الخليج وإيران... بين مشروع التنمية ومنطق التوسع

سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة تشهدها المنطقة

رويترز
رويترز
دخان يتصاعد فوق أبراج المرفأ المالي للبحرين، حيث تقع السفارة الإسرائيلية، بعد اعتراض مسيرة إيرانية في المنامة، البحرين، 6 مارس 2026

الخليج وإيران... بين مشروع التنمية ومنطق التوسع

أعادت الاعتداءات الأخيرة التي خصت بها إيران كلا من الكويت والبحرين إلى الواجهة سؤالا قديما يتجدد مع كل أزمة تشهدها المنطقة: هل ترتبط التوترات بين إيران ودول الخليج بظروف سياسية وأمنية مؤقتة، أم إنها تعكس خلافا أعمق يمتد إلى طبيعة الرؤى والمشاريع التي تحكم سياسات الطرفين؟

من الصعب النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثا معزولة أو استثنائية، فهي تأتي ضمن سياق طويل من المواجهات والتهديدات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. فالكويت والبحرين كانتا على الدوام ضمن دائرة الاستهداف الإيراني المباشر أو غير المباشر، سواء عبر العمليات العسكرية أو من خلال الأذرع المرتبطة بطهران في المنطقة. ولذلك فإن ما يحدث اليوم لا يمثل تحولا جديدا في السياسة الإيرانية بقدر ما يمثل استمرارا لنهج قائم منذ سنوات طويلة.

تشير الوقائع والأحداث الجارية إلى أن الاستهدافات الإيرانية في النزاع القائم لم تقتصر على المنشآت العسكرية أو المواقع ذات الطبيعة الأمنية، بل امتدت في مناسبات مختلفة لتشمل أهدافا مدنية وبنى تحتية حيوية. ويُعد مطار الكويت الدولي مثالا بارزا على ذلك، إذ تعرض للاستهداف ثلاث مرات، إلى جانب منشآت مدنية وحيوية أخرى. الأمر الذي يؤكد أن الحسابات الإيرانية لا تقوم دائما على التمييز التقليدي بين الأهداف المدنية والعسكرية، بل تنظر أحيانا إلى المنشآت المدنية باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وإعلامية ونفسية قد تفوق في تأثيرها استهداف المواقع العسكرية.

فالمتابع للعلاقة بين إيران ودول الخليج يلاحظ أن طهران لم تعتمد فقط على أدوات القوة الصلبة، وإنما سعت كذلك إلى بناء شبكات نفوذ سياسية وأمنية واجتماعية داخل عدد من المجتمعات الخليجية وحتى العربية. وقد شهدت الكويت والبحرين على وجه الخصوص حالات متكررة أعلنت فيها الأجهزة الأمنية عن ضبط خلايا مرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني أو متعاطفة معه. وهذه الوقائع ليست جديدة أو طارئة، بل تمتد جذورها إلى عقود مضت، الأمر الذي يشير إلى وجود رؤية استراتيجية إيرانية تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة خلق أدوات تأثير طويلة المدى داخل المجتمعات الخليجية المستهدفة.

وجود اتفاقيات تعاون عسكري بين دول الخليج وبعض الدول الأجنبية أو وجود قواعد عسكرية أجنبية، لا يكفي لاعتبار دول الخليج مسؤولة عن الأعمال العسكرية لهذه الدول تجاه إيران

ومن هنا، يمكن فهم سبب الحساسية الخاصة التي تبديها الكويت والبحرين تجاه التحركات الإيرانية في المنطقة. فالقضية بالنسبة لهاتين الدولتين لا تتعلق فقط بتهديدات أمنية آنية، وإنما بمشروع إيراني قديم ينظر إلى الخليج باعتباره منطقة حيوية للنفوذ الإيراني. ولهذا السبب جاءت السياسات الأمنية والدبلوماسية الخليجية خلال العقود الماضية محاولة للتعامل مع هذه التحديات عبر مزيج من الحزم الأمني والانفتاح السياسي والدبلوماسي تجاه إيران.

نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2/4 على حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، في حين تتيح المادة 51 حق الدفاع الشرعي عن النفس كاستثناء، بشرط وقوع هجوم مسلح فعلي، والالتزام بمبدأي الضرورة والتناسب.

