سيل التصريحات الإيرانية من "مقر خاتم الأنبياء" إلى أصغر نائب في البرلمان الإيراني عقب قصف إيران لإسرائيل ردا على قصفها للضاحية الجنوبية لبيروت يكاد يكون غير مسبوق لكثافته، ومُفارق لناحية اللغة الإنشائية التي تنطوي عليها هذه التصريحات، وكأن المسؤولين الإيرانيين يتنافسون في البلاغة. ناهيك بأن المقارنة بين الخطابين الإيراني والإسرائيلي خلال الحرب تكشف أن نسبة التركيز في الخطاب الإسرائيلي أعلى منها في الخطاب الإيراني، لناحية حصرية مراكز القرار وضبط الموقف.
قد يعكس ذلك تخبطا ما داخل النظام الإيراني أو تعدد مراكز القوة في طهران، وقد يعكس أيضا شيئا من المناورة واستخدام الغموض كأداة سياسية، لكن في المحصلة فإن اللغة التهديدية لإيران تنعكس عليها في نهاية المطاف، لأن المعادلات التي تحاول طهران أن تفرضها في سياق الحرب سواء في الخليج أو لبنان هي معادلات هشة وتعكس موازين القوى الحقيقية التي ليست في صالح طهران.
صحيح أن إيران نفذت تهديدها بقصف شمال إسرائيل في حال قصفت الأخيرة الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي بالتالي استطاعت تثبيت معادلة شمال إسرائيل مقابل الضاحية، مع أن صواريخها لم تسقط كلها هناك بل سقط واحد منها على الأقل في الضفة الغربية، لكن من ينظر إلى داخل هذه المعادلة يقع على حقيقة ميزان القوة بين إيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، مع أو من دون الولايات المتحدة الأميركية، ويقع أيضا على انعكاس اختلال هذا الميزان لصالح تل أبيب على طبيعة المعادلات الإيرانية بشأن لبنان من حيث أن كلفتها عالية جدا عليه كما أثبتت التطورات خلال الشهرين الماضيين؛ أي منذ إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في الثامن من أبريل/نيسان الماضي، بحيث استمرت الحرب في جنوب لبنان على نحو مأسوي على عمرانه وأهله؛ وهل أكثر من أن تنهش الوحوش جثث القتلى، كما يروي رعاة المنطقة، للتأكد من حجم المأساة، وأمر كهذا لم يحصل ربما في غزة، ولا حتى في سوريا.



