الاعتداءات الإيرانية المستمرة على البحرين... الأسباب وخيارات المواجهة

فرصة لدول الخليج للاستثمار جدياً في قدراتها الذاتية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مُسيّرة على مبنى سكني شاهق في العاصمة البحرينية المنامة في 2 مارس 2026

الاعتداءات الإيرانية المستمرة على البحرين... الأسباب وخيارات المواجهة

تأتي الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على الكويت والبحرين ضمن موجة من التصعيد الحذر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. على الرغم من اقتراب الطرفين الأميركي والإيراني من التوصل لصيغة نهائية لاتفاق وقف الحرب على حد زعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الأقل.

تبعت الهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين ضربات محدودة شنّتها البحرية الأميركية على مواقع عسكرية إيرانية في جزيرة قشم، ويمكن اعتبارها بمثابة رسالة إيرانية لواشنطن مفادها أن أي تصعيد في مياه الخليج لن يبقى حبيس الساحة البحرية بل سيتوسع ليشمل جبهات أخرى تماشياً مع السياسة الإيرانية المتّبعة منذ اندلاع الحرب.

وتشير الهجمات الإيرانية الأخيرة إلى تحول تدريجي في أسلوب إيران من ممارسة سياسة العقاب الجماعي ضد دول الخليج نحو سياسة أكثر انتقائية تكرس مفهوم "فرّق تسد"، مستغلةً تباين المواقف الخليجية للحيلولة دون قيام جبهة خليجية موحدة في مواجهتها.

ليست أمام البحرين، ولا حتى باقي دول الخليج، خيارات جيدة أو بديهية في مواجهة إيران. لقد برهنت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة على جميع دول الخليج بلا استثناء عدم جدوى المحاولات السابقة لتفيعل مبدأ حسن الجوار في درء الخطر الإيراني, فلا مواقف الحياد ولا اتفاق بكين بين السعودية وإيران ولا الوساطات العمانية أو القطرية ولا العلاقات التجارية التي كانت تربط الإمارات بإيران كانت كفيلة بأن تجنّب هذه الدول التعرض للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

إذن، فلا مفر من إرساء معادلة ردع عسكري كأساس لمعادلة سلام واستقرار مستقبلي مع إيران على غرار الدول الأخرى الجارة لإيران وعلى رأسها باكستان وتركيا وأذربيجان. لكن في ظل الانحسار المتوقع للدور العسكري الأميركي في المنطقة بعد انقضاء الحرب، فإن معادلة الردع ستبدو أكثر اختلالاً لصالح إيران ما لم توحّد دول الخليج صفوفها سياسيا وعسكريا وتستثمر جديا في قدراتها الهجومية والدفاعية بما يتناسب مع طبيعة التهديد الإيراني لإعادة التوازن في المعادلة الاستراتيجية بين الطرفين، وهو الأمر المستبعد على الأقل في المستقبل القريب نظراً لتباين المواقف الخليجية.

البحرين... على خط المواجهة مع إيران

تتميز البحرين، من وجهة نظر إيران، بعدة عوامل تجعل منها هدفاً، فالشراكة الاستراتيجية بين البحرين والولايات المتحدة الأميركية، والمتمثلة بتمركز القيادة البحرية الأميركية للمنطقة الوسطى في البحرين، وانضمام المنامة بجانب أبوظبي، لـ"الاتفاقية الإبراهيمية" مع إسرائيل والعلاقة الخاصة التي تربطها مع حليفتها الإمارات، كلها تؤهل البحرين، من منظور إيران، لأن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات مع الخصوم و"صندوق بريد" لإرسال الرسائل لهم.

في أعقاب "الثورة الإيرانية"، حاول النظام الإيراني الرامي إلى "تصدير الثورة" الإطاحة بنظام الحكم بالبحرين من خلال دعمه لمحاولة انقلاب فاشلة عام 1981

كما لا يمكن أيضاً استبعاد احتمالية أن في تلك الاعتداءات الأخيرة على البحرين تعبيرا ضمنيا عن استياء إيران من حزمة الإجراءات الداخلية التي أقرتها البحرين مؤخرا وأبرزها منع سفر رعاياها إلى إيران والعراق والقبض على خلية مرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني وتجريد 69 شخصا من جنسياتهم البحرينية بتهمة التخابر أو التعاطف مع إيران.

ولطالما كانت البحرين على خط المواجهة العربية والخليجية مع إيران وفي مقدمة الدول المتصدية للمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. إذ يكنّ النظام الإيراني الحالي وليد "ثورة" 1979 عداءً خاصاً للنظام الملكي الحاكم لمملكة البحرين، تارة لدوافع الأيديولوجيا الدينية المتطرفة التي تعتنقها "الجمهورية الإسلامية" والتي تود لو أن تتحول البحرين إلى عراق أو لبنان آخر تسيطر عليه الميليشيات الطائفية الموالية لولاية الفقيه. وتارة لدوافع الأيديولوجيا القومية لإيران والتي ترى في تخلي الشاه عن المطالبة بضم البحرين عام 1971 إبّان استقلال البحرين عن بريطانيا خطأ تاريخياً على الرغم من تحرير أحمد الفاتح، مؤسس الحكم الخليفي في البحرين، الجزيرة من قبضة وكلاء الدولة الزندية الحاكمة آنذاك لإيران قبل قرابة 250 عاما.

