بعد اتفاق واشنطن وطهران... هل يفقد هرمز سطوته على أسواق الطاقة؟

استثمارات في الأنابيب والتخزين والتكرير العالمي لتقليص تكلفة أي إغلاق مستقبلي للمضيق

المجلة
المجلة

بعد اتفاق واشنطن وطهران... هل يفقد هرمز سطوته على أسواق الطاقة؟

حققت مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران النتيجة التي كانت أسواق الطاقة تنتظرها بإلحاح، وهي إعادة فتح مضيق هرمز.

ترسي المذكرة وقف إطلاق نار يمتد 60 يوما، وتضع إطارا لاستئناف المفاوضات في شأن البرنامج النووي الإيراني. والأهم بالنسبة للأسواق العالمية أنها تنص على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، فيما أوقفت الولايات المتحدة إجراءات الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، مما أعاد الأمل بانتعاش تدفقات الطاقة والتجارة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

قبل اندلاع النزاع، كان نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يعبر المضيق يوميا، إلى جانب ما يقارب خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أسهم استئناف الملاحة بموجب مذكرة التفاهم في تهدئة المخاوف من نقص فعلي في الإمدادات، وبدد جانبا من القلق حيال اضطراب طويل الأمد في تدفقات الطاقة العالمية. كما تراجعت أسعار النفط إلى نحو 80 دولارا للبرميل، بعدما أعاد المتعاملون تقييم المخاطر واحتساب عودة صادرات الخليج إلى الأسواق الدولية.

على الرغم من أن مذكرة التفاهم تنص على حرية المرور، فإن هذا البند لا يسري إلا خلال مدة الاتفاق البالغة 60 يوما، بما يمهد لاحتمال فرض رسوم على العبور مستقبلا

غير أن أهمية المذكرة تتجاوز تخفيف الضغوط الآنية عن الأسواق. فقد غيّرت الأزمة، على نحو يصعب الرجوع عنه، تصورات أمن الطاقة، ومخاطر الملاحة، وقدرة سلاسل الإمداد العالمية على الصمود. وأظهر إغلاق هرمز أن أحد أهم مسارات الطاقة في العالم يمكن تعطيله لمدة طويلة وبتكلفة اقتصادية باهظة. ومع أن الأزمة المباشرة تبدو قد انحسرت، فإنها أرست سابقة ستترك أثرها في سلوك الأسواق. وستجري المفاوضات بين واشنطن وطهران على خلفية قدرة إيرانية باتت مثبتة على الضغط على أسواق الطاقة العالمية عبر تعطيل الملاحة.

إيران لا تزال تمارس ضغوطها

حتى الآن، تسعى إيران إلى ممارسة الضغط على الأطراف الفاعلة في قطاع الطاقة. فقد أعلنت "سلطة مضيق الخليج الفارسي"، في 19 يونيو/حزيران، أن على السفن الحصول على إذن منها لعبور الممر المائي، وشراء وثيقة تأمين إلزامية من إيران، على أن يُبتّ الطلب عادة خلال 48 ساعة، ويتيح التصريح عبورا واحدا فقط ويظل ساريا لمدة خمسة أيام من تاريخ إصداره. وقد أنشأت إيران "سلطة مضيق الخليج الفارسي" خلال الحرب، لكنها خضعت لاحقا لعقوبات أميركية. ورفضت الدول التي تجاور إيران الاعتراف بشرعيتها، ودعت مالكي السفن وشركات الشحن إلى عدم التعامل معها.

رويترز

وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم تنص على حرية المرور، فإن هذا البند لا يسري إلا خلال مدة الاتفاق البالغة 60 يوما، بما يمهد لاحتمال فرض رسوم على العبور مستقبلا.

بات على الأسواق أن تأخذ في الحسبان احتمال إغلاق هرمز مرة أخرى. لذلك، من غير المرجح أن تتلاشى بالكامل علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بصادرات الطاقة الخليجية، حتى إذا استمر التقدم الديبلوماسي. فقد تلقى المؤمّنون، وشركات الشحن، والمتعاملون، والمستوردون جميعا تذكيرا واضحا بأن الوصول إلى إمدادات الطاقة لا يتوقف على الإنتاج وحده، وإنما يعتمد أيضا على أمن الطرق التي تصل المنتجين بالمستهلكين.

الغاز الطبيعي المسال يفرض معادلة خاصة

تكتسب التداعيات أهمية خاصة في أسواق الغاز الطبيعي المسال. فعلى خلاف النفط الخام، الذي يمكن إعادة توجيهه أو دعمه من الاحتياطيات الاستراتيجية، تعتمد سلاسل إمداد الغاز الطبيعي المسال على حركة شحن منتظمة لا تنقطع.

