توسيع قدراتها العسكرية، بما في ذلك قدراتها النووية. وتقدّر وزارة الدفاع الأميركية أن الصين تمتلك حاليا أكثر من 600 رأس نووي عملياتي، وهي في طريقها لتجاوز 1000 رأس نووي بحلول عام 2030. فبعدما قالت رئيسة الوزراء تاكايتشي في نوفمبر/تشرين الثاني إن اندلاع أزمة بشأن تايوان قد يستلزم نشر "قوات الدفاع الذاتي" اليابانية، ردّ مسؤولون صينيون بخطاب عدائي، وفرض قيود على الصادرات، وتقليص السياحة الصينية.

كما تتحمل روسيا مسؤولية تقويض الأمن الإقليمي. أظهرت حربها الشاملة على أوكرانيا في عام 2022 أن الدول المالكة للأسلحة النووية يمكنها مهاجمة جيران غير نوويين، واستخدام التهديد بالتصعيد النووي لمنع تدخل دول ثالثة.

كما أن توطيد العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية، والذي تجسد في "معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة" لعام 2024، زعزع الأمن الإقليمي بصورة خطيرة. وتخشى طوكيو وسيول من طبيعة المساعدة التقنية التي قد تقدّمها روسيا إلى بيونغ يانغ. وازدادت هذه المخاوف وضوحا في أبريل/نيسان، حينما لاحظت الوكالة الدولية للطاقة الذرية "زيادة خطيرة للغاية في قدرات كوريا الشمالية في مجال إنتاج الأسلحة النووية".

وفي حين أنه من غير المرجح أن تمتلك اليابان أسلحة نووية قريبا، خصوصا بسبب حساسيتها كونها الدولة الوحيدة التي تعرضت مباشرة لآثار القصف النووي، رغم امتلاكها التقنيات اللازمة جميعها للوصول إلى إنتاج السلاح النووي، فإن الوضع مع كوريا الجنوبية مختلف. ويمثل الإرث النووي السابق لكوريا الجنوبية والدعم الشعبي الكبير لإعادة تطويره احتمالا حقيقيا لامتلاك سلاح نووي في المستقبل، رغم تمسك الحكومة الحالية ذات التوجه الوسطي اليساري بسياسة عدم التسلح النووي.

رويترز
منشأة ثمانية الأضلاع العسكرية في شينجيانغ الصين في 30 أبريل 2026

رغم التحذيرات المستمرة منذ عقود من خبراء منع الانتشار النووي، فإن دخول أعضاء جدد إلى النادي النووي بات احتمالا واقعيا لأول مرة منذ سنوات طويلة.

ومع بروز تحالف بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، وتراجع الالتزامات الأميركية لأمنها، تزداد إمكانية إقبال اليابان وكوريا الجنوبية على بناء قوة نووية.

كيم وعتبة النووي

وفي الشهر الماضي، أفادت تقارير إعلامية بأن كوريا الشمالية عدّلت دستورها ليُلزمها بشن ضربة نووية انتقامية في حال اغتيال زعيمها كيم جونغ أون. وذكرت صحيفة "التلغراف" أن التعديل جاء على خلفية مقتل علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين آخرين في الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط. وأضافت الصحيفة أن التعديل الدستوري اعتُمد في جلسة الجمعية الشعبية العليا في كوريا الشمالية، في 22 مارس/آذار الماضي.

وحسب جهاز الاستخبارات الوطني الكوري الجنوبي، ينص البند المُحدّث على أنه "إذا تعرّض نظام القيادة والسيطرة على القوات النووية للدولة للخطر جراء هجمات قوى معادية... فسيتم شنّ ضربة نووية تلقائيا وفوريا".

وسابقا، كانت العقيدة النووية، المقرة في 2013، تنص على أن الأسلحة النووية الكورية الشمالية "لا يمكن استخدامها إلا بأمر نهائي من القائد الأعلى للجيش الشعبي الكوري (منصب يشغله كيم) لصد غزو أو هجوم من دولة معادية تمتلك أسلحة نووية وتنفيذ ضربات انتقامية".

