نص منسي لأمبرتو إيكو يتعقب تاريخ الكراهية عبر اللغة والمخيال

يروي حكاية العدو الدائم

غلاف "صناعة العدو"

نص منسي لأمبرتو إيكو يتعقب تاريخ الكراهية عبر اللغة والمخيال

حين ألقى الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو محاضرته في جامعة بولونيا عام 2008، لم يكن يسعى إلى كتابة تأمل أخلاقي عابر عن الحروب والكراهية، بل إلى تفكيك واحدة من أكثر الآليات رسوخا في التاريخ الإنساني: الحاجة المستمرة إلى اختراع عدو.

اليوم، مع صدور الترجمة الفرنسية لنص المحاضرة في كتاب صغير بعنوان "صناعة العدو" (دار "غراسيه")، يبدو هذا العمل أكثر راهنية من أي وقت مضى، إذ أصبح العالم الذي وصفه إيكو قبل سنوات قليلة أكثر انقساما، وأكثر استعدادا لإنتاج أعدائه اليوميين.

ينطلق إيكو من حادثة تبدو بسيطة: سائق سيارة أجرة باكستاني في نيويورك يسأله عن أعداء الإيطاليين. يفاجأ الكاتب بالسؤال، لأنه ينطلق من افتراض ضمني مفاده أن كل شعب يحتاج بالضرورة إلى خصم تاريخي يعرف نفسه من خلاله.

يجيب إيكو السائق بأن الإيطاليين لا يملكون عدوا ثابتا، ثم يتراجع عن إجابته، ملاحظا أن إيطاليا عاشت طويلا في حروب داخلية: بين الشمال والجنوب، بين الفاشيين والمقاومين، بين الدولة والمافيا، وحتى بين الحكومات نفسها.

الجماعات البشرية تحتاج دائما إلى "آخر" تسقط عليه مخاوفها وتناقضاتها

لكن هذه الطرفة الافتتاحية سرعان ما تتحول إلى مدخل فلسفي أوسع: هل تستطيع جماعة بشرية أن تبني هويتها من دون عدو تتحدد في مواجهته؟

جواب إيكو متشائم إلى حد بعيد. فالتاريخ، في نظره، يظهر أن الجماعات البشرية تحتاج دائما إلى "آخر" تسقط عليه مخاوفها وتناقضاتها. العدو، هنا، ليس مجرد خصم عسكري. إنه أداة رمزية لتماسك الجماعة. ولهذا السبب، حين يغيب العدو الحقيقي، تسارع المجتمعات إلى اختراعه.

يذكر إيكو مثلا بكيفية انتقال الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى البحث عن عدو جديد، وصولا إلى "الحرب على الإرهاب" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001.

شواهد

لكن أهمية نصه تتجاوز هذه الفكرة العامة لتكمن خصوصا في الطريقة الموسوعية التي يتتبع بها تاريخ صناعة العدو عبر القرون. فإيكو، السيميائي والروائي والمؤرخ الشغوف بالنصوص القديمة، يحشد كما هائلا من الشواهد الأدبية والدينية والسياسية ليبين أن صورة العدو تتكرر دائما وفق بنية واحدة، مهما اختلفت الأزمنة والثقافات.

(AFP)
الكاتب والباحث الإيطالي أمبرتو إيكو خلال توقيع روايته "العدد صفر" في باريس، 2015

في روما القديمة، يظهر العدو باعتباره المختلف أخلاقيا وجسديا. ويستشهد إيكو بخطب الكاتب والفيلسوف شيشرون ضد مواطنه كاتيلينا، حيث يعاد تشكيل الخصوم السياسيون في صورة كائنات منحلة، مترفة، فاسدة، وغارقة في الشهوات. ويقوم الأمر على بناء صورة أخلاقية تجعل الخصم شبيها بالمرض أو الانحراف. ومنذ تلك اللحظة، كما يوضح إيكو، يصبح الاختلاف ذاته علامة تهديد.

هذه الآلية، في رأيه، ستتكرر بلا نهاية. فـ"البرابرة" عند الرومان كانوا أناسا ناقصي اللغة والعقل. وفي العصور الوسطى، تحول المختلف دينيا أو إثنيا إلى موضوع لسلسلة طويلة من التشويهات الجسدية والأخلاقية.

