إذا كان من الصعب الجزم منذ الآن بما إذا كانت المحادثات الأميركية–الإيرانية التي انتقلت من المستوى السياسي إلى المستوى التقني في سويسرا ستفضي خلال ستين يوماً إلى اتفاق نهائي شامل، فإن ما يبدو أكثر وضوحاً من تفاصيل المفاوضات نفسها هو أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمتها منذ قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979. فالأهمية الرئيسة للاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران والذي أعلنته باكستان في 15 يونيو/حزيران الجاري، لا تكمن في بنوده التقنية أو في المواعيد الزمنية المحددة لاستكمال التفاوض، إنما في الوعاء السياسي الذي يقترحه لإعادة تعريف موقع إيران ووظيفتها داخل النظام الإقليمي الآخذ في التشكل.
في هذا السياق يحمل البند الأول من الاتفاق الإطاري دلالة استثنائية. فالتعهد المتبادل بعدم المبادرة إلى أي حرب أو أي عمل عسكري، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، مع التشديد على سلامة أراضي لبنان وسيادته، لا يمثل مجرد إجراء لخفض التصعيد؛ إنه إعلان عن انتقال تدريجي من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة المصالح، وقواعد الاشتباك المضبوطة.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن الأنظمة الإقليمية لا تُقاس بتوازنات القوة العسكرية وحسب، وإنما أيضاً بالقواعد التي تضبط استخدام هذه القوة، تصبح موافقة إيران، ومعها حلفاؤها، على إدراج أنفسهم ضمن هذه المعادلة، دليلا قاطعا على أن ثمة تحولاً يجري في تعريف وظائفهم الإقليمية.
من هنا يمكن فهم الاتفاق الإطاري باعتباره بداية محاولة لإحداث تغيير طويل الأمد في السلوك الإيراني، والنظام الإقليمي، أكثر منه محاولة لتسوية أزمة آنية. فالولايات المتحدة لا تسعى وحسب إلى معالجة الملف النووي وتحييد القوى التي تهدد مصالحها ومصالح إسرائيل حليفتها، وإنما تسعى أيضا إلى إدماج إيران في النظام الإقليمي الجديد الذي يقوم أساسا على التجارة والطاقة والممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد الدولية، كضرورة اقتصادية عالمية.