وعدلت كوريا الشمالية في ذات الجلسة دستورها لتحديد أراضيها على أنها حدود مع كوريا الجنوبية وإزالة الإشارات إلى إعادة التوحيد، مما يعكس مساعي كيم لمعاملة الكوريتين رسميا كدولتين منفصلتين.

وتنص المادة أيضا على أن كوريا الشمالية "لن تتهاون أبدا مع أي انتهاك" لأراضيها، لكنها لا تحدد موقع حدودها مع كوريا الجنوبية ولا تذكر الحدود البحرية المتنازع عليها مثل خط الحدود الشمالي في البحر الأصفر، ما يبقى الباب مواربا أمام صراعات جديدة مستقبلا.

وفي الشهر الماضي، تعهّد كيم بتعزيز قدرات بلاده النووية بشكل أكبر، مع الحفاظ على موقف متشدد تجاه كوريا الجنوبية، التي وصفها بأنها "الدولة الأكثر عداء".

وكوريا الشمالية، آخر المنضمين إلى "النادي النووي"، وانسحبت من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 2003، وأجرت أول تجربة نووية لها عام 2006. وطوّرت أسلحة نووية وصواريخ باليستية متقدمة. وتؤكد بيونغ يانغ أن وضعها كدولة تمتلك سلاحا نوويا "لا رجعة فيه". وحسب "التقييم السنوي للتهديدات لعام 2026" الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأميركي، تملك كوريا الشمالية قرابة 50 رأسا نوويا. كما تملك ترسانة صاروخية أبعدها مدى من طراز "هواسونغ-18" الباليستي العابر للقارات بمسافة تصل إلى 15 ألف كيلومتر.

وفي أبريل/نيسان 2026، صرّح مسؤول دفاعي أميركي خلال جلسة استماع بأن "القوات النووية لكوريا الشمالية أصبحت قادرة بشكل متزايد على استهداف أراضي الولايات المتحدة، وأن قواتها الصاروخية قادرة على ضرب كوريا الجنوبية واليابان برؤوس نووية أو تقليدية".

لا يقتصر الخطر المحدق باليابان وكوريا الجنوبية على الأسلحة النووية الكورية الشمالية، فالدولتان ليستا على وفاق مع الصين التي طورت أسلحتها ومن ضمنها النووية بشكل هائل في السنوات الأخيرة

ولا يقتصر الخطر المحدق باليابان وكوريا الجنوبية على الأسلحة النووية الكورية الشمالية، فالدولتان ليستا على وفاق مع الصين التي طورت أسلحتها ومن ضمنها النووية بشكل هائل في السنوات الأخيرة. كما تشكل الأسلحة النووية الصينية تهديدا للولايات المتحدة.

وفي 29 مايو/أيار الماضي، ذكر تقرير نشرته وكالة "رويترز" أن الصين تبني منصات إطلاق قرب صوامع صواريخها النووية المعزولة في مناطق صحراوية، وقادرة على الوصول إلى أي نقطة في الولايات المتحدة.

وكشف التقرير عن صور قال إنها التقطت من أقمار اصطناعية وتظهر أكثر من 80 منصة إطلاق يُحتمل استخدامها من قبل أسطول الصين المتنامي من منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة وبطاريات الدفاع الجوي. كما تُظهر منشآت قد تُستخدم في الحرب الإلكترونية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وعمليات القيادة، وفقا لثلاثة محللين أمنيين قاموا بتقييم الصور لصالح وكالة "رويترز".

ويشير حجم هذا المشروع إلى توسع هائل في البنية التحتية المحصنة المصممة لحماية وتشغيل القوات النووية الصينية البرية. وتُشير هذه الشبكة مجتمعة إلى تطور كبير في جهود بكين لضمان قدرتها على توجيه ضربة نووية ردا على أي استهداف نووي، مما يُؤكد على اشتداد المنافسة النووية مع الولايات المتحدة في ظل تصاعد التوترات بشأن قضايا مثل سيادة تايوان.

