عندما يدفع جنوب لبنان كلفة المعادلات الإيرانية الهشة

عن ضرورة النظر إلى لبنان بوصفه "أوهن من بيت العنكبوت"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
اندلع لهب هائل من مبنى إثر غارة إسرائيلية على مدينة صور، جنوب لبنان، في 28 مايو 2026

عندما يدفع جنوب لبنان كلفة المعادلات الإيرانية الهشة

سيل التصريحات الإيرانية من "مقر خاتم الأنبياء" إلى أصغر نائب في البرلمان الإيراني عقب قصف إيران لإسرائيل ردا على قصفها للضاحية الجنوبية لبيروت يكاد يكون غير مسبوق لكثافته، ومُفارق لناحية اللغة الإنشائية التي تنطوي عليها هذه التصريحات، وكأن المسؤولين الإيرانيين يتنافسون في البلاغة. ناهيك بأن المقارنة بين الخطابين الإيراني والإسرائيلي خلال الحرب تكشف أن نسبة التركيز في الخطاب الإسرائيلي أعلى منها في الخطاب الإيراني، لناحية حصرية مراكز القرار وضبط الموقف.

قد يعكس ذلك تخبطا ما داخل النظام الإيراني أو تعدد مراكز القوة في طهران، وقد يعكس أيضا شيئا من المناورة واستخدام الغموض كأداة سياسية، لكن في المحصلة فإن اللغة التهديدية لإيران تنعكس عليها في نهاية المطاف، لأن المعادلات التي تحاول طهران أن تفرضها في سياق الحرب سواء في الخليج أو لبنان هي معادلات هشة وتعكس موازين القوى الحقيقية التي ليست في صالح طهران.

صحيح أن إيران نفذت تهديدها بقصف شمال إسرائيل في حال قصفت الأخيرة الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي بالتالي استطاعت تثبيت معادلة شمال إسرائيل مقابل الضاحية، مع أن صواريخها لم تسقط كلها هناك بل سقط واحد منها على الأقل في الضفة الغربية، لكن من ينظر إلى داخل هذه المعادلة يقع على حقيقة ميزان القوة بين إيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، مع أو من دون الولايات المتحدة الأميركية، ويقع أيضا على انعكاس اختلال هذا الميزان لصالح تل أبيب على طبيعة المعادلات الإيرانية بشأن لبنان من حيث أن كلفتها عالية جدا عليه كما أثبتت التطورات خلال الشهرين الماضيين؛ أي منذ إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في الثامن من أبريل/نيسان الماضي، بحيث استمرت الحرب في جنوب لبنان على نحو مأسوي على عمرانه وأهله؛ وهل أكثر من أن تنهش الوحوش جثث القتلى، كما يروي رعاة المنطقة، للتأكد من حجم المأساة، وأمر كهذا لم يحصل ربما في غزة، ولا حتى في سوريا.

رهان إيران الرئيس الآن ليس على ردع إسرائيل بل على عدم رغبة دونالد ترمب في التصعيد وعودة الحرب في الخليج

ولعلّ الإكثار الإيراني من التصريحات والمواقف وظيفته الرئيسة التغطية على هذه الفجوة في موازين القوة بين الجانبين. فإذا أخذنا جولة التصعيد الأخيرة نجد أن الصواريخ الإيرانية قد تم اعتراضها كلها، ولم تصب أهدافا مهمة أو نوعية ولم تقتل أو تجرح إسرائيليا واحدا، ولو هددت طهران بأن الرد الثاني سيكون أقسى. بينما قصفت إسرائيل أنظمة دفاع جوي داخل إيران، ومعملا للبتروكيماويات ينتج مواد لصناعة الصواريخ الباليستية، وجرحت 14 إيرانيا؛ وفي محصلة هذه الجولة فإنه مرة جديدة استطاعت الطائرات الإسرائيلية أن تحلق بسهولة في السماء الإيرانية، وهذه ليست نقطة تفصيلية في قياس منظومة الردع بين الطرفين.

