إيران والخليج العربي... بين "الرئيس" و"مقر خاتم الأنبياء"

ما أفسده "الحرس الثوري" مع الجار الخليجي

رويترز
رويترز
طائرة تزويد وقود من طراز KC-135 ستراتوتانكر تابعة لسلاح الجو الأميركي تزود طائرة مقاتلة من طراز F-35A لايتنينغ II بالوقود خلال عملية "إبيك فيوري" التي استهدفت إيران، وذلك في موقع لم يُكشف عنه، في 5 أبريل 2026

إيران والخليج العربي... بين "الرئيس" و"مقر خاتم الأنبياء"

مع إعلان "مبدأ كارتر" عام 1980 بدأ تأسيس قوة التدخل السريع والتي تنامت لاحقا لتصبح القيادة المركزية الأميركية، وتنص عقيدة كارتر على أن أي محاولة من قبل قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم التصدي لها بأي وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية.

وجاء "مبدأ كارتر" نتيجة للغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 والذي اعتبرته واشنطن تهديداً استراتيجياً لأمنها الحيوي الاقتصادي في منطقة الخليج العربي، كما تزامن ذلك مع اندلاع الثورة في إيران وسقوط نظام الشاه، وهو ما أدى إلى حدوث فراغ أمني زاد من مخاوف واشنطن من تمدد النفوذ السوفياتي.

هكذا كانت البداية للوجود العسكري الأميركي والذي تنامى مع مرور الوقت وبخاصة مع اندلاع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وفي حينه استشعرت دول الخليج العربي شيئا من القلق من سياسة إيران الأمنية وتبنيها برنامج "تصدير الثورة"، بما يعني دعما طائفيا بشكل خاص في دول المنطقة.

وأعلن القادة الخليجيون تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وكان أن عملت دول المجلس بعدئذ على توثيق الشراكة مع الولايات المتحدة لضمان أمن إمدادات الطاقة وحماية مياه الخليج العربي وممر مضيق هرمز من أي اعتداء إيراني في وقته.

وبالرغم من ملاحظات سياسيين في منطقة الخليج العربي في حينه، وتوجسهم من أن يكون ذلك ذريعة لامتداد الهيمنة الأميركية وعسكرة المنطقة، وأنه قد يُستخدم للضغط على دول الخليج وفرض تسويات سياسية لا تتوافق مع الإجماع العربي، ولاسيما ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، فإن ذلك قد تلاشى مع ثبات قادة دول مجلس التعاون الخليجي على بواطن قوتهم الذاتية، والذي وضحت آثاره في مختلف السياقات السياسية المتخذة وصولا إلى اليوم.

الوجود العسكري الأميركي في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي لم يكن له أي تأثير مركزي على طبيعة قرارات هذه الدول، وبخاصة المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة قطر ودولة الكويت

ذلك أن الوجود العسكري الأميركي الكبير في عدد من دول مجلس التعاون كما هو الحال في قاعدة علي السالم بالكويت وقاعدة العيديد بقطر، لم يُغير من مواقف الدولتين السياسية سواء على صعيد القضية الفلسطينية أو غيرها من الملفات الإقليمية والدولية؛ كذلك الحال مع المملكة العربية السعودية والتي تحظى بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يؤثر على طبيعة قراراتها من مختلف القضايا المفصلية وعلى رأسها قضية فلسطين، التي مثلت فيها السعودية وتَدا رئيسا أمام القوة الإسرائيلية، حيث علقت استجابتها للدعوات الأميركية المتكررة بالانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية، على قبول إسرائيل بقرار حل الدولتين وفق ما قررته المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002.

أشير إلى أن الموقف السعودي المستقل عن السياق الأميركي لم ينحصر في إطار القضية الفلسطينية، بل هو متعد إلى غيرها من القضايا، إذ لم تشارك السعودية في حصار روسيا؛ كما لم تقم بالحد من علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، ونأت بنفسها عن الدخول في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وثبتت السعودية وعدد من دول مجلس التعاون على هذا الموقف بالرغم من تعرضهم لمزيد من الاعتداءات السافرة من قبل إيران وعدد من فصائل "الحشد الشعبي" في جنوب العراق.

