من أزمة هرمز إلى فرص التنويع... كيف يعيد الخليج رسم مستقبله؟

ضغوط النفط وتكلفة الأمن تدفعان الخليج إلى تسريع التنويع الاقتصادي

المجلة
المجلة

من أزمة هرمز إلى فرص التنويع... كيف يعيد الخليج رسم مستقبله؟

تمر الاقتصادات الوطنية، وأحيانا العالمية، بظروف صعبة تؤثر في الأداء ومعدلات التضخم والأوضاع المعيشية، وقد تتسبب بتراجع الإنتاج والتصدير. وقد تضررت اقتصادات الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي بعد نشوب الحرب مع إيران، التي عملت على عرقلة الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، بفعل التعطل وتراجع التصدير من النفط والغاز.

لم تقتصر تداعيات اضطراب الإمدادات على الدول المنتجة فحسب، بل امتدت إلى الاقتصادات المستهلكة في آسيا وأوروبا والأميركيتين. فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، وما يقارب 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرا، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. كما تتجه نحو 80 في المئة من شحنات النفط والمنتجات النفطية العابرة للمضيق إلى الأسواق الآسيوية، بينما تعتمد أسواق أوروبية وأميركية على جزء من هذه التدفقات بشكل مباشر أو غير مباشر.

وقد أدى تعطل الملاحة خلال الأزمة إلى اضطراب التدفقات، التي انخفضت إلى ما دون 14 مليون برميل يوميا من النفط الخام. بالإضافة إلى ذلك، يمر عبر مضيق هرمز نحو 24 في المئة من تجارة النافثا البحرية العالمية، وهي مادة أولية أساس لصناعة البتروكيماويات، مما يعني أن أي إغلاق طويل للمضيق يحجب قرابة ربع الإمدادات العالمية المنقولة بحرا من هذا اللقيم. كما أن نحو 10 إلى 15 في المئة من المنتجات النفطية المكررة المتداولة عالميا تعبر المضيق، مما أثر في توافر العديد من المدخلات الكيميائية والصناعية.

تداخل هذه المعطيات أدى إلى رفع تكاليف الطاقة والنقل وأثر في سلاسل الإمداد الصناعية والزراعية عالميا. كما حذرت مؤسسات دولية، في مقدمتها صندوق النقد الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، من أن اضطرابات مضيق هرمز وما نجم عنها من ارتفاع أسعار الطاقة قد تزيد الضغوط التضخمية وتضعف نمو الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية. وأشار صندوق النقد إلى أن استمرار تعطل الإمدادات قد يرفع التضخم العالمي إلى 5.4 في المئة ويخفض النمو العالمي إلى 2.5 في المئة في السيناريو السلبي، بينما حذرت الـ"أونكتاد" من أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والأسمدة يهدد آفاق التجارة والتنمية عالميا.

لجأت دول الوكالة خلال أزمة 2026 إلى أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها، بلغت 400 مليون برميل، لتخفيف آثار اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط

وأصبحت دول المنطقة وكثير من الدول حول العالم أيضا تحت رحمة الاغلاق، وعقدت الآمال على أن الأزمة الجيوسياسية والحرب سوف تنتهي خلال زمن قصير. ودفع هذا الوضع دولا كثيرة إلى البحث عن أساليب جديدة للتكيف الاقتصادي لمواجهة الأزمة، حتى مع الإتفاق الإطاري الذي وقعته الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع وفتح مضيق هرمز.

ما هو احتمال التكيف؟

قدّم عدد من المراقبين قراءات متفاوتة لمدى قدرة الدول الصناعية المتقدمة، ولا سيما الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، على التكيف مع اضطرابات إمدادات النفط والغاز من الخليج العربي.

وأشار هؤلاء إلى أن تلك الدول تمتلك أدوات للتعامل مع صدمات الطاقة، أبرزها الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وآليات الاستجابة الجماعية التي تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة. وتُلزم الوكالة أعضاءها الاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل ما لا يقل عن 90 يوما من صافي الواردات، بما يتيح لها مواجهة الانقطاعات الحادة في الإمدادات. كما لجأت دول الوكالة خلال أزمة 2026 إلى أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها، بلغت 400 مليون برميل، لتخفيف آثار اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط.

المجلة

ولجأت الدول الصناعية إلى سياسات لترشيد استهلاك الطاقة، كما حدث خلال أزمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979. فقد نسقت الوكالة الدولية للطاقة بين الدول الأعضاء لمواجهة اضطرابات الإمدادات، بينما طبقت حكومات عديدة إجراءات للحد من الطلب على الوقود، شملت خفض السرعات القصوى على الطرق، وتشجيع النقل العام، وتقنين استهلاك البنزين في بعض الولايات والمناطق وفق نظام الأرقام الفردية والمزدوجة للوحات المركبات. كما أسهمت تلك الأزمات في ترسيخ سياسات كفاءة الطاقة وإنشاء الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي أصبحت جزءا أساسا من منظومة أمن الطاقة في الاقتصادات المتقدمة.