رويترز
سفينة إيبامينونداس أثناء احتجازها من قبل الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز بإيران، في 24 أبريل 2026

غير أن الفقه الدولي يحدّ من تفسير هذا الحق بحيث لا يمتد إلى استهداف دول أخرى لمجرد وجود قوات أجنبية على أراضيها، إلا إذا ثبت استخدامها الفعلي في أعمال عدائية أو تورطها المباشر في العمليات العسكرية. ومن ثم فإن اعتبار بعض دول الخليج أطرافا في النزاع بسبب هذا الوجود العسكري يظل محل خلاف قانوني، خصوصا أنها ليست طرفا مباشرا في الحرب وتؤكد التزامها بعدم استخدام أراضيها في أعمال عدائية.

كما أن وجود اتفاقيات تعاون عسكري بين دول الخليج وبعض الدول الأجنبية أو وجود قواعد عسكرية أجنبية، لا يكفي لاعتبار دول الخليج مسؤولة عن الأعمال العسكرية لهذه الدول تجاه إيران، ما لم يثبت تورطها المباشر، ولا يبرر بالتالي اللجوء إلى استخدام القوة ضدها. وبناء عليه، فإن استهداف هذه الدول الخليجية تحت هذا التبرير من قبل إيران يخرج عن نطاق الدفاع الشرعي.

ويكون من المؤكد أن توسيع نطاق العمليات العسكرية الإيرانية ليشمل أهدافا مدنية أو اقتصادية في دول الخليج يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز الوارد في اتفاقيات جنيف لعام 1949، ويُعد تجاوزا لمتطلبات الضرورة والتناسب في استخدام القوة المقررة في قواعد القانون الدولي.

لماذا لم تنجح محاولات التقارب الخليجي-الإيراني في إنهاء هذه الحالة المزمنة من التوتر؟

وعند العودة إلى التاريخ، تتضح الصورة بشكل أكبر. فالرواية التي تربط السلوك الإيراني تجاه الخليج بالوجود العسكري الأميركي أو بالتحالفات الأمنية الراهنة لا تصمد أمام مراجعة الوقائع التاريخية. ففي مطلع الثمانينات، وقبل أن تأخذ القواعد العسكرية الأجنبية شكلها الحالي في المنطقة، تعرضت الكويت لسلسلة من الاعتداءات المباشرة التي استهدفت منشآت حيوية واقتصادية.

فالتجربة التاريخية للعلاقات بين الكويت وإيران تُظهر أن الأعمال العدائية الإيرانية تجاه الكويت سبقت بسنوات طويلة وجود أي قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة بالشكل المطروح اليوم. ففي عام 1981 تعرضت محطة أم العيش للأقمار الصناعية لهجوم إيراني، كما استُهدفت منشآت الشعيبة النفطية عام 1984، في إطار التصعيد المرتبط بالحرب العراقية-الإيرانية آنذاك.

ولم تقتصر هذه الأعمال على استهداف المنشآت الحيوية، بل امتدت خلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات" إلى مهاجمة السفن التجارية وناقلات النفط، في محاولة للتأثير على الاقتصاد الكويتي والخليجي وتهديد أمن الملاحة الدولية وحركة الطاقة في الخليج العربي. كما شهدت الكويت سلسلة من الأحداث الأمنية الخطيرة، من بينها محاولة اغتيال سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، وتفجيرات المقاهي الشعبية، فضلا عن حادثة اختطاف طائرة الجابرية التابعة للخطوط الجوية الكويتية.

رويترز
مسؤولون كويتيون يتفقدون الأضرار داخل مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي عقب هجوم ايراني بطائرة مسيرة وصاروخ، في مدينة الكويت، الكويت، 3 يونيو 2026

وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة لأنها حدثت في ظل غياب القواعد العسكرية الأجنبية التي تُطرح اليوم أحيانا كمبرر لبعض المواقف الإيرانية. وهو ما يؤكد أن النهج العدائي الإيراني قِبَلَ دول الخليج لا يمكن اختزاله في مسألة الوجود العسكري الأجنبي، بل يرتبط بسياقات سياسية وأمنية أعمق، وبسياسات انتهجها النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة على مدى عقود. لقد حملت تلك المرحلة رسالة واضحة مفادها أن النفط الخليجي والاستقرار الاقتصادي لدول المنطقة كانا ضمن دائرة الاستهداف حتى في غياب الذرائع التي تطرح اليوم. ولذلك فإن ربط التوتر الحالي بعوامل مستجدة فقط يتجاهل حقيقة أن جذور الأزمة أقدم بكثير من المتغيرات السياسية الراهنة.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال الجوهري: لماذا لم تنجح محاولات التقارب الخليجي-الإيراني في إنهاء هذه الحالة المزمنة من التوتر؟

