بعد نحو عشرين عاما على دخول كوريا الشمالية في النادي النووي، تنتشر حمى الحصول على السلاح النووي، أو الاحتماء بمظلة نووية في مختلف قارات العالم. وفي حين أثارت الحرب الروسية على أوكرانيا مخاوف من الانزلاق إلى حرب نووية، أججت سياسات وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف الحلفاء حول العالم من تخلي الولايات المتحدة عن دورها الضامن لأمن أوروبا وشرق آسيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أطلقت تصريحات- خلط فيها بين استئناف تجارب الرؤوس النووية وتجارب تطوير الصواريخ- موجة خوف من العودة إلى أجواء الحرب الباردة.
وشهد العالم في السنوات الأخيرة موجة غير مسبوقة من زيادة النفقات الدفاعية، ولكن القناعة بضرورة الحصول على سلاح ردع إضافة إلى الأسلحة التقليدية، أطلقت سباقا مركبا، فالدول النووية عملت على تطوير وتحديث أسلحتها النووية، وبدأت الدول الأخرى التفكير جديا في حيازة السلاح النووي، وهرعت دول أخرى لتأمين "مظلة نووية" إضافية خوفا من حليف متقلب المزاج قد لا يهب لنجدتهم، وعدو يلوح بالسلاح النووي لفرض القبول بتغير الخريطة السياسية في أوروبا بالقوة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ويطور أنظمة صاروخية قادرة على توجيه ضربات نووية تكتيكية هدفها الأساسي غرب أوروبا.
وكشفت صحيفة "فايننشيال تايمز" أن واشنطن تدرس توسيع نشر أسلحتها النووية داخل حلف "الناتو"، عبر استضافة دول أوروبية جديدة لطائرات ذات قدرات مزدوجة، تقليدية ونووية. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد التهديدات الروسية وتزايد القلق الأوروبي من موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية، رغم أن أي اتفاق لا يبدو وشيكا.
ومما يعزز التوجه إلى اقتناء السلاح النووي طرق التعامل المزدوجة من القوى العظمى مع البلدان حسب امتلاكها أسلحة ردع. ويتشارك الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين مع ترمب في مبدأ "السلام عبر القوة". واستبعد كثير من المسؤولين والمحللين السياسيين إقدام بوتين على ضم القرم في 2014، أو غزوها في 2022 لو أنها احتفظت بسلاحها النووي ولم تتخل عنه بعد توقيع مذكرة بودابست في 1994، والتي نصت على ضمان وحدة وسلامة أراضيها من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا مقابل التخلص من أسلحتها النووية. وفي المقلب الآخر، فإن ترمب ذهب إلى مفاوضات في ولايته الأولى مع كيم جون أون، متجاهلا التجارب النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. وفي ولايته الحالية لم يمارس أي ضغوط على بيونغ يانغ أحد أهم داعمي روسيا في حربها على أوكرانيا ومصدر التهديد الأساسي لحليفتها كوريا الجنوبية واليابان في شرق آسيا، وبدا أن امتلاك السلاح النووي منح بيونغ يانع وكيم حصانة، بينما لم يتردد ترمب في ضرب إيران صيف العام الماضي، وقتل "المرشد" الإيراني علي خامنئي والصف القيادي في إيران في بداية حرب العام الحالي.
ومن المؤكد أن الضربات الأميركية والإسرائيلية أخرت المشروع النووي الإيراني لسنوات، لكنها في الوقت ذاته، فتحت الباب واسعا أمام صف من الراغبين بالحصول على السلاح النووي لأسباب مختلفة.