لكن قياس منظومة الردع لا يقتصر على جولة التصعيد الأخيرة، إذ إن مجريات ونتائج الحرب الإقليمية التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، عكست الخلل في منظومة الردع الإيرانية أمام إسرائيل، على اعتبار أن الهجمات الإيرانية على إسرائيل لم تدفعها إلى تعديل استراتيجيتها الهجومية ضدّ إيران، بل على العكس تماما، فلولا الكوابح الأميركية لكانت تل أبيب مستعدة للذهاب أبعد في الهجوم ضد طهران، وربما كان ذلك سيكون خيارا انتحاريا للحكومة الإسرائيلية، لكن من الواضح أنها محفزة لمواصلة القتال أكثر من الحكومة الإيرانية، وهذا لا يحتاج كثيرا من الحجج لإثباته، إذ تكفي متابعة تسلسل الأحداث وفهم الديناميكيات الإسرائيلية للتيقن منه.

رويترز
جندي إسرائيلي يُغلق بوابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية اللبنانية، 8 يونيو 2026

على ذلك، فإنّ رهان إيران الرئيس الآن ليس على ردع إسرائيل بل على عدم رغبة دونالد ترمب في التصعيد وعودة الحرب في الخليج، ولذلك أوعزت طهران إلى "حزب الله" لإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل يوم الأحد الماضي، أولا لاختبار موقف ترمب، ولأنها تدرك أنه سيسارع إلى إجبار بنيامين نتنياهو على احتواء التصعيد لأنه يريد اتفاقا "مبدئيا" في أسرع وقت قبل بدء كأس العالم في 11 يونيو/حزيران الجاري، أو أقله فهو يريد وعدا باتفاق يتيح تمرير المونديال، ويكون مقدمة لتهدئة أطول أو لاتفاق أوسع عشية الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ما جنته طهران من هذه الجولة أنها تستطيع أن تعيد توجيه خطابها الاعلامي والسياسي على أساس أنها ليست في وارد التخلي عن حلفائها أو أذرعها وعلى رأسهم "حزب الله"

بيد أنه في الوقت نفسه فإن خطاب الرئيس ترمب أو نائبه جي دي فانس "ضد" إسرائيل لا يعكس حقيقة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة بقدر ما يعكس حساسية الإدارة الأميركية تجاه مخاطبة جزء رئيس من قاعدتها الانتخابية يحمّل إسرائيل منذ حرب يونيو 2025 المسؤولية عن جر الولايات المتحدة الأميركية إلى وحول الشرق الأوسط. بالتالي فإن الحسابات الإيرانية بشأن نوايا ترمب لكبح إسرائيل ليست بالضرورة حسابات نهائية ومتينة، وطهران تدرك ذلك، وتعبّر عنه أصلا من خلال اتهامها واشنطن بمساندة تل أبيب في الهجوم عليها. لكن هذا لا ينفي أن إيران تحاول الاستفادة إلى أقصى حد في اللحظة الراهنة من "التناقض" الأميركي-الإسرائيلي بشأن أولويات كل من ترمب ونتنياهو، بعد أن أصبح هذا "التناقض" الآن نقطة القوة الأبرز لإيران، في وقت تراجعت فيه أهمية ورقة مضيق هرمز بالنسبة للإيرانيين، وعلى سبيل المثال أشار الصحافي من أصل إيراني أمير طاهري إلى أن "المضيق ليس مغلقا كما تدّعي طهران، فخلال الأسبوع الماضي. عبرت أكثر من 100 سفينة معظمها سفن حاويات، غالباً ليلاً، وأحياناً برفقة سرية من حرس الحدود الأميركي. إحدى العقبات هي ارتفاع رسوم التأمين، والتي لو خفِضت لشجع عبور المزيد من السفن".

أ.ف.ب
مركبة عسكرية إسرائيلية من طراز هامفي تمر بجوار مبان مدمرة في جنوب لبنان كما شوهدت من الجانب الآخر من الحدود في موقع بشمال إسرائيل في 7 مايو 2026