صورة العدو تتكرر دائما وفقا لبنية واحدة، مهما اختلفت الأزمنة والثقافات

يخصص إيكو صفحات طويلة لتتبع الكيفية التي صنعت بها صورة الهرطوقي أو الغجري أو الأجنبي أو الساحرة، عبر تراكم هائل من الصور النمطية: الرائحة الكريهة، الجسد المشوه، الشهوة المنفلتة، التآمر السري، تسميم الآبار، قتل الأطفال، تدنيس المقدسات.

في هذا السياق، يتوقف مطولا عند صورة اليهودي في المخيال الأوروبي المسيحي، ساعيا إلى كشف آلية التخييل العنصري نفسها، بدل الاكتفاء بالتوثيق التاريخي البارد. فالنصوص التي يستعيدها، من كتابات آباء الكنيسة إلى أدبيات القرن التاسع عشر، تظهر كيف يتحول الاختلاف الديني أو الثقافي إلى علامة شيطانية.

تمنحه أيضا هذه النصوص ركيزة ثمينة لإثبات أن العدو ينتج عبر اللغة والخطاب والأساطير والتكرار.

وهنا تتجلى قوة نصه وخطورته معا. فصاحب "اسم الوردة" يكشف الورشة الفعلية التي تصنع فيها الكراهية، بعيدا من التنظير المجرد. وهو يلاحظ أن وصف العدو يكاد يكون متشابها في كل عصر: إنه دائما قبيح، نتن، منحرف، يتكلم لغة مشوهة، ويمارس طقوسا غامضة.

حتى الجسد نفسه يتحول إلى دليل اتهام. فالأنف، والبشرة، والشعر، والصوت، والرائحة، كلها تستدعى لتأكيد أن الآخر لا ينتمي إلى "الإنسانية الطبيعية"، فتتعاظم هذه الآلية حين ينتقل إيكو إلى العصور الوسطى، إذ تبدو الصفحات المخصصة للساحرات الأوروبيات من بين أكثر صفحات النص إثارة، فيبين فيها كيف تحولت نساء فقيرات ومهمشات إلى "عدو داخلي" يهدد المجتمع المسيحي.

 MIGUEL MEDINA / AFP
الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو خلال مشاركته في منتدى "عالم الكتب" الذي نظمته صحيفة "لوموند" في باريس، 2010

يكشف فيها أيضا كيف ساهمت محاكم التفتيش، والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، والكتب اللاهوتية، في إنتاج صورة الساحرة بوصفها كائنا متحالفا مع الشيطان، يطير ليلا، ويدنس المقدسات، ويشارك في طقوس جنسية شيطانية. والأهم أن الضحية نفسها كانت تنتهي إلى تصديق الصورة المفروضة عليها.

التماهي مع العدو

هذا ما يقود إيكو إلى فكرة مركزية: صناعة العدو تذهب أبعد من تشويه الآخر، نحو دفعه إلى التماهي مع الصورة المرسومة له. يستشهد لذلك بريتشارد الثالث عند شكسبير، الذي يتحول إلى شرير لأنه يرى نفسه من خلال نظرة المجتمع إلى جسده المشوه. إنها آلية نفسية وسياسية معقدة: المجتمع ينتج صورة الوحش، ثم يجبر الضحية على ارتداء القناع.

ولعل أكثر ما يمنح النص راهنيته هو انتقاله من التاريخ القديم إلى العالم المعاصر. فإيكو يرى أن المجتمعات الحديثة، بدلا من التخلص من الحاجة إلى العدو، أعادت إنتاجها بوسائل أكثر تطورا.

في الأنظمة الشمولية، كما في رواية جورج أورويل "1984"، يصبح العدو ضرورة يومية لضمان استقرار السلطة، وتتحول الكراهية الجماعية إلى طقس سياسي دائم، بينما يؤدي الإعلام دورا حاسما في إبقاء صورة الخصم حية ومخيفة.

العدو ينتج عبر اللغة والخطاب والأساطير والتكرار

ويذهب إيكو أبعد من ذلك حين يربط بين صناعة العدو والخوف من التحولات الاجتماعية. فالمهاجر، أو الغريب، أو المنتمي إلى أقلية إثنية، يتحول سريعا إلى كبش فداء حين تشعر المجتمعات بأنها تفقد هويتها أو استقرارها. وهنا لا يعود العدو خطرا حقيقيا بقدر ما يغدو شاشة تسقط عليها الجماعة قلقها العميق.

