العودة إلى لبنان... هل تتجرع سوريا "الكأس المرة"؟

التدخل إن حصل فقد يكون جزءا من إطار إقليمي ودولي واسع يشبه التحالف ضد "داعش"

"المجلة"- رويترز
"المجلة"- رويترز

العودة إلى لبنان... هل تتجرع سوريا "الكأس المرة"؟

منذ بدء الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل يوم 2 مارس/آذار الماضي ظل سؤال أساسي يتكرر باستمرار وهو ما إذا كانت "سوريا الجديدة" ستتدخل في هذه الحرب ضد "حزب الله". سيناريوهات كثيرة طرحت، أبرزها "سيناريو الكماشة"، أي أن تحاصر إسرائيل "حزب الله" من الشمال، في جنوب لبنان، بينما يحاصره الجيش السوري من الشرق، في البقاع اللبناني، وبدا أن هذا السيناريو قابل للترويج ولاسيما بعد أن وصلت إسرائيل بين مواقعها في الجنوب السوري ومواقعها في الجنوب اللبناني، وبعد أن نشر الجيش السوري وحداته على الحدود اللبنانية-السورية في منطقة البقاع. إلا أن هذا السيناريو ظلّ عرضة للتكهنات والمخاوف والتمنيات، إلى أن بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يكرر تصريحاته عن دور سوري محتمل في مواجهة "حزب الله" داخل لبنان، وكان أوضحها تصريحه لقناة "فوكس نيوز"، الأحد 21 يونيو/حزيران، عندما قال إنه "مُحبَط لأن إسرائيل لا تستطيع القضاء على (حزب الله)"، مضيفاً: "أنا قريب من تسليم الأمر إلى سوريا". وكان قد أشاد خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا قبلها بأيام، بالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قال عنه إنه يقوم "بعمل مُذهل"، مضيفاً: "إذا لم تتمكّن إسرائيل من إنجاز المهمّة (ضد حزب الله) دون قتل الجميع، فإنه (الشرع) سيتولّى ذلك. سوريا ستقوم بالمهمّة".

هكذا بدا ترمب جازما في التدخل السوري في لبنان، وكأن الأمر مبتوت ولم يبق سوى مشاهدة أرتال الجيش السوري تعبر الحدود اللبنانية للتوجه إلى أقسى مذبحة ستشهدها المنطقة منذ قرون عديدة. لكن سرعان ما تبين أنه لا تزال هناك فرصة لتجنب هذه الكارثة التي ستكون بأحسن الأحوال امتدادا متأخرا للمذبحة السورية التي استمرت زهاء 14 عاما؛ ذلك أن الرئيس السوري نفى، الأحد 21 يونيو، سعي بلاده إلى التدخل عسكرياً في لبنان، وقال في مقابلة تلفزيونية: "إنَّ طرحنا مع الولايات المتحدة يقوم على وجوب أن تقف الحرب"، وقد بدا أنها جملة كافية لطي الصفحة وإقناع الرئيس ترمب بأن سوريا "لا تستطيع القيام بالمهمة".

لكن وقبل الغوص في فحوى الرسائل التي حاول الرئيس ترمب توجيهها إلى سوريا و"حزب الله" وأبعد منهما، فإن تكراره لهذه التصريحات أكثر من مرة خلال فترة لا تتجاوز الأسبوعين يعني أولا أن ملف "الحزب" لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في المقاربة الأميركية للشرق الأوسط، حتى في ذروة الانخراط الأميركي في المفاوضات مع إيران.