إلا أن ما جنته طهران من هذه الجولة أنها تستطيع أن تعيد توجيه خطابها الاعلامي والسياسي على أساس أنها ليست في وارد التخلي عن حلفائها أو أذرعها وعلى رأسهم "حزب الله"، ولكن المفارقة هنا أن كلفة عدم التخلي هذه تكاد توازي كلفة التخلي نفسه، إذا ما نظر إلى الوضع المأسوي في جنوب لبنان. لكن قبل النظر في الوضع جنوبا، ثمة تغيّر كبير وغير مسبوق حصل في الاستراتيجية الإيرانية ويتمثل في أن طهران أصبحت مجبرة على الدفاع عن وكلائها بنفسها وبالتالي تعريض أراضيها للقصف بعد أن كانت طيلة العقود الماضية تبني وكلاءها للدفاع عنها، كخط دفاع أول خارج حدودها، أي إن منظومة الردع الإيرانية بشكلها السابق قد انهارت كليا، بينما تصطدم طهران حتى الآن باستحالة ترميمها بصيغتها السابقة بعد الضربات الكبيرة التي تعرض لها "حزب الله" منذ "حرب الإسناد" الأولى في 2023، والتي انتهت نهاية دراماتيكية لن يشفى منها إلى الأبد. كما أن مجريات ونتائج الحرب الإقليمية الأخيرة لم تسمح لإيران بتأسيس منظومة ردع جديدة من خلال ترسانتها وحسب، ولذلك لجأت إلى ورقة مضيق هرمز، بغية رفع كلفة الحرب ضدها على العالم بأسره. ناهيك بأن قصف طهران لأهداف مدنية في دول الخليج العربية دليل على الخلل في منظومة ردعها ضدّ واشنطن وتل أبيب فما كان منها إلا محاولة تعويضه بإيذاء دول الخليج.

كل هذه الاختلالات في المنظومة الردعية لـ"محور المقاومة" لا يمكن الاستعاضة عنها أو معالجتها بالمناورات السياسية والإعلامية

أما فيما يخص لبنان، النقطة الأضعف في هذه الحرب الإقليمية، فقد أصرت إيران على تأكيد أن وقف إطلاق النار الذي أعلن بينها وبين الولايات المتحدة في 8 أبريل الماضي بوساطة باكستانية يشمل لبنان، بينما نفت واشنطن ذلك، لكن عمليا لم تستطع طهران أن تثبت حقيقة هذا الأمر، أي أن تفرض وقفا شاملا لإطلاق النار في كل لبنان كما حصل على أراضيها؛ ما حصل بعد هذا الاتفاق كان تحييد بيروت عن القصف الإسرائيلي، أما الجنوب اللبناني فكان مفتوحا أمام التوغل والتدمير والقتل الإسرائيلي، حتى تجاوز الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني واحتل قلعة الشقيف ذات المكانة الاستراتيجية والرمزية المهمة، وها هو الآن يهدد ويقصف مدينتي صور والنبطية.

بيد أن مساءلة "محور المقاومة" لا تقتصر على الحرب الأخيرة، إذ إن إيران كانت قد تأخرت كثيرا في دعم حلفائها عسكريا، أي في الانضمام إلى الحرب، أو في إسناد "حزب الله" أو "حماس"، بل إنها سارعت في بداية حرب "السيوف الحديدية" ضد "حماس" إلى التنصل من عملية "طوفان الأقصى"، ثم إنها لم ترد على اغتيال إسماعيل هنية على أراضيها، إلا بعد اغتيال حسن نصرالله، واكتفت وقتها برد يتيم، في وقت كانت الهيكلية القيادية لـ"حزب الله" تتعرض لضربات قاسية حتى تفككت نهائيا بعد القضاء على الصف الأول والثاني منها. وذلك كله لأن منظومة الردع التي كان "الحزب" يفاخر بها كانت قد انهارت كليا من تفجيرات "البيجير"، ولم تحاول إيران تعويضها خشية استهداف أراضيها، إلى أن شنت إسرائيل الحرب ضدها في يونيو/حزيران 2025، ثم شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ثانية ضدها في نهاية فبراير/شباط الماضي بدأاها باغتيال "المرشد" علي خامنئي صاحب نظرية "الصبر الاستراتيجي" التي لم تثبت جدواها.

أ.ف.ب
أنقاض المبنى المنهارة بعد غارة جوية إسرائيلية في حي حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت في 7 مايو 2026

بالتالي فإن كل هذه الاختلالات في المنظومة الردعية لـ"محور المقاومة" لا يمكن الاستعاضة عنها أو معالجتها بالمناورات السياسية والإعلامية، فبعد غزة ها هو جنوب لبنان يدفع ثمن اختلال موازين القوى بين إيران ووكلائها من جهة، وبين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية، حتى إن رئيس البرلمان نبيه بري أصبح يقول إنه يريد وقفا شاملا لإطلاق النار وإن أتت به بنغلاديش؛ فحتى لو كان هذا التصريح ينطوي على معنى سلبي تجاه بنغلاديش، فإنه يعبّر عن حجم المأساة التي حلت بجنوب لبنان من جراء انكشافه أمام المعادلات الإقليمية والدولية، بحيث كان جزءا من صراع أكبر من قدرة لبنان أو "حزب الله" على التأثير فيه أو قلب موازينه. فعوض أن تقلب نتائج هذه الحرب نتائج حرب عام 2024 فهي كرستها وفاقمتها احتلالا وتدميرا وقتلا، وانقساما داخليا عموديا لا يعرف كيف سيكون لبنان دولة ومجتمعا من بعده.