عبرت عبر هرمز نحو 93 في المئة من صادرات قطر و96 في المئة من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال، ولا توجد مسارات بديلة قادرة على إيصال هذه الكميات إلى الأسواق. ويتجه معظم الغاز الطبيعي المسال المصدر من قطر والإمارات إلى آسيا

وتظل قطر أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، وركيزة أساسية لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا. وقبل الأزمة، في عام 2025، كانت قطر توفر نحو 8 في المئة (نحو 9.2 ملايين طن) من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال. إلا أن هذا الرقم يخفي درجة كبيرة من الاعتماد لدى بعض الدول الأوروبية. فإيطاليا، على سبيل المثل، ترتبط باتفاقية توريد طويلة الأجل مع قطر تقترب من 5 ملايين طن سنويا.

ويشكّل الغاز الطبيعي المسال حاليا نحو 50 في المئة من إجمالي واردات أوروبا من الغاز، فيما تبلغ مستويات تخزين الغاز الأوروبية نحو 30 في المئة من السعة المتاحة، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عام 2022.

أ.ف.ب
مدينة رأس لفان الصناعية للغاز، شمال العاصمة القطرية الدوحة، 6 فبراير 2017

وحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، في عام 2025، كان نحو 80 في المئة من النفط والمنتجات النفطية التي عبرت مضيق هرمز متجهة إلى الأسواق الآسيوية. كما مرّ عبر المضيق أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال خلال العام نفسه. وعبرت عبر هرمز نحو 93 في المئة من صادرات قطر و96 في المئة من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال، ولا توجد مسارات بديلة قادرة على إيصال هذه الكميات إلى الأسواق.

ويتجه معظم الغاز الطبيعي المسال المصدر من قطر والإمارات إلى آسيا. ففي عام 2025، كانت نحو 90 في المئة من الكميات المصدرة عبر مضيق هرمز متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وهو ما يعادل أكثر من ربع إجمالي واردات المنطقة من الغاز الطبيعي المسال. أما أوروبا فاستحوذت على ما يزيد قليلا على 10 في المئة من هذه الصادرات.

ومع غياب طرق بديلة للإمداد، أحدث إغلاق المضيق اضطرابا واسع النطاق في صناعة الطاقة القطرية. وقد كشفت الأزمة هشاشة هذه السلاسل أمام اضطرابات الملاحة، وعززت أهمية إبقاء الممرات البحرية مفتوحة، إلى جانب بناء قدرة أكبر على الصمود في بنية الإمداد ومسارات التصدير.

تنويع مسارات التصدير يبقى الهاجس الأكبر

سعى منتجو الطاقة العرب في الخليج، منذ زمن، إلى تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق المفردة، على الرغم من أن الجدوى التجارية لهذا التوجه لم تكن دائما قوية. غير أن حرب الخليج الثالثة أظهرت أن القدرة على الصمود باتت تتقدم على الكفاءة التجارية في توجيه قرارات الاستثمار في قطاع الطاقة. ومن المرجح أن ترتفع أولوية زيادة طاقة خطوط الأنابيب، وتوسيع مرافق التخزين، وتعزيز التكامل بين شبكات الطاقة الإقليمية على جداول الاستثمار.

تسعى الإمارات إلى تقليص اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز عبر مشروع "غرب–شرق 1"، الذي تعتزم "أدنوك" تشغيله بحلول 2027 لمضاعفة قدرة نقل الخام إلى ميناء الفجيرة على بحر عُمان 

وقد أثبت خط الأنابيب السعودي شرق-غرب، الذي يربط مناطق إنتاج النفط في المملكة بالبحر الأحمر، قيمته كمسار يتجاوز هرمز، فيما أشارت الرياض إلى خطط لتوسيع القدرة الاستيعابية لهذا الممر. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "أرامكو" السعودية، أمين الناصر: "لقد أثبت خط الأنابيب شرق-غرب، الذي بلغ طاقته التشغيلية القصوى عند 7 ملايين برميل من النفط يوميا، أنه شريان إمداد حيوي ساعد في تخفيف آثار صدمة عالمية في أسواق الطاقة." وأضاف: "إن توفير إمدادات طاقة موثوق بها يُعد أمرا بالغ الأهمية".

وتسعى الإمارات إلى تعزيز قدرتها على تصدير النفط بعيدا من مضيق هرمز. ففي عام 2027، تعتزم شركة "بترول أبوظبي الوطنية" (أدنوك) مضاعفة طاقة نقل الخام إلى ميناء الفجيرة عبر مشروع "غرب–شرق 1"، وهو خط أنابيب جديد يتيح نقل النفط مباشرة إلى ساحل بحر عُمان من دون المرور بالمضيق، وفقا لبيان صادر عن مكتب أبوظبي للإعلام. ويهدف المشروع إلى تعزيز مرونة صادرات النفط الإماراتية وضمان استمرارية الإمدادات إلى الأسواق العالمية، في وقت وجّه الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، بتسريع وتيرة تنفيذ المشروع مع انطلاق مرحلة جديدة من أعماله.