ولعل أهمية هذا التكرار هي في الرسالة السياسية التي يحملها وليس في تطبيق فكرة ترمب من عدمه. فغالب الظن أن واشنطن حريصة على تأكيد أن أي تفاهم مع إيران لن يكون على حساب "أمن إسرائيل"، وأن ملف "حزب الله" يشكل جزءاً من المعادلة التفاوضية وليس بنداً مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة. لهذا تبدو القراءة التي تفترض أن الإدارة الأميركية قد تتغاضى عن سلاح "حزب الله" لضمان إبرام اتفاق نووي مع إيران أو تفاهم إقليمي أوسع، قراءة متسرعة بعض الشيء. فمسار المفاوضات الإيرانية الأميركية وكذلك اللبنانية-الإسرائيلية، ناهيك بالخطط ​لإنشاء ‌آلية ‌أميركية-لبنانية-إيرانية للمساعدة في ترسيخ وقف ‌إطلاق النار في لبنان ومراقبة ⁠تنفيذه على ما أبلغ جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية ‌ماركو ​روبيو ‌الرئيس ⁠اللبناني ​جوزيف عون، كل ذلك يؤدي إلى مقاربة مختلفة، أي أن هناك محاولة لدمج معالجة سلاح "حزب الله" ضمن هندسة إقليمية جديدة تترافق مع تفاهم أميركي-إيراني أوسع، بحيث يصبح إنهاء الوجود العسكري لـ"الحزب" أو تقليصه جذريا جزءاً من التفاهمات الإقليمية الدولية الجديدة وبموافقة إيرانية، بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

بيد أن تصريحات الشرع لا تحسم المسألة. فالتدخل السوري العسكري قد لا يكون مطروحاً اليوم، لكنه يبقى واحداً من السيناريوهات المحتملة

فمجرد القبول الأميركي بوجود إطار تنسيقي يضم إيران ولبنان والولايات المتحدة يفتح الباب أمام سؤال جوهري: ما الذي يمكن أن يدفع واشنطن إلى إشراك طهران في آلية من هذا النوع إذا لم تكن تراهن على دور إيراني في ضبط سلوك "حزب الله" وإعادة رسم مستقبله العسكري، بل وتصفيته عسكريا؟ فأي تفاهم حول آليات تثبيت وقف النار والمعادلة الأمنية الجديدة في جنوب لبنان سيحتاج حكماً إلى مساهمة مباشرة من إيران، التي ستقدم ربما خرائط للمواقع العسكرية التابعة لـ"حزب الله" فيقوم الجيش اللبناني بتفكيكها تباعا على أن يسلم الأسلحة النوعية التي يعثر عليها فيها إلى طهران. ومن هنا تبدو فرضية التسامح الأميركي مع استمرار الوضع السابق أقل انسجاماً مع الوقائع المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة.

ضمن هذا السياق يكتسب موقف الشرع أهمية خاصة. فعندما يقول إن سوريا تبحث عن "خطوط اقتصادية بين لبنان وسوريا وليس عن خطوط عسكرية"، فإنه لا ينفي فكرة التدخل العسكري وحسب، إنما يقدم تصوراً مختلفاً لدور سوريا في المرحلة المقبلة. أي أنه يحاول تعريف الموقع الإقليمي لسوريا من خلال التجارة والطاقة والنقل والاستثمار وإعادة الإعمار، أكثر مما يحاول تعريفه عبر النفوذ الأمني والعسكري الذي حكم العلاقات السورية-اللبنانية لعقود طويلة.

أ.ف.ب
عناصر من الجيش اللبناني تنتشر في قرية بئر السلاسل جنوب لبنان في 15 يونيو 2026

هذه اللغة تعكس أيضاً طبيعة اللحظة الإقليمية. فالدول العربية الرئيسة، إضافة إلى تركيا، تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من مشروع استقرار اقتصادي وجغرافي أوسع يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. لذلك يصبح من الطبيعي أن يفضّل الشرع الحديث عن الشرايين الاقتصادية والربط الإقليمي بدلاً من التورط في حروب جديدة. وهو نفسه أوضح أن مقاربة دمشق مع الولايات المتحدة تنطلق من ضرورة وقف الحرب والبحث عن حلول سياسية واقتصادية واجتماعية، مع إعادة ربط الاقتصادين اللبناني والسوري، بل ذهب أبعد من ذلك عندما أعلن استعداده للجلوس مع "حزب الله" والحوار معه.

ولعل هذا الموقف للنظام السوري الجديد يؤكد حقيقة أن الاتفاق الأميركي-الإيراني المحتمل يشكل حاجة استراتيجية لدمشق. فسوريا الخارجة من سنوات الحرب الطويلة تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة وإلى اعتراف دولي متزايد وإلى تدفقات استثمارية واسعة. ومن هذه الزاوية يصبح أي حل منظم لملف "حزب الله"، خارج التوريط العسكري لدمشق، عاملاً مساعداً للشرع، من حيث عدم التورط في صراع مع خصم مثل "الحزب".