غلاف "اسم الوردة"

مآزق

رغم ثرائه المعرفي، لا يخلو النص من بعض المآزق. فإيكو، بحكم شغفه الأرشيفي، يراكم فيه أمثلة طويلة ومتشابهة، مما يجعله أقرب، في بعض مقاطعه، إلى معرض وثائقي ضخم.

كما أن كثرة الاقتباسات، خصوصا المتعلقة بالصور المعادية لليهود أو النساء أو الغرباء، تمنح النص قوة توثيقية، لكنها تثقل أحيانا إيقاعه الفكري وتضعف تماسكه الجدلي. لذلك، كان يمكن اختصار بعض هذه الأمثلة من دون أن يخسر النص فكرته الأساس.

ورغم نزعته الإنسانية الواضحة، يبدو إيكو أحيانا أسير تشاؤم ثقافي عميق. فهو يكاد يعتبر الحاجة إلى العدو جزءا بنيويا من الطبيعة البشرية، لا مجرد نتاج لشروط سياسية أو اقتصادية قابلة للتغيير. وحتى حين يتحدث عن إمكان "فهم الآخر"، فإنه يقدم ذلك بوصفه استثناء نادرا يخص الشعراء والقديسين والخونة، لا قاعدة اجتماعية ممكنة.

مع ذلك، يبقى النص بالغ الأهمية من حيث كشفه البنية الذهنية التي تسمح بانتشار الكراهية. فإيكو يذكر قارئه بأن العنصرية تبدأ باللغة، لا بالقتل. تبدأ بالنكتة، والصفة الساخرة، والصورة الكاريكاتورية، والإلحاح على اختلاف الرائحة أو الطعام أو النطق. وما يبدو خطابا رمزيا عابرا قد يتحول، مع الزمن، إلى عنف فعلي.

من هذه الزاوية، يكتسب طرحه أهمية خاصة في زمن الشعبويات الجديدة. فالكثير من الخطابات السياسية المعاصرة، في أوروبا وخارجها، لا تزال تعتمد الآليات نفسها التي يصفها: اختراع تهديد دائم، تضخيم خوف جماعي، وتحويل جماعات كاملة إلى صورة مختزلة وخطرة. وعلى رغم تغير الوسائل الإعلامية والتكنولوجية، بقي الخيال السياسي ذاته يتكرر بصورة مقلقة.

شيطنة

أما أجمل ما في هذا النص، فهو أنه يدعو إلى الإنصات إلى الاختلاف، بدلا من إلغائه، وبالتالي إلى مقاومة الميل الغريزي لتحويله إلى شيطنة. لذلك يستعيد إيكو أمثلة من إسخيلوس وتاسيتوس وغيرهما، حيث يظهر الخصم الإنساني بوصفه كائنا يمكن الاقتراب منه وبلوغه.

 GUILLAUD / AFP
أمبرتو إيكو بعد فوزه بجائزة "رونودو" عن رواية "اسم الوردة" إلى جانب آن إيبار وجان ـ فرنسوا جوسلان، باريس، 1982

في خاتمة هذا العمل، يستحضر صاحب "بندول فوكو" مسرحية "الأبواب المغلقة" لسارتر، حيث يتحول الآخر إلى جحيم دائمة. لكن هذه الجحيم، كما يوحي النص، ليست قدرا محتوما. إنها نتيجة الطريقة التي نبني بها علاقتنا بالاختلاف. فحين نعجز عن فهم الآخر، نحتاج إلى اختزاله في صورة عدو، وحين نفعل ذلك، نصبح أسرى الخوف الذي صنعناه بأيدينا.

المجتمع ينتج صورة الوحش ثم يجبر الضحية على ارتداء القناع

في المحصلة، "صناعة العدو" نص عن حاضر يتكرر بلا توقف. وهو يذكرنا بأن أخطر الأكاذيب هي تلك التي تتحول مع الزمن إلى صور بديهية في المخيلة الجماعية.

وهنا بالضبط تكمن عبقرية إيكو: في كشفه أن العدو، قبل أن يكون شخصا أو شعبا، هو قصة يرويها المجتمع لنفسه كي يشعر بأنه أكثر لحمة وأقل هشاشة.

font change

مقالات ذات صلة