وتهدف الصين إلى بناء رادع نووي محدود ولكنه ذو مصداقية، وهي سياسة تقوم على القدرة على الردّ في حال تعرّضها لهجوم استباقي. وبينما يستطيع الجيش الصيني إطلاق أسلحة نووية من الغواصات والطائرات، فإنّ حقول الصوامع في منطقة شينجيانغ الشمالية الغربية ومقاطعة قانسو تُشكّل جوهر قواتها النووية.

ويُعدّ مبدأ "عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية" حجر الزاوية في العقيدة الصينية، كما تلتزم الصين بعد توجيه ضربة نووية للدول التي لا تمتلك هذه الأسلحة.

أ.ف.ب
تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات جديد من طراز "هواسونغ-18" في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية، في 13 يوليو 2023

وقالت وزارة الدفاع الصينية في 22 أغسطس/آب الماضي إنه "لا يمكن كسب حرب نووية، ويجب عدم خوضها". وأضافت أن الصين تلتزم "باستراتيجية نووية للدفاع عن النفس، وتتبنى سياسة عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية".

وحذر شي الشهر الماضي ترمب من أن سوء إدارة الخلافات بين البلدين بشأن تايوان، التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها، قد يؤدي إلى "وضع خطير". وترفض حكومة تايوان مزاعم الصين بالسيادة عليها. ويقول بعض كبار الدبلوماسيين والمحللين الغربيين إن الصين قد تلجأ إلى الإكراه النووي للحد من التدخل الخارجي في نزاع حول تايوان.

ومعلوم أن الصين أصبحت في عام 1964 خامس دولة في العالم تمتلك سلاحا نوويا. وزادت الصين في السنوات الأخيرة عدد رؤوسها النووية، بالتوازي مع تحديث قواتها الصاروخية الاستراتيجية وأسطولها من الغواصات النووية، ما جعل ترسانتها ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم. تمتلك ثالوثا نوويا كاملا يشمل القاذفات الجوية النووية، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات.

بعد انتهاء معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة "نيو ستارت"، وهي آخر اتفاق ملزم للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، في 5 فبراير/شباط الماضي، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكرة اتفاق "محسّن" يشمل الصين.

لا تملك الصين حافزا كبيرا للاستجابة لمطالب واشنطن والدخول في مفاوضات للحد من أسلحتها النووية، خاصة مع تراجع الضغط الدولي عليها في ظل التصعيد الأميركي الأخير تجاه فنزويلا وإيران وغرينلاند وكوبا.

رسائل نووية روسية من بيلاروسيا

وشكلت المناورات الروسية البيلاروسية المشتركة في بيلاروسيا في الفترة من 19 إلى 21 مايو/أيار الماضي، فرصة أخرى للكرملين لاستعراض قدراته النووية. وشهدت المناورات مشاركة مكونات "الثالوث النووي" الروسي البرية والجوية والبحرية، وتضمنت إطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. وتزامنت هذه المناورات مع أكبر هجمات جوية أوكرانية بطائرات مسيرة على أهداف في روسيا، وتصاعد التوترات في منطقة البلطيق.

ورغم أن هذه المناورات ليست استثنائية في حد ذاتها، إذ تنظم روسيا دوريا تدريبات تشمل قواتها النووية، فإن الكرملين استغل هذه المناورات لزيادة الضغط السياسي على أوكرانيا وحلفائها، عبر الإعلان عن استخدام أسلحة نووية تكتيكية، ونقل رؤوس حربية نووية إلى مواقع تخزين ميدانية في بيلاروسيا.

وقبيل المناورات، أجرت روسيا اختبارا آخر لصاروخ "سارمات" الباليستي العابر للقارات، القادر على حمل عشرة رؤوس نووية أو أكثر. ويعتزم الكرملين وضعه في الخدمة بحلول نهاية عام 2026. في الوقت نفسه، اشتدت النقاشات داخل أوساط مؤيدي الحرب، وبين خبراء مقربين من السلطات، حول إمكانية توجيه ضربة نووية محدودة لأوكرانيا كوسيلة لإنهاء الحرب بشروط موسكو.