رويترز
لافتة تحمل صورا لزعيم الثورة الإيراني الراحل روح الله الخميني، والمرشد الراحل علي خامنئي، والمرشد الحالي مجتبى خامنئي، في يوم إحياء الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة الخميني في ضريحه جنوب طهران، إيران، في 4 يونيو 2026

كل ذلك وغيره يؤكد أن الوجود العسكري الأميركي في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي لم يكن له أي تأثير مركزي على طبيعة قرارات هذه الدول، وبخاصة ما يتعلق منها بالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة قطر ودولة الكويت، الذين حافظوا على ثباتهم الرسمي في إطار القضية المركزية في الشرق الأوسط وأعني بها قضية فلسطين.

في مقابل ذلك، عقدت الإمارات العربية المتحدة والبحرين اتفاق سلام مع دولة إسرائيل، وتطبيع العلاقات معها بشكل واسع، ولا شك فقد كان لذلك أثره السلبي على جوهر العلاقة مع باقي دول المجلس، وفتح الباب لدولة يُنظر إليها بأنها مُعادية وفق "أدبيات الممانعة"، بأن تدخل إلى ساحات ودروب الحياة الخليجية، مما مثّل خرقا للإجماع الأدبي لقادة دول المجلس، الذين لم يجدوا أي غضاضة في تجاوز ذلك باعتبار أن لكل دولة حقها السيادي في قراراتها.

السياق القومي ثم المذهبي، كان هو المُؤزم لطبيعة وواقع العلاقات العربية-الإيرانية منذ عهد الشاه الذي سيطرت عليه النزعة القومية، وصولا إلى عهد الجمهورية الذي سيطرت عليه الرؤية الدينية المتشددة

على الضفة الأخرى من الخليج تتوالى الصيحات الثورية الإيرانية الداعية إلى مواجهة "الشيطان الأكبر" الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها إسرائيل، ويزداد الخطاب توترا حين يدور حول دول مجلس التعاون الخليجي، الذين يُنظر إليهم في دهاليز القرار الإيراني المتشدد بأنهم خصوم للنظام، لكونهم حلفاء الولايات المتحدة والمنظومة الغربية، وزاد الأمر سوءا حين ارتبط الذهن الشيعي بالقومية الإيرانية في مقابل القومية العربية. والأسوأ حين غُلف هذا الصراع السياسي بغلاف مذهبي متبلور حول مأساة كربلاء، لاسيما مع أحداث الحرب الإيرانية-العراقية، التي ظهر فيها "الحرس الثوري" بعقيدة متشددة، فكان أن تبلور الخطاب الإيراني لتتموضع دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى العراق وفق المخيال المتشدد في معسكر، وتتموضع إيران وفق رؤيتهم في معسكر  آخر. وحتما ففي ذلك ظلم كبير، واستهداف أكبر لجميع دول الخليج العربية بما فيها العراق، التي تشكل الطائفة الشيعية نسبة وازنة في مجموع سكانها.

رويترز
عناصر من "الحرس الثوري" الايراني يشاركون في تدريب عسكري في جنوب إيران، يظهر في هذه الصورة، التي تم الحصول عليها في 16 فبراير 2026

هذا السياق القومي ثم المذهبي، كان هو المُؤزِّم لطبيعة وواقع العلاقات العربية-الإيرانية منذ عهد الشاه الذي سيطرت عليه النزعة القومية، وصولا إلى عهد الجمهورية الذي سيطرت عليه في كثير من مفاصله الرؤية الدينية المتشددة؛ وبالرغم من وجود ما يماثله بشكل نسبي في الإطار العربي السُّني، لكنه لم يكن بهذا القدر من الإغراق في التحشيد السلبي، ذلك أن العرب إجمالا ودول مجلس التعاون الخليجي بخاصة قد تباينوا من حيث تكوينهم بين سنة وشيعة، ويسار ويمين، ولذلك لم تكن مواقفهم حادة من الآخر، كما توقفت عند الظرف السياسي القائم ودون أن تَغرق في دهاليز التاريخ وما يستتبعه من أحداث وآلام، وانتصارات وانكسارات، فالمرء مرهون بوقته وظرفه وزمانه، وتلك هي ذهنية العربي إجمالا.

