عندما سحبت القرعة اسمي الولايات المتحدة وإيران جنبا إلى جنب، لتحدد موعدا كروياً بين البلدين ضمن مباريات مونديال 1998 في فرنسا. كان الحكم أورس ماير يعرف أنه على موعد مع التاريخ. جنسية الرجل السويسرية ترشحه لإدارة مباراة تحمل من الرمزية ما يمكنه إدراكه وأكثر، فبلاده ترعى منذ سنوات المصالح الأميركية في طهران. والرسالة التي يحملها هذا الأمر يصعب أن تغيب عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي يتباهى عادة بكونه يضم عددا من الكيانات التي تمثل بلدانا مستقلة وغير مستقلة يفوق في مجمله ما تضمه الأمم المتحدة ذاتها.
كان "الفيفا" هو من أن اختار أن تسند إدارة المباراة لحكم سويسري، في محاولة لتحييد المباراة عن السياق السياسي، لكن القدر هو من وضع السياسة في قلب المشهد ولو بمجرد اختياره أن تقام المباراة في فرنسا، البلد الذي عاش فيه آية الله الخميني سنوات قبل أن يغادره ذات يوم سبق تلك المباراة بعشرين عاما ليغير بعودته إلى بلاده الشرق الأوسط معها إلى الأبد.
لم يكن أورس ماير يتوقع أن يلجأ لدبلوماسيته السويسرية حتى قبل أن يطلق صافرة البداية على ملعب "جيرلاند" في مدينة ليون. لاعبو الفريق الإيراني الذين حملوا إلى أرض الملعب باقات الورود المبالغ في حجمها رفضوا التوجه للسلام على الفريق الأميركي كما ينص البروتوكول، فيما قيل إنه جاء بناء على تعليمات عليا من طهران. إلا أن المبادرة التي حملت حلا ينقذ ماء الوجه جاءت من ماير، الذي تصرف كرجل دولة جمع الفريقين بجواره في منتصف الملعب، حيث سلم الإيرانيون لاعبي منتخب ما يصفه قادتهم بـ"الشيطان الأكبر" باقات الورود تلك بعد صورة تذكارية، وجمعت المنتخبين مع الوسيط السويسري في زمن ما قبل المفاوضات النووية، لتمضي المباراة قدما وتنتهي بانتصار إيراني أطلق العنان لاحتفالات النظام الإيراني والجمهور في شوارع طهران، وغطى على أخبار مظاهرة أقامها بعض المعارضين الإيرانيين الذين حملوا صور رموز المعارضة في مدرجات الملعب، دون أن تثير تلك الأحداث ردة فعل تذكر في أميركا التي لا تكترث كثيرا بكرة القدم مقارنة بغيرها من الرياضات.
كانت تلك المباراة التي حقق فيها الفريق الإيراني انتصارا لم يؤهله للمرحلة التالية ابنة لسياق تلك المرحلة التي حاول فيها كلا الطرفين توظيف الرياضة كسبيل لفتح الأبواب نحو نهج أكثر تصالحية. الزيارات المتبادلة بين الفرق الرياضية والتي شهدت وفود فريق المصارعة الأميركي لخوض مباريات في طهران وقيام منتخب الكرة الإيراني بزيارة للعب وديا مع نظيره الأميركي في كاليفورنيا عام 2000، منحت الحالمين لحظة اعتبروها تمهيدا للجزء الثاني من "دبلوماسية البينج بونج" التي أنهت بها الولايات المتحدة والصين القطيعة بينهما في مطلع السبعينات، بداية بتبادل الزيارات بين لاعبي تنس الطاولة الصينيين والأميركيين الذي مهد الطريق لزيارة الرئيس نيكسون إلى بكين عام 1972. لكن أيا من تلك المظاهر لم يكن حاضرا عندما التقى الفريقان مجددا تحت مظلة كأس العالم عام 2022.
هذه المرة اختار القدر أن تكون الأراضي القطرية مسرحا لتلك المواجهة التي غابت عنها باقات الورود الإيرانية والصور الجماعية وأي محاولات من طرف "الفيفا" لتجميل المشهد، ترجمة لربع قرن بعد مباراة ليون مرت به العلاقة بين البلدين بلحظات سيئة وأخرى أكثر سوءا بات معها البلدان أكثر تحفزا وأقل رغبة في المشاركة في مشهد تسويقي تنفصل فيه الرياضة ولو لتسعين دقيقة عن المشهد السياسي.