ويذهب كريستوفر سمارت، المستشار السابق في وزارة الخزانة الأميركية والشريك الإداري في "مجموعة أربروث للاستشارات"، في مقاله "مضيق هرمز يصبح أقل خطورة يوما بعد يوم" (The Strait of Hormuz is Getting Less Dire by the Day) المنشور في "نيويورك تايمز" بتاريخ 4 يونيو/حزيران 2026، إلى أن الاقتصاد العالمي بات أكثر قدرة على استيعاب الصدمات الناجمة عن تعطل الصادرات الخليجية مقارنة بالعقود الماضية. ويعزو ذلك إلى تنوع مصادر الإمدادات النفطية، ونمو إنتاج الطاقة خارج الشرق الأوسط، وامتلاك الدول الصناعية احتياطيات استراتيجية كبيرة، فضلا عن تراجع كثافة استهلاك الطاقة في الاقتصادات المتقدمة. ومع ذلك، يؤكد أن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق سيظل قادرا على إحداث آثار ملموسة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

ويشير إلى أن المستهلكين يتفاعلون تلقائيا مع ارتفاع أسعار الوقود، إذ يدفعهم ارتفاع أسعار البنزين إلى تقليص رحلاتهم غير الضرورية، والبحث عن وسائل نقل أكثر كفاءة، أو دمج تنقلاتهم اليومية للحد من الإنفاق على الطاقة.

لا شك أن الاقتصادات الصناعية ستتكيف مع الأزمة، لكن بتكلفة مرتفعة تنعكس على مستويات المعيشة وتضعف النمو الاستهلاكي، ليس فقط في استهلاك الوقود، بل أيضا في الغذاء والسلع المعمرة والكمالية

ويذكر الكاتب بأن شركة تجارة التجزئة الأميركية "وول مارت" (Walmart) أصدرت تقريرا يبين أن الزبائن بدأوا تحديد استهلاك البنزين بأقل من عشر غالونات عند التعبئة في محطات البنزين. ومن جانب آخر، يؤكد سمارت أن الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وكازاخستان وفنزويلا بدأت بزيادة الإنتاج من حقولها. يضاف إلى ذلك تحرير جزء من المخزونات الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات.

من المؤكد أن عمليات التأقلم مع الأزمة لا بد أن تحدث، ولكنها ستكون ذات تكلفة عالية على الاقتصادات الصناعية التي تؤثر على نوعية الحياة في هذه المجتمعات وتعطل النمو في الاستهلاك، ليس فقط استهلاك الوقود، إنما استهلاك الغذاء واقتناء السلع المعمرة، والسلع الكمالية بالتأكيد. قد تكون هناك بدائل لنفط وغاز الخليج، لكن هناك تأثيرات على معدلات النمو وقد ترتفع معدلات التضخم إلى حد ما وربما ترتفع أعداد العاملين الذين يسرحون من أعمالهم.

التكيف في دول الخليج

هناك تباين في تأثيرات إغلاق مضيق هرمز على دول الخليج. تعمل السعودية على تصدير نسبة كبيرة من إنتاجها النفطي من خلال أنبوب شرق – غرب الممتد من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتبلغ الطاقة التصديرية لهذا الأنبوب 7 ملايين  برميل في اليوم. وهكذا تتجاوز السعودية مضيق هرمز بكفاءة لوجستية وبنية تحتية متميزة.

رويترز
خزانات نفطية في ميناء الفجيرة، الإمارات، 6 مايو 2026

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد عززت قدرتها على تصدير النفط بعيدا من مضيق هرمز من خلال خط أنابيب حبشان–الفجيرة (Abu Dhabi Crude Oil Pipeline)، الذي ينقل النفط الخام من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان. وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 1.8 مليون برميل يوميا، مما يتيح للإمارات تصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي مباشرة إلى الأسواق العالمية من دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز. ويُعد هذا الخط أحد أهم مشاريع أمن الطاقة في المنطقة، إذ يوفر مسارا بديلا للصادرات النفطية في حال تعطل الملاحة في الخليج العربي.