ما يزيد من تعقيد المشهد أن استمرار التوتر في المحيط يمنح النظام الإيراني فرصة لتأجيل الاستحقاقات الداخلية المتعلقة بالاقتصاد والمتطلبات المعيشية للمواطن الإيراني

فعلى امتداد العقود الماضية، استثمرت دول الخليج جهودا سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة بهدف بناء علاقات أكثر استقرارا مع إيران، وشهدت المنطقة فترات من الانفتاح والحوار وتبادل الزيارات والتعاون الاقتصادي، انطلاقا من قناعة راسخة بأن حسن الجوار والتفاهم الإقليمي يمثلان الخيار الأفضل لجميع الأطراف.

إلا أن هذه الجهود لم تؤد إلى النتائج المرجوة. فالتوترات استمرت، والاعتداءات لم تتوقف بصورة نهائية، كما بقيت حالة الشك المتبادل قائمة رغم جميع محاولات بناء الثقة. ويبدو أن السبب في ذلك لا يتعلق بغياب قنوات التواصل، وإنما بطبيعة المشروع السياسي الذي يحكم رؤية إيران لدورها الإقليمي.

في تقديري، يمكن فهم جوهر الخلاف بين دول الخليج وإيران بوصفه انعكاسا لتباين عميق بين نموذجين سياسيين مختلفين في الأهداف والوسائل.

فمن جهة، تبنّت دول الخليج منذ عقود خيارا استراتيجيا يضع التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي وتحسين مستوى المعيشة في صدارة أولوياتها. وقد تجلّى هذا التوجه في إطلاق مشروعات كبرى للبنية التحتية، وتطوير المدن، وتوسيع شبكات النقل والطاقة، إلى جانب الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة. كما عملت هذه الدول على تنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد الأحادي على النفط والغاز، من خلال دعم قطاعات السياحة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات المالية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء بيئة اقتصادية أكثر انفتاحا وتنافسية على المستوى العالمي. ويُضاف إلى ذلك جهودها في تحديث الأطر التشريعية والإدارية بما يعزز كفاءة هذه الدول الخليجية ويواكب التحولات الاقتصادية الدولية.

أ.ف.ب
عرض تنبيه صادر عن وزارة الداخلية الإماراتية يحذر سكان دبي وأبوظبي من احتمال وقوع ضربة صاروخية إيرانية على هاتف محمول قبل وقت قصير من اعتراض صاروخ في دبي في 5 مارس 2026

وفي المقابل، يتسم النموذج الإيراني بتركيز أكبر على البعد الإقليمي والأيديولوجي في سياسته الخارجية، مع إعطاء أولوية للاعتبارات الأمنية والعسكرية في إدارة شؤونها الداخلية وعلاقاته مع محيطه. وقد أدى هذا التوجه إلى توترات متكررة مع عدد من دول المنطقة، خاصة في ظل تباين الرؤى حول طبيعة الأمن الإقليمي وأدوات تحقيقه.

ومن ثم، فإن هذا التباين بين نموذج يركز على التنمية والاستقرار الداخلي والانفتاح الاقتصادي، ونموذج آخر يغلب عليه البعد الجيوسياسي والأمني والعسكري ، يُعد أحد العوامل الجوهرية التي تفسر استمرار الخلافات بين الجانبين، إلى جانب عوامل تاريخية أخرى.

 باختصار، ما زال المشروع الإيراني يتحرك ضمن إطار ثوري يعتبر أن المحافظة على النفوذ الإقليمي وتوسيع دوائر التأثير تمثل أولوية استراتيجية تتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى. ومن هنا تنشأ حالة التناقض بين الطرفين؛ فبينما يحتاج المشروع التنموي إلى بيئة مستقرة وآمنة وقابلة للتنبؤ، فإن المشاريع التوسعية العسكرية غالبا ما تتحرك في بيئات الصراع والتوتر وعدم الاستقرار.