منذ بداية الحرب، دأبت روسيا على تصعيد تهديداتها النووية كلما حدثت انتكاسات عسكرية أو ازداد الدعم الدولي لأوكرانيا. وبعد فشلها في حسم الحرب على أوكرانيا سريعا، أمر بوتين بوضع قوات الردع النووي الروسية في حالة تأهب قصوى نهاية فبراير/شباط 2022. وفي خريف عام 2022، وعلى خلفية الهجوم الأوكراني المضاد في منطقة خاركيف، صرح بوتين بأن روسيا مستعدة لاستخدام "جميع الوسائل المتاحة"، بما في ذلك الأسلحة النووية، وحينها شدد على أن "هذا ليس مجرد تهديد".

منذ بداية الحرب، دأبت روسيا على تصعيد تهديداتها النووية كلما حدثت انتكاسات عسكرية أو ازداد الدعم الدولي لأوكرانيا

ورغم أن التهديدات التي أطلقها المسؤولون الروس لم توقف كامل الدعم لأوكرانيا، فإن التلويح النووي، كان عاملا مهما في توخي حلفاء أوكرانيا الحذر وجعل توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا أكثر تكلفة سياسيا.

ورغم أن روسيا خفّضت بشكل كبير مخزوناتها مقارنة بذروة الحرب الباردة، فإنها لا تزال تمتلك واحدة من أكبر وأخطر القوات النووية في العالم، كما أدت العلاقات المتدهورة مع الولايات المتحدة إلى تعطيل المزيد من جهود دبلوماسية الحد من الأسلحة. ويبلغ عدد الرؤوس النووية المنشورة حاليا حسب التقديرات الأميركية نحو 1710 رأسا جاهزة للإطلاق من منصات صواريخ أرضية وقاذفات استراتيجية وغواصات نووية.

وعملت روسيا في السنوات الأخيرة على تحديث "الثالوث النووي" لديها عبر إدخال صواريخ وغواصات جديدة للخدمة، والعمل على بناء قاذفات جديدة. وبالتوازي عملت روسيا على تطوير صواريخ متوسطة المدى، قادرة على حمل رؤوس نووية، لكسر التفوق الغربي في مجال الأسلحة التقليدية، ومن ضمنها صاروخ "أوريشنك" الذي جربته ثلاث مرات في ضربات على أوكرانيا آخرها في الشهر الماضي. وتمتلك أكبر مخزون في العالم من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية (التكتيكية).

وتمتلك روسيا أيضا أنظمة مزدوجة القدرة (يمكنها حمل رؤوس تقليدية أو نووية)، تشمل صواريخ دقيقة المدى غير مقيدة باتفاقيات الحد من الأسلحة. ويمكن تزويد هذه الأنظمة برؤوس نووية لاستخدامها كأسلحة نووية غير استراتيجية.

ورفضت روسيا محاولات الولايات المتحدة للحد من هذه الأسلحة، معتبرة أنها وسيلة لموازنة التفوق التقليدي الأميركي وحلف "الناتو".

ومما يزيد مخاطر الانزلاق إلى سباق تسلح، أو مواجهة نووية، رفض ترمب، في الخريف الماضي، دعوة بوتين لتمديد اتفاقية "نيو ستارت" لمدة عام، كما أعلن حينها أن الولايات المتحدة ستستأنف تجاربها النووية للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة عقود. رغم أن الإعلان عن استئناف التجارب النووية لم يكن دقيقا فإنه كان كفيلا بإثارة مشاعر الخوف عالميا وتقويض الاستقرار العالمي، وفتح الطريق أمام سباق تسلح نووي بالتوازي مع سباق التحديث المحتدم بالفعل. ومن الواضح أن ترمب خلط بين اختبار الصواريخ التي تحمل رأسا نوويا واختبار الرؤوس الحربية نفسها، علما أن آخر تفجير لرأس نووي أجرته الولايات المتحدة في 1992.