بيد أن تصريحات الشرع تلك لا تحسم المسألة. فالتدخل السوري العسكري قد لا يكون مطروحاً اليوم، لكنه يبقى واحداً من السيناريوهات المحتملة إذا تغير الظرف الراهن؛ فنجاح المفاوضات الأميركية-الإيرانية سيجعل المسار السياسي هو الغالب، أما تعثرها أو انهيارها فقد يعيد المنطقة إلى منطق الصراع المفتوح.

في مثل هذا السيناريو قد يظهر دور سوري مختلف تماماً. فالتدخل لن يكون قراراً سورياً منفرداً، بل جزء من إطار إقليمي ودولي واسع يشبه من حيث بنيته التحالفات التي تشكلت سابقاً ضد تنظيم "داعش". أي قيام غرفة عمليات دولية-إقليمية تتولى إدارة المواجهة السياسية والعسكرية ضد "حزب الله"، فيما يتحول الجيش السوري إلى أداة ميدانية ضمن هذه المعادلة كقوة مشاة رئيسة على الأرض. عندها يصبح الهدف محاصرة "حزب الله" عسكرياً وإنهاء قدراته القتالية ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية في المشرق العربي والمنطقة ككل.

تواجه سوريا استحقاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية هائلة، لا يمكن للنظام الجديد أن يقفز فوقها أو أن يعيد خلط أولوياته بحيث يصبح تدخله في لبنان ضدّ "حزب الله" في رأس أجندته

مع ذلك، فإن المعطيات الحالية لا تجعل هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً. فالطرح الفرنسي المتعلق بالعمل على إنشاء قوة دولية جديدة تتولى جانباً من مهام ضبط الوضع في الجنوب اللبناني بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" يوفر بديلاً مختلفاً يقوم على تطبيق الاتفاقات الأمنية من خلال انتشار دولي مدعوم بانتشار الجيش اللبناني وآلية انسحاب متبادل ومتدرج. وفي حال نضج هذا الخيار فإن الحاجة إلى تدخل عسكري سوري مباشر ستتراجع بصورة كبيرة.

لكن في عرض للاحتمالات كلها، ثمة سيناريو آخر أكثر خطورة من تدخل جيش السوري في لبنان، وهو أن يُدفع بالتشكيلات العسكرية المتطرفة المتشكلة على هامشه إلى الانخراط في مواجهة مفتوحة مع "حزب الله"، في لعبة استخبارية، شبيهة بتهريب الإرهابيين من سوريا إلى العراق لقتال الجيش الأميركي هناك، إبان حرب العراق. وللمفارقة فإن النظامين السوري والإيراني كانا شريكين في العملية، وقد كان الرئيس السوري الحالي أحد الذين عبروا الحدود السورية للقتال في العراق وقتذاك حيث اعتقل أيضا. والأدهى أن هذه التشكيلات المتطرفة معبأة أيديولوجياً ضد "حزب الله" ولاسيما بعد مشاركته في الحرب السورية؛ إنه سيناريو كارثي بطبيعة الحال لم تشهد الحرب السنية-الشيعية الدائرة في المنطقة منذ حرب العراق مثيلا لها.

أ.ف.ب
جنود سوريون يقومون بدورية في جبل لبنان في دبابة روسية الصنع عام 1986

بين 1976 و2026

إلى ذلك تدفع المقارنة بين الحديث الحالي عن دور سوري محتمل في لبنان وبين دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 إلى ملاحظة فوارق كبيرة تتجاوز اختلاف الزمنين السوري واللبناني. فدخول الجيش السوري إلى لبنان آنذاك جاء ضمن تقاطع مصالح إقليمية ودولية واسع، وحظي بغطاء أميركي بعد اتفاق "الخطوط الحمر" الشهير بين تل أبيب ودمشق والذي صاغه هنري كيسنجر، ثم عربي تُرجم لاحقاً في إطار "قوات الردع العربية" التي كانت دمشق عمودها الفقري. كما ارتبط ذلك التدخل بظروف داخلية سورية مختلفة جذريا عن الظروف الراهنة، إذ كان في جزء رئيس منه محاولة للالتفاف على أزمة الشرعية التي يواجهها النظام البعثي ولاسيما بعد "الحركة التصحيحية" التي قادها حافظ الأسد عام 1970. بالتالي مثّل التدخل في لبنان فرصة لتعزيز الدور الإقليمي للنظام وترسيخ مكانته الداخلية.