إذن هو الاختلاف في النظرة، وتباين الذهنية بين المكون الإيراني على الضفة الشرقية من الخليج سواء كان منتميا مذهبيا أو متحمسا قوميا، والمكون العربي على الضفة الأخرى من الخليج سواء كان منتميا مذهبيا أو متحمسا قوميا. وبه يمكن فهم سبب استهداف إيران لمختلف دول مجلس التعاون الخليجي بالرغم من رفض هذه الدول قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن الحرب على إيران، ونأيها بنفسها عن أي تصعيد عسكري، وإعلانها الرسمي عدم موافقتها لاستخدام أجوائها، لكنها مع ذلك لم تسلم من استهداف قوات "الحرس الثوري" الإيراني وقصفها بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لأراضيها ومنشآتها النفطية والمدنية وصولا إلى المطارات المدنية كما حدث مؤخرا في الكويت.

المعركة تفرض شروطها وتجعل من "مقر خاتم الأنبياء" والذي يمثل بتصريحاته قادة "الحرس الثوري" الإيراني، هو المتحكم بمفاصل القرار وليس رئيس الجمهورية أو أعضاء حكومته من السياسيين

مع التأكيد على أن المبرر الإيراني في مختلف أعماله العدائية إزاء دول الخليج غير مقبول قانونا، ويخالف أخلاق الجوار وما تفرضه سلطتها من أحكام وقوانين، حيث باسم استهداف القواعد العسكرية الأميركية كما يزعم قادة "الحرس الثوري" الإيراني، يقوم باستهداف مختلف المنشآت الاقتصادية والمدنية في دول الخليج، وحتما فذلك سبب مرفوض وساقط من حيث بنيته القانونية وقوته الدلالية، إذ سبق وأخرجت الولايات المتحدة قواتها من هذه القواعد، كما أن الوجود الأميركي محدود في دول الخليج وضمن سيادة هذه الدول، ثم إن إسرائيل تمثل أكبر قاعدة أميركية، وهي التي استهدفت إيران بالحرب وقتل قياداتها وعلى رأسهم "المرشد الأعلى" السيد علي خامنئي، والأولى أن يُركز "حرس الثورة" الإيراني استهدافه لها وللأسطول البحري الأميركي، بعيدا عن دول الخليج العربي التي تشاطئه الجوار، وترفض الحرب عليه، ولا تزال محتفظة بحكمة عربية في التعاطي مع الحدث. والسؤال: إلى متى ستستمر هذه الحكمة؟ ومتى تتحرر إيران من عقدتها القومية والمذهبية وتتماهى مع جيرانها العرب وفق قواعد ومرتكزات الجوار؟ 

أ.ف.ب
لافتة ضخمة تحمل صور صواريخ إيرانية في ساحة فاناك بطهران في العاشر من يونيو 2026

أخيرا، يمكن القول إن المتشددين من المحافظين الإيرانيين باتوا هم المتحكمين بمفاصل القرار في الوقت الراهن، عبر سيطرة "الحرس الثوري" وهيمنته على "مجلس خبراء القيادة" الذي يقع على كاهله اختيار "المرشد"، وكان من جراء ذلك أن تم فرض تنصيب السيد مجتبى خامنئي خلفا لوالده، بالرغم من وصية أبيه بأن لا يتولى ابنه منصب "المرشد الأعلى" كما يُذكر.

وهكذا بات "الحرس الثوري" ذو التكوين العقائدي منذ نشأته وحتى اليوم، هو صاحب القرار السياسي علاوة على العسكري، في مقابل ضمور قوة المعتدلين من الإصلاحيين الذين لا يزال "الحرس الثوري" محتفظا بهم، وتحسبا من غضب الشارع الإيراني في حال إقصائهم كليا، وواضح من تضارب التصريحات كما جرى سابقا بين رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بيزشكيان وقيادة "الحرس الثوري" بخصوص تعهد الأول بعدم استهداف دول الخليج العربي، بأن هناك خلافا مفصليا بين الجهتين في الوقت الراهن، غير أن المعركة تفرض شروطها وتجعل من "مقر خاتم الأنبياء" والذي يمثل بتصريحاته قادة "الحرس الثوري" الإيراني، هو المتحكم بمفاصل القرار وليس رئيس الجمهورية أو أعضاء حكومته من السياسيين.

أمام هذا السياق يمكن التنبؤ بحدوث افتراق كبير في النظام الإيراني حال توقف الحرب، فهل ينجح الإصلاحيون في قيادة الدفة وتعديل سلوك إيران وإصلاح ما أفسده "الحرس الثوري" مع الجار الخليجي؟

font change

مقالات ذات صلة