رويترز
صورة جوية لميناء الفجيرة، الإمارات 10 ديسمبر 2023

وتملك الإمارات بالفعل خط "حبشان–الفجيرة"، الذي ينقل النفط من الحقول البرية في أبو ظبي إلى ميناء الفجيرة، مما يوفر منفذا تصديريا مباشرا إلى المحيط الهندي خارج مضيق هرمز. وتبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية للخط ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميا، وهو ما يغطي جزءا مهما من صادرات أبو ظبي النفطية التي تدور حول 3.5 ملايين برميل يوميا. وتشير هذه الإجراءات إلى جهد مستمر لتقليل الاعتماد على هرمز وتعزيز قدرة الصادرات على الصمود.

الاستثمار الدولي يوسع الآفاق الخليجية

في الوقت نفسه، تسعى شركات النفط الوطنية الخليجية إلى بناء شكل آخر من القدرة على الصمود عبر الاستثمار الدولي. فعلى مدى العقد الماضي، وسعت "أرامكو" السعودية، و"أدنوك"، و"قطر للطاقة"ـ حضورها في سلاسل القيمة العالمية للطاقة، من خلال استثمارات في التكرير، والبتروكيماويات، والتخزين، والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في أسواق استهلاكية رئيسة.

"أرامكو" لديها مرافق ​تخزين في أنحاء العالم، خاصة في آسيا ⁠وكوريا الجنوبية واليابان، ونفكر بجدية في توسيع طاقات ​التخزين لدينا عبر إنشاء مرافق أكبر في مختلف الأسواق ​العالمية

رئيس مجلس إدارة "أرامكو" السعودية، ياسر الرميان

وفي الولايات المتحدة، يظهر ذلك بوضوح في ملكية "أرامكو" لشركة "موتيفا"، التي تدير مصفاة "بورت آرثر" في تكساس، وفي دور قطر للطاقة في مشروع "غولدن باس" في تكساس بالشراكة مع "إكسون موبيل" لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وفي أحدث مؤشر الى هذا التوجه، قال رئيس مجلس إدارة "أرامكو" السعودية، ياسر الرميان، في 18 يونيو/حزيران إن الشركة تدرس توسيع طاقتها التخزينية للنفط حول العالم، في رد مباشر على اضطراب الصادرات أثناء النزاع.

أ.ف.ب
خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني، أكبر مجمع صناعات بتروكيماوية في كوريا الجنوبية، في مدينة يوسو بتاريخ 7 أبريل 2026

وأضاف: "أرامكو لديها مرافق ​تخزين في أنحاء العالم، خاصة في آسيا ⁠وكوريا الجنوبية واليابان، ونفكر بجدية في توسيع طاقات ​التخزين لدينا عبر إنشاء مرافق أكبر في مختلف الأسواق ​العالمية".

ماذا بعد الاتفاق؟

وتبقى ظروف التشغيل التي أرساها الاتفاق الأميركي - الإيراني هشة. فالاختراق الديبلوماسي لا يزال غير مضمون، كما أن استمرار الصراع بين إسرائيل و"حزب الله"، في مخالفة مذكرة التفاهم، قد يقوض التقدم بسهولة. وأي تدهور في البيئة الأمنية من شأنه أن يضع ضغطا متجددا على طرق الشحن، ويعيد الاضطراب إلى أسواق الطاقة.

ولا ينحصر القلق الرئيس في العودة إلى الوضع الذي سبق المذكرة، بل يتعداه إلى خطر اتساع الاضطراب البحري. فقد أظهرت الأزمة بالفعل السرعة التي يمكن أن ينتقل بها الضغط إلى ما وراء الخليج. وخلال إغلاق هرمز، ازدادت أهمية باب المندب كطريق بديل للشحن التجاري وتدفقات الطاقة. وإذا انهارت المفاوضات، فستظل إيران قادرة على ممارسة الضغط خارج الخليج عبر شركائها الإقليميين، وخصوصا "الحوثيين" العاملين حول البحر الأحمر.

إن تهديد هرمز وباب المندب في وقت واحد سيشكل تصعيدا خطيرا. فمن شأنه أن يضغط على الممرين البحريين الرئيسين اللذين يربطان منتجي الخليج بالأسواق الأوروبية والعالمية، وأن يرفع تكلفة الشحن، ويزيد أقساط التأمين، ويطيل مهل التسليم، ويعيد الاضطراب إلى أسواق الطاقة. وحتى إذا لم يتحقق هذا السيناريو، فإن احتماله بات حاضرا في حسابات الأسواق. وعلى المتعاملين، وشركات التأمين، والحكومات أن يأخذوا في الحسبان خطر تحول هذين الممرين إلى أداتين للإكراه في أزمات مقبلة.

لقد خرج المارد من القمقم.

font change

مقالات ذات صلة