أما اليوم، فيقف النظام الجديد في سوريا أمام واقع مغاير كليا. فسوريا تواجه استحقاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية هائلة، لا يمكن للنظام الجديد أن يقفز فوقها أو أن يعيد خلط أولوياته بحيث يصبح تدخله في لبنان ضدّ "حزب الله" في رأس أجندته. ومن هذه الزاوية، تبدو أي مغامرة عسكرية خارج الحدود عبئاً إضافياً على هذا النظام الذي لا يزال منشغلا بإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية. لذلك يشكل الواقع السوري الراهن أحد أهم الكوابح لتدخل الجيش السوري في لبنان، على النقيض مما كانت عليه الحال في 1976.

الانخراط الأميركي في بغداد لم يعد مقتصراً على الملفات الأمنية التقليدية، بل امتد إلى قضايا سياسية واقتصادية معقدة، وصولاً إلى الوساطة في الخلافات المتعلقة بالنفط بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان

ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية إذا ما أُخذ في الاعتبار أن البيئة الإقليمية الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي أحاطت بتدخل عام 1976. فالدول العربية الرئيسة، إلى جانب تركيا، تعمل على بناء منظومة إقليمية أكثر ميلاً إلى احتواء الأزمات ومنع انفجارها، بما في ذلك إدارة التنافس والخلافات مع إيران ضمن قواعد تضبط الصراع وتمنع تحوله إلى مواجهات مفتوحة كما حصل خلال الحرب الإخيرة في الخليج. ولهذا يصعب تصور وجود حماسة عربية أو تركية لخوض تجربة جديدة قد تقود إلى حرب واسعة بين الجيش السوري و"حزب الله"، بكل ما يمكن أن تجره من تداعيات على لبنان وسوريا والمنطقة بأسرها.

رويترز
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في دمشق، سوريا، 14 أبريل 2025

مع ذلك، فإن استبعاد هذا السيناريو بصورة نهائية قد يكون سابقاً لأوانه. فسوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع أصبحت جزءاً من منظومة إقليمية ودولية آخذة في التشكل، والشرع نفسه يدرك هامش الحركة المتاحة له داخل هذه المنظومة كما يدرك المكاسب التي ترتبط بالاندماج فيها. ولذلك، إذا وصلت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة إلى قناعة بأن الحسم العسكري مع "حزب الله" أصبح خياراً لا مفر منه، فإن قدرة دمشق على الوقوف في مواجهة هذا التوجه قد تكون محدودة. عندها قد يتحول الدور السوري من خيار غير مرغوب فيه إلى مهمة تفرضها الترتيبات الجديدة، بحيث تصبح مواجهة "الحزب" جزءاً من الوظيفة الإقليمية الموكلة إلى سوريا داخل النظام الإقليمي الجديد.

ولا بدّ هنا من قراءة الاهتمام الأميركي المتزايد بالعراق خلال الأشهر الأخيرة. فالانخراط الأميركي في بغداد امتد إلى قضايا سياسية واقتصادية معقدة مثل الوساطة في الخلافات النفطية بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان، ولم يعد مقتصراً على الملفات الأمنية التقليدية. وقد لا يكون هذا الحضور الأميركي المكثف في العراق منفصلاً عن اعتبارات استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة ترتيب البيئة المحيطة بسوريا. فاستقرار العراق وضبط التوازنات داخله يساهمان في تأمين الخاصرة الشرقية لسوريا وتقليص قدرة الفصائل المرتبطة بإيران على التأثير في مسار الأحداث والضغط على النظام السوري. وفي حال انتقلت المنطقة من مرحلة التسويات إلى مرحلة المواجهة مجددا، فإن مثل هذه الترتيبات قد تكتسب أهمية إضافية كجزء من بنية إقليمية أمنية أوسع هدفها محاصرة النفوذ العسكري الإيراني الممتد بين العراق وسوريا ولبنان، وهنا يصبح تأمين "ظهر" دمشق، عنصرا حاسما في احتمال تدخلها عسكريا في لبنان، في حال اقتضى الظرف الإقليمي والدولي ذلك.

font change