ولهذا السبب يصعب تحقيق تناغم حقيقي بين نموذجين تختلف أولوياتهما بهذا الشكل. فدول الخليج تنظر إلى الاستقرار باعتباره شرطا للتنمية، بينما يبدو أن بعض دوائر صنع القرار في إيران ما زالت تنظر إلى التوسع والنفوذ بوصفهما شرطا لحماية النظام وتعزيز شرعيته.

ما يزيد من تعقيد المشهد أن استمرار التوتر في المحيط يمنح النظام الإيراني فرصة لتأجيل الاستحقاقات الداخلية المتعلقة بالاقتصاد والمتطلبات المعيشية للمواطن الإيراني. فحين يتركز الخطاب العام على التهديدات الأمنية والصراعات الإقليمية، تتراجع الملفات المرتبطة بجودة الحياة والتنمية الاقتصادية إلى المرتبة الثانية.

اختارت دول الخليج أن تراهن على التنمية بوصفها أساس الاستقرار ومصدر القوة الحقيقية. أما مستقبل العلاقة مع إيران فسيظل مرهونا بمدى استعدادها لإعادة توجيه أولوياتها نحو التنمية الداخلية وحسن الجوار والتعاون الإقليمي

ومن هذا المنطلق يمكن التقرير بأن استمرار حالة التوتر في المنطقة لا يخدم فقط المشاريع التوسعية الإيرانية، بل يوفر أيضا مبررات سياسية لتأجيل معالجة بعض التحديات في الداخل الإيراني. ولذلك فإن إنهاء هذه الحالة يتطلب تحولا في الأولويات الإيرانية من منطق الصراع الدائم إلى منطق التنمية والتعاون الإقليمي مع دول المنطقة. من جانب آخر ليس هناك شك في أن هذا السلوك الإيراني يعزز من تدخل القوى الأجنبية في المنطقة.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الخيارات المتاحة تبدو واضحة إلى حد كبير. فالتجربة أثبتت أن المواجهة العسكرية ليست الخيار الأمثل لتحقيق الاستقرار الدائم، كما أن دول الخليج سعت طوال العقود الماضية إلى تجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة كلما كان ذلك ممكنا. لكن في المقابل، فإن الحفاظ على الأمن والاستقرار يتطلب مستوى أعلى من التنسيق والتكامل الخليجي.

لقد أثبتت التطورات المتلاحقة أن أمن الخليج وحدة واحدة لا يتجزأ، وأن التحديات التي تواجه أي دولة خليجية سرعان ما تتحول إلى تحديات تمس بقية الدول. ولذلك فإن تعزيز العمل الخليجي المشترك لم يعد خيارا سياسيا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.

ومنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ظل حلم التكامل الخليجي حاضرا في وجدان الشعوب الخليجية وصناع القرار على حد سواء. صحيح أن مسيرة التكامل واجهت تحديات مرتبطة بالمصالح الوطنية والاعتبارات السيادية، إلا أن التجارب الدولية أثبتت أن التكتلات الإقليمية الناجحة لا تقوم إلا على قدر من التنازل المتبادل لتحقيق مصلحة جماعية أكبر.

واليوم تبدو الحاجة إلى هذا التكامل أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة تؤكد أن بناء موقف خليجي موحد سياسيا وأمنيا واقتصاديا يمثل الضمانة الأكثر فاعلية لحماية مصالح دول المجلس وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.

وفي نهاية المطاف، فإن القضية لا تتعلق فقط بخلاف سياسي بين إيران ودول الخليج، بل بصراع بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة. رؤية ترى أن الاستقرار والتنمية والازدهار الاقتصادي هي الطريق الأمثل لبناء القوة والنفوذ، ورؤية أخرى ما زالت تعطي الأولوية لمنطق التوسع والصراع العسكري.

لقد اختارت دول الخليج أن تراهن على التنمية بوصفها أساس الاستقرار ومصدر القوة الحقيقية. أما مستقبل العلاقة مع إيران فسيظل مرهونا بمدى استعدادها لإعادة توجيه أولوياتها نحو التنمية الداخلية وحسن الجوار والتعاون الإقليمي. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى المنطقة تواجه تحدي التوفيق بين مشروع يسعى إلى البناء والاستقرار، ومشروع آخر ما زال يرى في التوسع والصراع وسيلة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية غير المشروعة.

font change

مقالات ذات صلة