وأعلن مكتب أبوظبي الإعلامي أن الإمارات تعتزم تسريع تنفيذ مشروع خط الأنابيب النفطي الجديد "غرب–شرق 1"، في خطوة تهدف الى مضاعفة الطاقة التصديرية لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) عبر ميناء الفجيرة بحلول عام 2027، بما يعزز قدرة الدولة على تصدير النفط بعيدا من مضيق هرمز. وأوضح المكتب أن ولي عهد أبوظبي، الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وجّه "أدنوك" بالإسراع في إنجاز المشروع خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لمجلس إدارة الشركة. ويجري حاليا تنفيذ خط الأنابيب، على أن يبدأ تشغيله خلال العام المقبل، مما سيوفر مسارا إضافيا لنقل النفط الخام إلى ساحل بحر عُمان ويعزز مرونة البنية التحتية للطاقة في الإمارات.

الأزمة الأمنية الأخيرة أعادت إحياء النقاش حول مشاريع وخيارات استراتيجية تهدف إلى تقليص اعتماد دول الخليج على مضيق هرمز، ومن بين هذه الخيارات توسيع شبكات الأنابيب العابرة لشبه الجزيرة العربية، وربط بعض الدول المنتجة، مثل الكويت وقطر، بمنافذ تصدير تقع على البحر الأحمر أو بحر العرب عبر الأراضي السعودية

وبالتالي، تعكس هذه المشاريع القدرات التصديرية لكل من الدولتين وتخطي معضلة مضيق هرمز بفعل الاستثمارات المهمة في البنية التحتية. ومن جهة أخرى، تمكنت عمان، وإن كانت تنتج نفطا بكميات أقل من السعودية والإمارات، من تصدير إنتاجها عبر موانئ على خليج عمان وبحر العرب.

إلا أن قطر والكويت والبحرين تبقى رهينة المضيق في ظل غياب منافذ لها بعيدا منه. ولا شك أن الأزمة الأمنية الأخيرة أعادت إحياء النقاش حول مشاريع وخيارات استراتيجية تهدف إلى تقليص اعتماد دول الخليج على مضيق هرمز. ومن بين هذه الخيارات توسيع شبكات الأنابيب العابرة لشبه الجزيرة العربية، وربط بعض الدول المنتجة، مثل الكويت وقطر، بمنافذ تصدير تقع على البحر الأحمر أو بحر العرب عبر الأراضي السعودية أو الإماراتية.

أ.ف.ب
مدينة رأس لفان الصناعية، أكبر منشأة للغاز المسال في العالم، وتبتعد 50 كيلومترا عن العاصمة الدوحة، 6 فبراير 2017

كما سعت الكويت إلى تعزيز أمن صادراتها النفطية من خلال توسيع حضورها في الأسواق الآسيوية، عبر استئجار وبناء مرافق تخزين للنفط الخام في عدد من الدول المستهلكة، ولا سيما كوريا الجنوبية واليابان، بما يتيح توفير إمدادات قريبة من العملاء وتقليص مخاطر اضطرابات سلاسل التوريد. وتأتي هذه السياسة ضمن توجه أوسع تتبعه الدول الخليجية المنتجة لتعزيز مرونة صادراتها في مواجهة أي اختناقات محتملة في طرق الشحن التقليدية. هذه المشاريع لا بد أن تستغرق زمنا ليس بالقصير لكي تصبح مهيأة للتشغيل، ولكن لا بد من العزم وطرحها للتنفيذ دون تباطؤ أو تقاعس.

التكيف مع تراجع الإيرادات النفطية

 مما لا شك فيه أن دول الخليج تواجه تحديات تراجع الإيرادات النفطية خلال هذا العام. وبحلول الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة وقف إطلاق النار في 7 أبريل/نيسان، كانت دول الخليج قد وجدت نفسها أمام تكلفة إعادة إعمار ضخمة لقطاع الطاقة تُقدَّر بنحو 58 مليار دولار، تشمل إصلاح المصافي والحقول النفطية ومنشآت الغاز ومرافق الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية المرتبطة بها.

وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر السابقة على وقع أزمة الطاقة العالمية، ظل التصدير متواضعا لعدد من الدول مثل الكويت وقطر، وبنسبة أقل للسعودية والإمارات.

إلا أن دول الخليج كانت قد بدأت بالفعل إعادة النظر في نماذجها الاقتصادية قبل اندلاع الحرب الإيرانية–الأميركية. فالتحديات التي تواجه الاقتصادات النفطية لا ترتبط فقط بالأزمات الجيوسياسية، بل أيضا بالتحولات الهيكلية التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

ارتفعت إسهامات الأنشطة غير النفطية في المملكة إلى نحو 55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فيما نما الناتج غير النفطي بنحو 4.9 في المئة مقارنة بعام 2024

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته قبل عام 2030، مدفوعا بالتوسع في استخدام السيارات الكهربائية وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة وتسارع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة. ومن المتوقع أن ترتفع إسهامات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، وفي مقدمها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من أقل من 45 في المئة عام 2024 إلى نحو ثلثي إجمالي إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة عالميا بحلول عام 2030.