ما أثبتته هذه الحرب أن لبنان بظروفه الداخلية والإقليمية والدولية هو فعلا، وفي ظل مساره الحالي، أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل

والفارق بين بري و"حزب الله" في هذه الحرب، أن رئيس البرلمان لا يربط بين الحرب في الجنوب وبين الداخل اللبناني على النحو الذي يفعله "الحزب" ويعبئ جمهوره على أساسه، أيا يكن حجم الأكلاف البشرية والمادية في الجنوب، بل إنّ أولوية بري هي وقف إطلاق النار الشامل للحفاظ على ما تبقى خارج أي بعد أيديولوجي للحرب والوجود عامة، وذلك بالتوازي مع إدارة علاقات عربية ودولية لا تسمح بتجاوزه أو تجاوز الطائفة الشيعية في تركيبة السلطة السياسية. ولاسيما أن بري الذي سجل اعتراضا على البيان الصادر في واشنطن عقب جلسة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية الأخيرة، ليس ضد المسار التفاوضي اللبناني بالمطلق، بل ضدّ الكيفية التي يدار بها، ومن المتوقع أصلا أن يُجرى تعديل على هذه الكيفية ولاسيما أن رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم كان قد أرسل إشارات عن عدم رضاه عنها، ثم إن الأميركيين كانوا قد حاولوا توضيح الخلل أو الالتباس في البيان الأخير وتحديدا لبري، عبر السفير الأميركي ميشال عيسى.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

لكن حرص الأميركيين على توضيح ذاك البيان لم ينسحب على تصريح ترمب من أنه قد يكون لدمشق دور في محاربة "حزب الله" في المرحلة المقبلة، كما أنه لم يصدر أي موقف رسمي سوري أو لبناني في هذا الصدد، وكأن الجميع يريد تناسي هذا التصريح، إلا إذا عاد ترمب وذكرهم به، إلا أنه في مطلق الأحوال فإنه يستبعد ولأسباب سورية وعربية وإقليمية أن يتولى النظام الجديد في سوريا مثل هذه المهمة، وربما ترمب نفسه سيتراجع عن طلبها منه، غير أن ما لا يمكن نسيانه هو قول ترمب إن بلاده قد تشارك في "الضربات المحددة"، ضد "حزب الله"؛ وهذا يعني أمرين، أن واشنطن وتل أبيب في صدد مناقشة كيفية التعامل مع "الحزب" في المرحلة المقبلة، وأن وقف إطلاق النار الشامل لن يكون خيارا محسوما، بل قد ينطوي على "تسامح" معين مع ضربات جراحية ضدّ "حزب الله".    

 كل ذلك يحيلنا إلى أن الحرب الحالية تعيد تسليط الضوء على بعض الحقائق التي كانت الأحداث أو الدعاية الحزبية قد طمستها، فما أثبتته هذه الحرب أن لبنان بظروفه الداخلية والإقليمية والدولية هو فعلا، وفي ظل مساره الحالي، أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل التي تقاتل منذ ثلاث سنوات ولا تزال قادرة على استدعاء الاحتياط بفاعلية أكبر من دولة كبرى مثل روسيا. وهو ما يفرض إعادة النظر إلى إسرائيل بشكل مختلف من حيث إن النزعة القومية المتجذرة في المجتمع آتية من أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين يريدون البقاء في إسرائيل وأنهم لا يريدون الذهاب إلى "بلدهم الأصلي" كما يروج على نطاق واسع في منطقتنا، وكأن كل الإسرائيليين يملكون جواز سفر ثانيا ولا ينقصهم سوى الرغبة في الرحيل لينتقلوا ويعيشوا من حيث أتى أجدادهم أو آباؤهم، في بولندا أو غيرها... وهذه واحدة من حقائق أخرى لا بدّ من النظر فيها.

font change

مقالات ذات صلة