مظلة فرنسية

وعلى خلفية مخاوف البلدان الأوروبية المتزايدة من تراجع الانخراط الأميركي في الدفاع عن القارة، والتهديدات الروسية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطلع مارس/آذار الماضي عن تعزيز الترسانة النووية الفرنسية، وكشف عن تغيير مهم في عقيدة الردع، بما يسمح لأول مرة بنشر مؤقت للطائرات النووية الفرنسية في دول أوروبية حليفة.

أ ف ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطابا بجوار الغواصة النووية الصاروخية الباليستية "لو تيميرير" (S617) خلال زيارته لقاعدة إيل لونغ البحرية للغواصات النووية في كروزون، شمال غرب فرنسا، في 2 مارس 2026

وتملك فرنسا حاملة طائرات واحدة هي "شارل ديغول"، وهي قادرة على حمل أسلحة نووية تُنقل عبر طائرات رافال المقاتلة باستخدام الإقلاع المساعد بالمقاليع. كما تمتلك فرنسا أربع غواصات نووية مسلحة، ويمكنها حمل 16 صاروخا باليستيا مزودة برؤوس نووية متعددة. وتملك فرنسا 290 رأسا نوويا، حسب أحدث تقديرات معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيري) واتحاد العلماء الأميركيين. وأعلن ماكرون أن عدد الرؤوس النووية الفرنسية سيزيد، لكنه لم يحدد رقما.

وأوضح ماكرون أن هذه التغييرات تأتي استجابة لبيئة تتسم بتزايد عدم الاستقرار. وقال: "الخمسون عاما المقبلة ستكون حقبة الأسلحة النووية". وقال إن ثماني دول أوروبية وافقت على المشاركة في استراتيجية ردع جديدة تُسمى "الردع المتقدم".

وتعد الاستراتيجية النووية الفرنسية الجديدة استكمالا لسياسة "الاستقلال الاستراتيجي الفرنسي" التي أطلقها الرئيس الأسبق شارل ديغول، انطلاقا من قناعة بأن "الأميركيين، بطبيعة الحال، أقرب إلى فرنسا من الروس، لكن الولايات المتحدة أيضا لها مصالحها، وفي يوم من الأيام قد تتعارض هذه المصالح مع المصالح الفرنسية". وفي الستينات صاغ ديغول فكرة الردع النووي الفرنسي السيادي، والذي بات اليوم في قلب النقاشات حول أمن أوروبا.

ورغم ترحيب بعض الدول مثل النرويج وبولندا ودول البلطيق بالمبادرة الفرنسية، وحاجتها لمظلة نووية، فإن أسئلة كثيرة تبرز حول آلية الحماية النووية، وقدرة أقل من 290 رأسا نوويا فرنسيا على الرد، وحتى لو أضيف لها قرابة 250 رأسا نوويا لدى بريطانيا.

ونظرا لأن الالتزام الفرنسي لا يشمل ضمانا باستخدام السلاح النووي للدفاع عن الحلفاء، بل استخدام ردعها النووي لحماية "مصالحها الحيوية"، يبرز سؤال أهم وهو: هل سيقنع عرض ماكرون الحلفاء الأوروبيين ويمنحهم الأمان أم سيدفعهم إلى البحث عن حلولهم الخاصة.

وكما أنهى استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي ضد اليابان في هيروشيما وناغازاكي الحرب العالمية الثانية، وأطلق سباقا نحو امتلاك السلاح النووي كعامل ردع، فإن أجواء عدم الاستقرار في العالم المترافقة لمحاولات تشكيل نظام عالمي جديد تزيد مخاطر سباق تسلح نووي. وربما استخدام السلاح النووي للمرة الثانية مع فارق مهم وهو أن الانتشار الواسع للأسلحة النووية اختلف جذريا عما كان عليه الوضع قبل نحو ثمانين عاما، بما يعنيه من إمكانية ردود تعجل نهاية العالم وقطع 85 ثانية تفصلنا عن منتصف الليل الذي يمثل نهاية العالم حسب "نشرة علماء الذرة" في آخر تحديث بداية العام الحالي.

font change

مقالات ذات صلة