لذلك، تنظر دول الخليج إلى هذه التحولات بوصفها تحديات استراتيجية طويلة الأجل تستدعي تسريع برامج التنويع الاقتصادي وزيادة إسهام القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي والإيرادات العامة، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتداعيات الحرب أو تقلبات أسعار النفط.

رويترز
مركز الملك عبد الله المالي وسط الرياض، 1 ديسمبر 2024

من هذا المنطلق تجلت الرؤى الوطنية، مثل رؤية 2030 السعودية التي ركزت على توسيع إسهام قطاعات السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والتعدين والصناعة والتكنولوجيا. ونتيجة لذلك، ارتفعت إسهامات الأنشطة غير النفطية إلى نحو 55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فيما نما الناتج غير النفطي بنحو 4.9 في المئة مقارنة بعام 2024.

غني عن البيان أن الحروب، مهما طالت، تنتهي في نهاية المطاف وتعود الأوضاع الأمنية تدريجيا إلى مستويات أكثر استقرارا. غير أن الضغوط التي تعرضت لها الإيرادات النفطية خلال عام 2026، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأمن وإصلاح البنية التحتية للطاقة، تفرض على دول المنطقة خيارات مالية صعبة. وقد تشمل هذه الخيارات زيادة الاقتراض من الأسواق المحلية والدولية، أو السحب من الأصول التي تديرها الصناديق السيادية، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام للحفاظ على الاستقرار المالي ومواصلة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية. وتكشف الأزمة أن امتلاك الاحتياطيات النفطية لم يعد كافيا بحد ذاته، إذ أصبحت قدرة الدول على تمويل الإنفاق العام خلال فترات تعطل الصادرات تعتمد بصورة متزايدة على حجم أصولها السيادية، ومرونة سياساتها المالية، وسهولة وصولها إلى أسواق الدين العالمية.  

التزامات جديدة        

تواجه دول الخليج  تحديات جديدة نتيجة الاعتداءات الإيرانية خلال الحرب الأخيرة، وما خلفته من أضرار في عدد من المؤسسات والمباني والبنية التحتية، وهناك عدد من المنشآت النفطية والخدمية التي تضررت ومنها المطارات والموانئ. وأفاد باحثون في "شاتام هاوس" (Chatham House) بأن الحرب "فرضت بالفعل خسائر كبيرة في الإيرادات" على مصدري النفط والغاز في الخليج نتيجة تعطل الصادرات وارتفاع المخاطر التشغيلية.

تعزيز التكامل الدفاعي بين دول مجلس التعاون تعدى كونه خيارا سياسيا إذ أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لخفض تكلفة المخاطر وحماية البنية التحتية الحيوية، ولا سيما منشآت النفط والغاز والموانئ وشبكات النقل والطاقة

وإلى جانب تداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة والتجارة، أكدت هذه الحرب أهمية بناء منظومة أمنية ودفاعية خليجية أكثر تكاملا، تعتمد على أحدث أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والتقنيات المضادة للطائرات المسيّرة، فضلا عن الاستثمار في تأهيل الكوادر العسكرية ورفع جاهزيتها التشغيلية.

كما أن تعزيز التكامل الدفاعي بين دول مجلس التعاون تعدى كونه خيارا سياسيا إذ أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لخفض تكلفة المخاطر وحماية البنية التحتية الحيوية، ولا سيما منشآت النفط والغاز والموانئ وشبكات النقل والطاقة.

رويترز
ناقلة نفط ترسو عند ميناء السلطان قابوس، مسقط، عمان، 12 مارس 2026

غير أن هذه المتطلبات ستترتب عليها أعباء مالية إضافية، سواء من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي أو تسريع الاستثمارات في أمن الطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية. ومن المرجح أن تدفع هذه التطورات الحكومات الخليجية إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد المالية، وتسريع جهود التنويع الاقتصادي لتوسيع مصادر الإيرادات غير النفطية. كما ستبرز الحاجة إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي واستدامة المالية العامة، بما يحد من الضغوط على الموازنات الحكومية ويعزز قدرة الاقتصادات الخليجية على امتصاص الصدمات المستقبلية.

وفي هذا السياق، لن يقتصر التحدي على احتواء آثار الأزمة الراهنة، لأنه سيمتد إلى بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع بيئة دولية تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتزايد المنافسة الاقتصادية. ومن ثم، فإن نجاح دول الخليج في إدارة هذه المرحلة سيقاس بقدرتها على تحويل الإنفاق الأمني والدفاعي من عبء مالي إضافي إلى استثمار طويل الأجل في الاستقرار الاقتصادي وجاذبية الاستثمار واستمرارية النمو.

font change

مقالات ذات صلة