أ.ف.ب
جسر المحرق في العاصمة البحرينية المنامة في 11 مارس 2026

ففي أعقاب "الثورة الإيرانية"، حاول النظام الإيراني الرامي إلى "تصدير الثورة" الإطاحة بنظام الحكم بالبحرين من خلال دعمه لمحاولة انقلاب فاشلة عام 1981. كما سعى النظام الإيراني من خلال وكلائه في العراق ولبنان وسوريا إلى تجنيد وتدريب وتسليح ميليشيات وخلايا إرهابية نائمة واستمالة بعض رجال الدين وتوظيف الأدوات الإعلامية لإشعال الجبهة الداخلية البحرينية على مدى عقود، ما حدا بعدة دول غربية وعربية إدراج هذه الجماعات البحرينية المدعومة إيرانياً مثل "سرايا الأشتر والمختار" على قوائم الإرهاب. ولذا، فقد كانت البحرين أول دولة خليجية تدرج جماعة "حزب الله" على قائمة الإرهاب عام 2013.

لا يمكن للبحرين لعب دور الصديق لطهران أسوة بعمان أو دور الوسيط مثل قطر من أجل النأي بنفسها عن الهجمات الإيرانية

ولقد خيّم البرود على العلاقة البحرينية-الإيرانية طوال العقود الماضية نتيجةً للشك المتبادل رغم الانفراجة المؤقتة في العلاقات أثناء ولاية الرئيس الأسبق محمد خاتمي. وقد كانت البحرين في مقدمة الدول الخليجية المنضوية تحت لواء التحالف بقيادة السعودية خلال حرب اليمن، ثم أصبحت الدولة العربية والإسلامية الوحيدة التي انضمت لعملية "حارس الازدهار" بقيادة الولايات المتحدة في البحر الأحمر ضد جماعة الحوثي عام 2023. كما بقيت البلد الخليجي الوحيد الذي لا تربطه علاقة دبلوماسية رسمية مع طهران منذ الهجمات التي طالت المنشآت السعودية الدبلوماسية في إيران عام 2015. وذلك على الرغم من استئناف الرياض رسميا للعلاقات الدبلوماسية مع طهران في أعقاب اتفاق بكين لعام 2023.

أ.ف.ب
جنود أميركيون يتفقدون نظام صواريخ المدفعية عالية الحركة M142 (HIMARS) في معرض البحرين الدولي للطيران في الصخير في 13 نوفمبر 2024

لقد تجلى الدور البحريني المناوئ لمشروع الهيمنة الإيراني بوضوح خلال الحرب. إذ تبنّت البحرين لكونها الممثل عن الكتلة العربية في مجلس الأمن للدورة الحالية مشروع القرار 2817 للعام 2026 والذي ينص على إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والذي حصد أعلى نسبة تأييد في تاريخ مجلس الأمن من أي قرار سابق بنسبة تأييد تفوق 136 دولة عضوة في الأمم المتحدة. كما عكفت البحرين بالتعاون مع الولايات المتحدة على تمرير مشروع قرار يبيح استخدام "كل الوسائل الضرورية" أي بما فيها القوة العسكرية لتأمين مضيق هرمز رغم المعارضة المستمرة من الصين وروسيا.

خيارات صعبة

وفي ظل السياق التاريخي المعقد والتدهور المستمر في العلاقات البحرينية-الإيرانية، يتضح أنه لا يمكن للبحرين لعب دور الصديق لطهران أسوة بعمان أو دور الوسيط مثل قطر من أجل النأي بنفسها عن الهجمات الإيرانية، خاصة في ظل فشل مثل هذه التدابير في كبح لجام "الحرس الثوري" الإيراني أثناء الحرب. لقد سعت البحرين فيما مضى للاعتماد على الكفاءة الأمنية لتحييد النفوذ الإيراني داخلياً والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والموقف الخليجي الموحد كمظلة ضد التهديد الإيراني الخارجي. إلا أنه وفي ظل التراجع المتوقع للدور الأميركي وتباين المواقف السياسية والعسكرية الخليجية فإن اختلال المعادلة الاستراتيجية في منطقة الخليج يضع البحرين وسائر دول الخليج العربية، لا سيما الصغيرة منها، أمام تحديات استراتيجية جمّة.

في التحدي الناجم عن انقشاع المظلة الأمنية الأميركية فرصة لدول الخليج للاستثمار جديا في قدراتها الذاتية وتشكيل تحالفات عسكرية وتقنية نفعية وتجاوز مرحلة الاعتمادية الخارجية

إن الآثار العسكرية والأمنية والاقتصادية المتفاوتة للحرب على دول الخليج باتت تحدياً أمام العمل الخليجي الموحد، فقدرة السعودية والإمارات وعمان على الاستمرار بتصدير الطاقة وتشغيل الموانئ والمطارات تضعها في خانة مغايرة عن تلك التي تجد فيها الدول الخليجية الصغرى البحرين والكويت وقطر أنفسها حبيسة لعوامل الجغرافيا والقوة العسكرية. كما أنه لا يمكن إغفال التفاوت البارز في وجهات النظر حول كيفية التعامل مع التهديدات الإيرانية ودور الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

تتطلب المرحلة المقبلة من المواجهة مع إيران مراجعات جدية تفضي إلى إعادة صياغة مفاهيم العمل الجماعي والجاهزية العسكرية والمدنية الخليجية. حيث إنه في التحدي الناجم عن انقشاع المظلة الأمنية الأميركية فرصة لدول الخليج للاستثمار جدياً في قدراتها الذاتية وتشكيل تحالفات عسكرية وتقنية نفعية وتجاوز مرحلة الاعتمادية الخارجية للتحول إلى منظومات مترابطة وقائمة بحد ذاتها للتعامل مع التغول الإيراني والتحديات الأمنية المحدقة بالمنطقة.

font change

مقالات ذات صلة